د. السيد أحمد - الحب والجواز



 الحب والجواز 

أدب ساخر ( زمان ولوقت)


د. السيد أحمد 


     كان الحب زمان حاجة ليها طعم خاص . .  وله شجون وأحاسيس مختلفة سألت أبويا وإحنا قاعدين مع بعض فى ساعة صفا إزاى عرف يّجوز أمى . . تبسم . . وعّدل من قعدته وأنفرجت أساريره وقال فكرتنى بالذى مضى . . أمك كانت غندورة . . كانت جميلة وهادية . . كان أبى يسكن فى شارع شبرا الرئيسى, وأمى كانت تسكن فى شارع الخازندار وهو الشارع الذى يقع فى بدايته جامع الخازندار وهو من أقدم  وأشهر مساجد القاهرة وكانت المنطقة هى نهاية العمران زي ما بيقولوا – نهاية محطة الترماى الأصفر أبو سنجه – كانت أمى كعادتها تفتح المشربية علشان تملا القلل زى البنات اللى زيها فى الشارع وقعت عينيها على الواد الإور – رايح جاى فى المنطقة لابس بدلته الرسميه كأنه عريس يوم فرحه ونافخ طربوشه وقعت عينيه على الغندورة رفع طربوشه, ومسح على شعره وإنحنى بقامته علشان يحيي محبوبته . . الغريب إن أبويا فضل على النظام ده لمدة شهور, ولو الحظ ضحكلهما والدنيا ساعدتهما ممكن يشوفها وهي رايحه تشترى البهارات أو الخضار ويعمل أى حاجة يعرف يبصّلها كويس ويدقق فى ملامحها اللى إتعود يشوفها من بعيد .
    وطبعا الأمورة كانت بتضحك ليه وأكتفى أبى بهذه الضحكه . . وتطورت الحكاية شوية شوية لحد ما أبويا الحدق ما طب وطلع المنديل من جيبه ووقّع الجواب على الأرض وطبعا الحاجة أمى  الشابة الجميلة راحت واخدة الجواب وهى بتبص شمال ويمين وعلى البيت عدل وعلى أوضيتها بعد ما رمت السلام على ستو نينه أمينة وباست إيديها وهى فرحانة, وفتحت الجواب وقلبها يدق بسرعة وقرت الجواب حرف حرف وحفظته وبعدين حطته فى الشكمجيه بتاعتها جوه الدولاب – تكررت  مرات مرور أبويا يوميا على بيت الحبيب صباحا ومساءا وأصبحت ترانيم مقدسة – فاكرين عبد المطلب لما كان بيغنى ويقول ( ساكن فى حي السيدة وحبيبى ساكن فى الحسين . . وعشان أنول كل الرضا يوماتى أرحله مرتين – من السيدة لسيدنا الحسين ) وعبد المطلب ياعينى يوميا ياخدها مشى من حى السيدة الى حى الحسين  ليه ؟– علشان يشوف حبيبته وكمان مرتين مرة الصبح ومرة بالليل – شوفتوا الإخلاص والتفانى. . الحاج عبد المطلب رايح جاي يوميا من غير كلل أو ملل –الست شادية عبّرت عن حبها الذي سبب لها المتاعب وغنت لحبيبها ( مين قالك تسكن فى حارتنا – تشغلنا وتقل راحتنا – يا تشوفلك حل في حكايتنا يا تعزّل وتسيب حتتنا ) ثم تكمل بقية الحكاية ( ييجى أبويا يعوز فنجان قهوة – أعمله شاى وأديه لأمى وخيالك ييجى على سهوة ما يفرقش ما بين خالتى وعمى ) شوفتوا الحب وصّلها لإيه – الخبل – أيوه الخبل بقت مش حاسة بنفسها – ولا عارفة هية رايحه فين ولا جايه منين – دة الحب أيام زمان  أيام السمك . . أما الحب بتاع اليومين دول بقى حاجة تانية وغريبة وسريعة في كل شئ – الولد لو شاف البنت الحلوة إللى عجبته  - الروشة سواء فى الشارع أو الجامعة أو فى النادى أو فى فرح واحد صاحبة أو واحدة قريبته ودخلت مزاجه أو هو دخل مزاجها – يروح مكلمها بأي حجة أو بدون حجة والمبررات دلوقت بقت سهلة وسريعة أو يخلى واحدة صاحبته أو واحد  صاحبها يعرّفه عليها ومن المرّة الأولى يكون عرف كل حاجة عنها, إسمها, وعنوانها وقصة حياتها وياخد أكاونت الفيس بوك بتاعها وأول مايروح البيت يعملها آدد – ويشتغل النت ياسيدى طول الليل وهبه يكون البيه خد رقم الموبايل بتاعها – ومفيش يومين ويتقابلوا بعد مكالمات كتيرة قوى – الخروج دلوقت مش مشكلة ( أنا رايحه عيد ميلاد واحدة صاحبتي  الشاب مش محتاج حجة هو أصلا طول النهار والليل فى الشارع وبرة البيت ) 
     يتقابلوا الإتنين فى الكوفى شوب يشربوا الشيشة  التفاح مع بعض يتعدل المزاج وتبدأ الونونة ويروحوا داخلين فى الموضوع على طول ويقول لها أنا بحبك ياروحى – تستنى بطة شوية تعمل نفسها تقيلة وبتفكر – عشر دقايق تروح بطة داخلة فى الموضوع – إنت فاجئتنى يا أحمد سيبنى أفكر – يسكت أحمد – لحد إمتى يا حياتى .
     تقرر بطة أن ترد عليه بعد ما تفرقع الخطيب الأولانى – اللى مش عنده شقة – المهم تقرر بطة أن يبقوا مرتبطين فى حكم المخطوبين – يعنى يخرجوا مع بعض وطول الليل يتكلموا مع بعض فى التليفون – بس الفرق بينهم وبين المخطوبين ان البلد كلها تعرف ماعدا اهليهم – يعنى ويفضلوا مرتبطين على ماتفرج .
الست سعاد حسنى غنت لحسين فهمى وقالت له الحياة بقى لونها بمبى وانا جنبك وإنت جنبى . وأختصرت سعاد الحب او الزواج فى بوسة ونغمض ويالا 
واتعلمنا في حياتنا إن كل حاجة لازم تكون بسرعة – الأكل بسرعة والشرب بسرعة, ونتكلم بسرعة, وبنمشى بسرعة, وبنضحك بسرعة وبنفكر بسرعة, وحتى بقينا نحب بسرعة—قراراتنا بقت سريعة وعلشان كدة بقينا نغلط بسرعة, وننجح بسرعة, ونفشل بسرعة, ونندم بسرعة . 
والحاجة اللى بتيجى بسرعة لازم تروح بسرعة .

    الحب زمان كان ليه قدسية – وكان المزاج رايق, والبال مرتاح والدنيا مش زحمة زى دلوقت – أفتكر لما فكرت فى الجواز وتم إختيار بنت الحلال بعد فحص وتمحيص وطلعات إستخباراتية من أبويا لبيت أهلها وجلسات تشاورية مع أهل البيت ذهبت مع أسرتى لخطبتها قعدت أمى تبوس فيها وتحضنها وتديها لب وبندق علشان تكسره, بعد مادخلت العروسة وهيه شايله صينية الشاى, وبتوزع الأكواب بنفسها, ووقّعت أمى شنطة إيديها على الأرض  ووطت العروسة والتقطت الشنطة وسلمتها لأمى, وعرفت بعد ذلك أن كل ما تم لم يكن إلا كشف هيئة عليها – وتم قراءة الفاتحة بعد الإتفاق على كل شئ       ( أبوها قال أحنا بنشترى راجل  ــ أبويا قال هي زى بنتي بالظبط )– تكررت مرّات خروجنا بعلم الأهل وبمباركة العائلتين .
كلام بسيط – سهل – مقنع – بعد حب طاهر برئ  
الحاله مختلفة تماما عندما أخبرنى إبنى بأنه يريد ان يخطب زميلته فى العمل – سألته هى مين وأصلها إيه – إختصر كلامه معي بأنه يعرف عنها كل حاجة وهما متفقين مع بعض على كل حاجة – أبوها قال : شَرْطى الشبْكة تكون محترمة – الشقة بتاعة العريس وكل حاجة بالنص – العفش بالنص – والمطبخ بالنص – والادوات الكهربائيه بالنص – والعروسة بالنص كل حاجة بقت بالنص – حتى العِشْرة بقت بالنص, ولم يدم زواج إبنى إلا سنتين ونص, وبعدها حدثت مشاكل بقالنا فيها سنة ونص بعد ماخلف منها ولد .

     زمان كانت البساطة والتأنى والوضوح والصراحة فى متطلبات وإجراءات الزواج, وكان هناك الكبير اللى بيوجّه, ويحل ويربط, واللى كلمته سيف على الكل – مكنش فيه أزمة سكن زى دلوقت – الشقق كانت كتيرة وسرحة وبرحة وترد الروح وكلها كانت إيجار – كانت هناك شقق كتيرة فاضية وأصحابها كانوا بيبخّروها علشان تسكن – دلوقت الشقق كلها بقت تمليلك  وبقت ضيقه 63 متر واقل, تدفع 100 الف مقدم وتفضل تكح طول عمرك علشان تسدد القسط الشهرى -- الحمام ضيق والمطبخ ضيق والصالة ضيقة وكل حاجة بقت صعبة والأسانسير عطلان والشقة بعيد عن الشغل عايزة حرب ومصاريف .
     الشاب زمان كان بيشتغل أول مايتخرج ويخلّص الجيش ييجى ليه جواب التعيين , ويجرى أبوه وأمه يخطبوا له, ويبقوا فرحانين أوى بيه وعلشان كدة الجواز ماكنش أسهل منه – فرعين نور على راس الشارع وحتة رقاصة بلدي – والجيران يتعشوا رز ولحمة وكفتة جملي مع صوانى البطاطس وشربات الورد الاحمر .
دلوقت الرقاصة بتاخد في الساعة ألفين جنيه, والنادي بياخد فى الليله 15 الف جنيه والبنت اللى يكون حظها حلو تتستر بعد التخرج – والزمن تغير والدنيا بقت غير الأول وكل أسرة بقى فيها بنت أوأكتر أو ولد اوأكتر-
أم البنات دلوقت بقت عايشة فى قلق بتدوّرعلى أي مناسبة أو فرح علشان تحط بناتها في العرض يمكن تلقط لها عريس من هنا ولا من هناك .
والشباب دلوقت بقت ظروفه صعبة ومتدهورة – خلينا واقعيين  - الشاب بعد ما يتخرج ويخلّص تعليم وجيش يروح يدور على شغل يفضل فى صراع نفسى لحد مايلاقى وظيفة تأكّله عيش يكون عدّى الـ 35 سنة, واللى بيشتغل فى مصر قول يارحمن يارحيم – ربنا معاه – الشاب اللى حظه حلو وسافر برة وربنا كرمه يفضل يصارع لحد مايجيب شقة – دلوقت معظم الشباب بيعتمدوا على أبوهم لتوفير الشقه علشان يتجوزوا .

     زمان كانت الخاطبة أم على عارفه الناس كويس العريس اللى ناوي يتجوز والعروسه اللى حالتها تسمح وكانت تعرف توصل العليتين ببعض وتقرب المسافات .
العريس دلوقت بيخش البيت عن طريق الشات أو التليفون والباب ده آخر حاجة بيفكر فيها – وكتير جدا لما الشاب البسيط يدخل البيت من الباب يتقال له ورينا عرض كتافك ويترزع الباب وراه لأنه مش جاهز ماديا .
الجواز دلوقت بقى مسؤلية كبيرة – حتى لو حاول العريس والعروسة أن يبدآ حياتهما فى شقة بسيطة للإيجار الجديد الذى يستنزف أكتر من نصف راتبيهما معاً إذا إستمرا في العمل .
دلوقت تلاقى البنت زى القمر ومتعلمة ومن عيلة محترمة, وألف شاب يتمناها , ووصلت الى سن متقدمة ولسة متجوزتش ويمكن ما يتقدمش ليها عريس .
العرسان بتنقرض واللى بيتبقى منهم, بعضهم مش عارف يتجوز بسبب الظروف .
طيب فيه حل – أيوه لازم يكون فيه حل .
ممكن تساعدونا – ممكن – علشان نعدى المحنة –ونيسر الأمور 
ربنا يفتح علينا وعليكم   


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء