محمد الغريب - باعة متجولون للحروف



 باعة متجولون للحروف


بقلم: محمد الغريب
 
استيقظ في الصباح الباكر ليقابل اصدقائه البائعة الجائلون، بائعة الافكار وبعض الكلمات المهرطقة، ركب الحافلة من اجل الوصول، كان يرتدي معفطا ملون بالوان غريبة، وصل حيث الاصدقاء اصحاب الكلمات يغزلون الحروف علي الحوائط بجانب المقهي، يمر بحابنه  طفل وأمراة وبنات اخريات، صافحهم، ناشدهم، طلب منهم بعض الهدوء من شدة صخب ركاب الحافلة، جلسوا جميعا من اجل الهراء، وتفاهة جديدة ليوم جديد.
كانوا يخططون للذهاب الي اصدقاء باعة جائلين أخرين للكلمات في مكان بعيدا عنهم، كانوا نصفهم علي الاقل مكتئبين للغاية، ينشدون ذهاب الاكتئاب من حكايات الاخرين التفاهة، بدأ الحديث عن التخطيط للذهاب هؤلاء للاصدقاء عبر القطار البطئ ذو فئات المجتمع والشعب اجمعين، الذي لا يكلف كثيرا.
بعضهم اخري مضادات الاكتئاب مصنعة في صيدليات لا احد يذهب اليها كثيرا، ويقال انها تسير وفقا للمنهج الفرويدي للعلاج، واخرين استنفذوا هذه المحاولات البائسة، واكتفوا ببيع الكلمات التفاهة عن معني الوجود، واشارات المرور المزدحمة واسباب الازدحام،  واسباب مرور المارة بشكل هندسي صعب التفسير.
اقترب النادل وسأل عن المشروبات توقف الجميع عن الحديث، لكي يبحثو عن نوعية المشروبات لهذا اليوم الجديد في حياتهم المعتادة، وقال ابراهيم للنادل ان الادب  في معظمه غير موجود في الواقع، مثالي، خيالي، الواقع اشرس منه، الواقع لا مثيل في صفاته، فالادب مثل الفن لا يمكن ان يكون موجود، مثل ما قاله رولان بارت فيلسوف العلامات الفرنسي، الذي مات نتيجة حادثة سير فلم يلتف لعلامات الاشارة، رغم انه متخصص في كل العلامات في العالم.  
وقع هذا الامر بدهشة كبيرة علي الناد فترك ما يحمله، وجلس معهم من اجل النقاش في اشياء تافهة كما يقولون انها كذلك، قال ابراهيم للنادل انه لا فائدة من الجلوس فليس في الحديث فائدة، فنحن الان نستريح قليلا حتي نسافر لاصدقاء اخرون في مكان بعيد نسبيا.
استمر الحديث حول معاني كثيرة ومتنوعة، حيث جاءت الساعة العاشرة صبااحا، فتركوا المقهي وذهبوا لركوب القطار من اجل الرحلة الي الاصدقاء، جلسوا في اربعة كراسي، فاصبحوا يرون بعضهم البعض، نظرات حائرة هنا وهناك، كان مدحت لا يتحدث كثيرا، يضع السماعات في آذنيهم، ويسمع الموسيقي وينظر من شباك الحافلة، واحيانا يستمع للأخرين، وأبراهيم يشعر بالمراقبة الشديد لكل شئ، ينظر لكل لحظة في الزمن وكل نقطة جغرافية في المكان بترقب وتحليل دقيق، فهو يرتدي نظارة جيمس جويس الاديب الايرلندي، ومنتصف جسده من الاسفل اكثر ضخامة من الجزء الاعلي.
قال مدحت لابراهيم ان هذه الرحلة لا معني لها، ولكن ليس امامنا شئ أخر، او بمعني اصح ليس لدينا خطة لأي شئ، ولكن لدينا وقت لا نعرف كيف نجعله يمر، فأكد ابراهيم لمدحت علي كلامه هذا، وأن القطر علي الاقل سيقضي من الوقت اربع ساعات هو وقت الرحلة، وهذا مكسب ليس كبيرا، ولكنه جيدا.  
محمد كان يتحدث كثيرا ويضحك يشعر بالنشوة من دون سبب، عقله باردة ليس فيه شيئا مهما سوء هذه النشوة التي لا تتوقف، وهو يعلم ان الامر سيزول بعد مرور عدة ايام، ويدخل في حالة عدم النشوة، التفت بجابنه فجأة فوجد اخته الطبيبة تجلس بجانب نافذة القطار، كانت ترتدي ملابس رثة للغاية وتحمل اكياس بلاستيك مطبقة في بعضها، وتقرأ المصحف بشكل منظم، وتلبس في رقبتها كارنية مكتوب عليه اسم مؤتمر طبي، فحدث محمد نفسه انه تحمل هذه الاكياس من اجل الحصول علي بعض المأكولات التي ستتبقي في المؤتمر، وبقايا المشروبات الساخنة. 
 قام ابراهيم ومدحت باستقطاب اخت محمد لتجلس معهم، وتقول لهم كيف يقومون ببيع حروفهم وكلماتهم بمقابل مادي من اجل الانفاق علي حياتهم، فهم الاربعة لا يعملون، ابراهيم ومحمد ومدحت ووجيه فهم مجرد بائع حروف متجولين، فقالت اخت محمد، عليهم التحلي بالصبر والسلوان حتي يقابلون اصدقائهم البائعة الجائلين للحروف بعد وقت قليل، فشعر الجميع براحة، وان هناك بصيص أمل لتغير شعورهم باللاشئ واللاجدوي.
وقال مدحت في قرارة نفسه، انه لا يهتم في وجود فرصة لبيع الحروف، ولكنه سيترك الامور تسير كما هي دون اي معني او هدف، وفي نفس اللحظة فكرت اخت محمد ان تساعد هؤلاء الباعة الجائلون للحروف بتسويق كتاباتهم بنفسها.
    وقالت اخت محمد لهم انه في رحلتها نحو مؤتمر طبي ضخم لكي تعرض بعض ابحاثها الطبية التي توصلت اليها في الايام الماضية، وانها تريد قراءة بعض حروفها لكي تقوم بتلاوتها وسردها بكل يسر امام الجمع الغفير في المؤتمر، فقدم لها مدحت بعض كتاباتها التي توجد مع بعضها البعض دون تحديد ايهما تخص من، فكلها كتابات مجمعة لهم، وقرأت اخت محمد في سرها بعض الكتابات ومنها " عمال السكة الحديد يحملون المشنقة، يحملون بيرة نادي البلياردو، يقابلون بائعي الكتب الجائلين، يرتدون المكعبات الرسمية لملابس الموضة في تل ابيب، يجلسون مع ماركس في نهاية اليوم في حدائق السفانا بجانب اسماك القرش، يفكرون مثل مفكري عصر التنوير، يقولون كل يوم المزيد حول صديد اليد وجلاليب الحديد، في مفاجأة من العيار الثقيل، جاء اتصال هاتفي من رائد فضاء بان كواكب بعيدة لديها وظائف شاغرة لعمال السكة الحديد".
قالت اخت محمد في سرها انها كتابات مذهلة ستؤثر حتما في مجري الامور البحثية في شؤون الطب، وقرأت المزيد، " يتقمصون في الحافلة، شخصيات الهروب، من زحام المدينة الصاخب، متمسكين بالكراسي، وسرعة الطريق، شغف ضخم للتغير، اواني فخارية بجانبهم خلال ممرات الحافلة، ليشعروا بالضيق تجاه ذلك، وينادون بالفراغ التام في هذه الممرات وازالة الأواني ورميها وسط الرمال والصحارء التي تحيط بالطريق".  
اندهشت أخت محمد، وكادت ان تشعر بالجنون من روعة الكلمات، وقالت ان هذه الكتابات فعلا ستغير مجري الامور في الشأن الطبي كله. وقرأت المزيد "مجموعة من العصابيين، يرفعون شعارات الماركسية، في أحد شوارع اروبا الشرقية، لشراء معني العدالة، ثم يتراقصون، يتهاسمون لتأتي ميرديت موند الموسيقية الجنائزية، لتجعلهم في حالة هلوسات متتالية، ففي الصباح التالي يجلسون مع الرأسماليين المشهورين، لمعرفة اخر تطورات استغلال الشعوب."، وكتابة أخري "عمال المصنع ينكمشون، امام ترانيم الصباح، حيث الكلب يهذي بمفاهيم اللغة الاولي، يسيرون افقاً بين الحوائط لرؤية الكلب بشكل دوري، يأتي يوما، وتذهب اللغة الاولي حيث المكان البعيد فوق رؤوس الوادي. وكتابة اخري "عدة مختلون يبحثون في تاريخ اللغة، وصرخات الانسان البدائي وهذيانه المستمر للبحث عن الكلمة الاولي وتكوينات اللغة، في أحدي الايام كان لقاء هؤلاء المختلون بهذا الانسان البدائي، حيث لبسوا الكراسي الموسيقية في الرأس، وخياشيم السمك في افكار المستقبل". 
وقالت اخت محمد فجأة بعد انتهائها من القراءة لهؤلاء الباعة الجائلون للحروف أن ظاهرة الانتحار بين الكتاب والمثقفين والادباء ليس امراً غريبا، فهناك الكثير منهم مثل كارين بوي , إرنست همنجواي , آن سكستون , رينوسك اكوتاجوا , فيرجينيا وولف , منير رمزي , عبدالباسط الصوفي , فخري أبوالسعود , تيسير سبول , أنطوان مشحور , خليل حاوي , وجيه غالي , قاسم جبارة , عبدالله بوخالفه , عبدالرحيم أبو ذكرى , إبراهيم زاير , أروى صالح، وغيرهم كثير.