د.السيد أحمد - الناس (2)






الناس - الحلقه الثانية    


أدب ساخر ( زمان ودلوقت)


د.السيد أحمد 


     كنت أعيش فى القاهرة – أسير فى شوارعها النظيفة وعماراتها الشيك القديمه والتى تشتهر بديكوراتها الرائعة – كنا نرتاد شارع فؤاد وسليمان باشا ونقضي أوقاتنا ونحن شباب فى شارع 26 يوليو ونتفرج على العمارات الفخمه مثل الإيموبيليا وندخل سيما ريفولي ومترو وديانا وكنا نتعشى فى مطاعم وسط البلد زى زينة واكسيليسيور ونجلس على كافيه الأمريكين – كنا نسير فى شوارع مصر الجديدة ونستمتع بالطراز المعماري الفريد ونشوف البوابين اللى من النوبه وهما لابسين الزى الجميل بتاعهم وطريقتهم الجميلة ولهجتهم الحلوة 
الناس كانت زمان شيك ولهم طابع الأناقة والأيافة واللطافة يعنى الشاب رايح الجامعة ولابس البدله أم صديري والكرافته كأنه عريس ومسرح شعرة على جنب ولابس البنطلون الشارلستون والحذاء الطويل أبو بوز مربع والنعل الكريب أو الأخضروالجلد الفيرنيه ,
 الحياة كانت بسيطة وسهلة – الجيران دايما  كانوا بيساعدوا بعض مينفعش حد يقع فى أزمة وما يلاقيش حواليه أهله وصحابه وجيرانه – كان هناك حبيب البقال وأخوه عزيز وأمامه عم محمود الخضرى, وبجانبه عم أيوب بتاع الفول المدمس اللى جاي من المستوقد على عربيته صباحا- وعلي الناصية عبد السلام الجزار وكله على النوتة – محمود حسن الكهربائى واولادة المسؤل عن إحياء الأفراح والمآتم من فراشه وكهرباء وصوت وإناره – سمير الترزي وأبوه عم ميخائيل الذى  تعطيه الكستور المبرد ليفصل لك بيجامه تستلمها بعد شهر أو شهرين حسب دورك – كنا زمان نلعب فى الحارة وفيه ميت عين بتحرسنا كنا دائما نسمع عبد الباسط والشيخ رفعت والشعشاعى والمنشاوي قبل آذان العشاء من الراديو – كنا صبيه نلعب الكوره الشراب بأدب يتزعمنا أطولنا نبوي عبد الحميد وننتظر ماتشات الكوره والدورى – بعد المباره لننزل جميعا على الناصيه نتجادل ونتشاكل مين هو الفريق الأحسن .
كانت هناك الأكله الحلوه والصحه الكويسه والضحكه الجامدة والهواء النضيف والطاقه والحيويه والمزاج الرايق والقلوب الصافيه – كان اللسان حلو وبينقط سكر – ولمّة العيله هى الفسحة والترماي أبو خمسه مليم من ميدان الخازندار لميدان التحرير وسيلتنا الجميله للفسحة وكنا نشوف التروللى باص وهو شبه الاوتوبيس وكان له سنجة – كنا نفرح قوى والوالد ممسكا بأيدينا ونحن نمر أسفل أسدين كوبرى قصر النيل –كانت السعادة تغمرنا ونحن نعبر فوق الكوبرى الى حديقة الأندلس لنأكل الترمس والسميط أبو بيض ودقه وحمص الشام على كورنيش النيل لنستمتع بالمراكب الشراعيه التى تمرعلينا وعلى سطحها يتراقص الجميع سعداء .
البيوت زمان ماكنش ليها باب حديد يتقفل بالترباس أفتكر في الستينات عند بداية ظهور التليفزيون الأبيض والأسود – إشترينا تليفزيون 19 بوصة ماركة باي من شركة النصر وبيسلمه عمر أفندى وييجى معاه مهندس علشان يركبه ويظبطه – وكانت هناك ضريبة ندفعها كل سنة – كان الإرسال من الساعة الخامسة ولمدة أربع أوخمس ساعات –كان كل الشباب والأطفال والجيران بتوع الحتة – يحضروا للمشاهدة ولازم يتعشوا مع بعض – الناس كانت بتحب بعضها – لمّا تحدث حالة وفاة يتوزع الكل للمساندة والمشاركه ويصطف الجميع لأخذ واجب العزاء . 
كانت العيلة كلها تتغدى مع بعض على الطبلية, وتقعد مع بعض تشرب الشاى ويتبادلوا الأحاديث والأخبار – وكنا نصلى مع بعض فى الجامع ونحضر القداس مع إخواننا المسيحيين وكان حبيب وعم مرشد يصومان أسبوع معانا فى رمضان وياكلوا معانا الكحك فى العيد .
كان يوم الجمعه عيد في البيت الكبير حيث يجلس الأب والأم لإستقبال كل أولادهم وزوجاتهم وبناته وأزواجهم والأحفاد والجميع يعد طعام الغذاء والوالد يجلس وعلى حجره وكتفه أحفاده الصغار وهو سعيد بيهم .
كانت أكبر المشاكل تذوب بينهم وهم جلوس حيث يتم حلها بسهولة – كنا فى منتهى السعادة وإحنا بنبوس إيد الأب والأم – كانت سعادتنا ونحن راجعين بعد صلاة الجمعة والكل يتقابل ويتحادث, ونضحك من القلب بعد الصلاة فى جامع الخازندار الكبير بشبرا ويتحادث معنا الشيخ نصر الدين طوبار وكان يلازمنا فى الفجر بتواشيحه الجميلة .
دلوقت الدنيا هيّه هيّه والناس إتغيرت – اللغة بقت مجعلصة ومابقيناش طايقين بعض إنفرد الجيل الجديد بمصطلحات ما أنزل الله بها من سلطان – (فكك ياعم – نفض للبرنس – وفأكس للأمورة – وكّبر -  ومش حاطط إيدي على البلف – وآخر حاجة – وغيّر الأكس يا برنس )
الناس دلوقت بقى فيها البنات المسترجلة والشباب اللى لابسين بناطيل سكيبى ومبينين الأندروير بتاعهم وعاملين تسريحة عُرْف الديك والمارينز.
بقينا نروح نشترى حاجاتنا والبياع يقول إنجز ياعم متخنوقناش – بقينا نسكن فى شقق 63 متر فى أبراج 15 دور وشوارع 4 متر وبقينا نخرج من شقوق زى التعابين ومنعرفش أي حاجة عن الجار اللى ساكن جنبنا .
بقينا ما نسألش على بعض إلا لو حصلت مصيبة – وممكن نسأل على بعض بالتليفون وخلاص وعن طريق كلمنى أورنلى شكرا – البيت دلوقت عبارة عن وحدة مفككة – الشباب آل إيه قاعدين على شبكات التواصل الإجتماعى بيكلموا بعض وبيناقشوا أفكار بعض .
كل أودة فيها تليفزيون بيلهى الناس عن بعضها وظهرت قنوات وبرامج الطبخ ونجوم الشيفات وأصبحت تحتل مكانه كبيرة جدا وعملت لهم القنوات برامج ثابته مثل برامج التوك شو والتى أظهرت الخبير العسكرى والخبير الأمنى والخبير السياسي والخبير الإستراتيجى والخبير الإقتصادي والدولى والقضائى والتحكيمى – ونسيت أقول ليكم الخبيى الكروى  وكل أفكارهم منقوله أو محفوظة أو مكررة .
بقينا نشيّت لبعض أكتر ما بنتكلم – بنبص فى موبايلاتنا أكتر ما بنبص لوشوش بعضنا .
العيلة بقت شئ ضحل – ولمّة العيلة بقت موضة قديمة ودمّها تقيل – وراح زمن الجدعنة وجه زمن الفهلوة – وأصبح شعارنا عيش ندل تموت مستور – راح زمن الشهامة وجه زمن الندامة – وبقينا نتفرج على بعضنا البعض وعلى طول نطلع الموبايلات ونصور – عبوة ناسفة نصور – حادثة على الطريق نصور – حادثة سيارة وفيه مصابين نصور حريقه أو نار مشتعلة نصور ومحدش منا بيتحرك لعمل حاجة بيقينا نتفرج على وجع بعضنا وبنحسش بمصيبة غيرنا وفقدنا الرجولة والفحولة وبقى شعارنا ياعم كبر. 
الضحكة الحلوة بقت نادرة وغالية وكل ما نضحك نقول اللهم إجعله خير. 
الصغير بقى ينفض للكبير والكبير بقي مش فاهم أخلاق الصغير – لغة الفهلوة والصياعة بقت هيّه السائدة اليومين دول – بقينا تسعين مليون فهلوى بتنفهلو على بعض – تلاقى الصنايعى عارف كل حاجة السباكة والنجارة والمحارة والبنا والكهربا وإذا جبته يبوظها من تانى يوم بعد أن يكون قد قفش العربون ولو جدع تعرف تجيبه تانى .
الدنيا بقت وخدانا في وشها وبتجرى بينا وإحنا مصممين على أن نحصلها ونسينا ورمينا ورانا كل أخلاقنا وقيمنا ومبادئنا وأصولنا وياريتنا عارفين هيه وخدانا على فين ورايحة بينا فين – أهو أدينا بنجرى وخلاص – وكل واحد بيتعب بيقع – وبيدوس علية اللى وراه – ويبص مايلاقيش معاه حاجه ويلاقي نفسة خسر كل حاجة .  وراحت منه حاجات كتير . 
    ما تيجو نضحك على الدنيا – قبل ما تضحك علينا – ونسيبها تجرى لوحدها يمكن لما تبص وراها وتلاقينا بعيد عنها ترجع لنفسها وعقلها – وتهدى علينا شوية .
     تعالوا بينا نرجع لقيمنا وأصولنا – تعالوا بينا نعود لنفسنا زى ما كنا زمان نحترم بعض ونساعد بعض ونعيش مع بعض ونحب بعض .
تعالوا نرجع للمة الأسرة وحنان البيت اللي كان بيضمنا ونتكلم مع بعض ومبنكبرش عقولنا وننسي أهالينا – تعالوا للمة والحضن والحس والأمل – تعالوا للحب والجدعنه والشهامه والرجولة ومساعدة الآخرين ولهفة المنكوبين
تعالوا نرجع لحضن البيت والحارة ورحمة وحنان الجار والجارة وحب الأهل وإخلاص ونقاء الأشقاء .
تعالوا نهرب من الفساد والظلم والطغيان والفجور ونروح نرمى همومنا فى البحر ونشرب من مية النيل الصافية ونغسل فيه قلوبنا وننام على أرضنا السودة الطيبة وهوانا العليل .
تيجو نجرب نعيش مع بعض مانتخانقش مع بعض ونحترم بعض ونسمع لبعض ونشيل الخلاف اللى ممكن يدمرنا                     








شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء