عبد العزيز مشرف - أخيراً ...!

       


       أخيراً ...   


 عبد العزيز مشرف



           لم يزل -  مذ عرفته الحياة -  متردداً يهم بالأمر ثم ينكص عنه , وهو فى كل أمره كذلك حتى فى أبسط الأمور , مشكلته الحقيقية  لم تكن مع الناس  بقدر ما كانت  مع نفسه التى ودّ فى لحظات ضعفه لو تخلّص منها .

  لم يستطع أن يقيم علاقات طبيعية مثل غيره , يميل للعزلة  إلى  حد الانطواء , كأنما يخشى الناس , وشعوره بالغربة يزداد يوماً بعد يوم , شهادته الجامعية التى نالها بتفوق لم تشفع له ليجد عملاً يرضيه , وما كان يتوهمه من ارتباطات إنسانية زمن الدراسة تلاشت فى دروب الحياة , وبقى وحده , ابناً  أصغر, مع أبيه وأمّه .



         أبوه  ينظر إليه فى غدواته وروحاته باعتباره ليس بالرجل الذى أمّل عمراً أن يراه يشد ظهره , كم كلّمه ! , وكم انفعل عليه  وأظهر حنقه من رخاوة عزيمته  ! كان الكلام يضل طريقه بينهما , لم تكن ثمّة لغة حوار  ولا  قنوات اتصال .



    ما زال يذكر يوم أن جمع له أبوه أخواله ونفرأً من أقاربه  لينظروا فى أمر الابن الذى  قضى فى الدنيا ثلاثين عاماً ثم ها هو لا يريد أن يحتمل مسئولية , ولا أن يتشبه بالرجال , فى قرارة نفسه  كان مثل هذا الشعور من الآخرين نحوه كفيل بأن يذبحه , يقتله  , ولكن من كثرة وطول ما سمعه لم يعد فيه منحر ولا موطئ لجرح جديد .



              ازدرد آلامه , ولعق كبرياءه المهدرة , وهم ينظرون إليه تبدو الشفقة من عيونهم حيناً والحنق والسخط عليه حيناً آخر ,  لم يكف أبوه عن تذكير الجميع فى كل مناسبة وبدون مناسبة أنه لم يقصر فى تعليمه وتربيته والنفقة عليه , لكنه لا يتذكر –  قط – أنه لم يسمع  بث نفسه - يوماً - , لم يمسح على رأسه , لم يحتضنه , كان يراه يفعل ذلك مع أبناء الآخرين : يبتسم لهم , ويهش بينما هو من نصيبه التوجيه والأمر والنهى وحده .



          أمّه بما جبلت عليه من عاطفة لم تكن تعنّفه بقدر ما كانت تراه منظوراً , منفوساً , فطفقت تطلب له البرء  عند كل أحد , وجعلته  مصابها فى حياتها , حتى إنها قالت لأبيه – يوماً  :  " كأنّنا خلفنا بنتين " فكان الأب ينظر إليها وفى عينيه اتّهام  لها كأنها السبب فيما آلت إليه الأمور .


        هو فى عالمه , وهم فى عالمهم , فكّر مراراً أن يهجر البيت , ولكن إلى أين ؟ يتراجع فى الخطوة الأخيرة , ويوم عرضته عليه أمّه الزواج  , ترقرقت الدموع  فى عينيه : ومن ذا ترضى بى ؟! لا ,  ثم لا , لن يكون  حتى أجد نفسى !


           فى الأيام القليلة التالية سمع أنّ وسط المدينة ممتلئ بشباب غاضبين , يحتشدون ويتوافدون من  كل حدب وصوب , وهم معتصمون , باقون حتى يجدوا – أيضاً – أنفسهم , هذه هى الفرصة التى ينتظرها منذ عمر , هبّ إليهم وترك لهم فى البيت ورقة بها : خرجت إليهم ولن أعود حتى أجد نفسى .



              

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء