أسماء بركة - قراءة في "ومضات"




قراءة في "ومضات"

بقلم: أسماء بركة 


في الآونة الأخيرة، انتشرت موضة العصر متمثلة في الكتابة، فتحول الكثير ممن خط قلمهم بجمل سواء كانت مفيدة أو غير مفيدة، إلى تجميعها وتصنيفها إلى رواية أو ديوان، وانتشاره بها، وخير مثال على ذلك معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي تناول أمثلة ونماذج عديدة من كل حدب وصوب، ناهيك عن الجزء الأكبر ممن لا يصلح.

وفى زاوية من تلك الكتب المكدسة، يقطن كتاب "ومضات" للكاتب والباحث الشاب محمد يحيى، يتحدث من خلاله عن ومضات فكرية في سبع مقالات فلسفية متنوعة، يدعو القارئ من خلالها إلى التأمل والتفكير. 

ابتعد الكاتب عن القشور في مقالاته، وتعمق أكثر في حديثه بالإحصائيات والدلائل، وتوضيح النماذج وما آلت إليه، اهتم بعرض كافة الأبعاد، ووضعها في كف القارئ، وتركه ليتبين ماهيتها، مصاحبا ذلك عرض مشوق وسرد منمق، وخلفية ثقافية ليست واسعة وحسب، بل عميقة يصل عمقها إلى الجذور وأبعد. 

تحدث الكاتب عن الواقع الذي نعيشه، وحث القارئ على التفكير فيه، ودعاه إلى أن يعيشه بقوانينه هو، لا بالقوانين التي فرضت عليه مع وجوده، فالواقع ليس هو الحياة، إنما هناك حياة أخرى خلف تلك الحياة. 

تحدث عن الطموح والرضا والطمع، وأوضح الفرق والعلاقة بين كل منهم، وعلاقتهم بقبول حال الإنسان في الحياة الدنيا. 

لم يتجاهل رسالتنا في الحياة التي خلقنا ووُجدنا من أجلها، وكيف أنه بعزوفنا عن القرآن الكريم والسنة النبوية، آلت حياتنا للظلم والفساد وقلة الخير والبركة، وأن طريق الاستقامة الوحيد مُقترن بإقامة القرآن في أنفسنا أولا. 

تطرق الكاتب أيضا في حديثه إلى الحرب العالمية الثانية، وتجول بنا بين سطور التاريخ، ومدى أهميته في فهم الحاضر وبناء المستقبل، ودوره في بناء الحضارات، عرض التفرقة التي تزداد فيما بيننا نحن العرب، وعلى العكس في الجانب الآخر، أصبحت الدول المعادية لبعضها البعض أثناء الحرب العالمية الثانية يدا واحدة.

ذهب بنا في جولة إلى عصر أجدادنا الفراعنة بناة الأهرامات، إحدى عجائب الدنيا السبع، التي يعتقد البعض من عظمتها أن من بناها هم سكان قارة "أتلانتس" المفقودة، وعرض المفارقة الشاسعة بيننا وبينهم، واعتمادنا على ماورثناه منهم فقط دون أي إضافة أو تطوير أو إبداع متقن بعقولنا الراكدة. 

ومن بعد تلك الجولة، انتقل بنا حول العالم من خلال الخريطة، وكيف أنها مضللة، فالخريطة الجغرافية لا يعتد بها إلا على الورق، وأخذنا إلى أنواع أخرى أكثر أهمية، وعلى رأسها خريطة العلم، فمنها نسلك طريق التطور الاقتصادي، والصناعي، والتجاري، والحربي، كما أوضح الكاتب أيضا خريطة القوة، والبلاد المتمركزة فيها، إلا مصر؛ فهي بلد ميت في المستقبل.

وأنهى الكاتب مقاله بهذا التساؤل قائلا: "لمَ لا نحاول أن نضع أنفسنا على خريطة القوة ليصبح وجودنا على الخريطة الجغرافية وجودا حقيقيا؟".

واختتم كلامه بالحديث عن القدوات الواجب علينا الاقتداء بهم، فنحن في أشد الحاجة للسير على نهجهم، ومع ذلك انصرفنا عن تعلم أقوالهم، كما دعانا إلى الرجوع لهم، فلديهم نبع من العلم لا ينضب أبدا.

أدهشني الكاتب وأسلوبة كثيرا، وسكب سؤالا داخل عقلي، ظل يراودني: "أين هو من هؤلاء المستحدثين بقشورهم وكلماتهم؟ ولمَ نندهش بتلك القشور المنثورة أمامنا ونفخم مكانتهم وأهميتهم، أما من يستحق فنولي له ظهورنا؟".

نحن بحاجة إلى إعادة تهيئة عقولنا، وانتقاء من يستحق، وتطبيق ما نقرأ، ولا نمر بجوار الكلمات مرور الكرام. 

هل فينا هؤلاء؟

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء