داليا عادل - زمان ودلوقتي (15) - أنا والألم




زمان ودلوقتي (15) - أنا والألم

داليـا عادل 


ده المقال الخامس عشر في سلسلة #زمان_ودلوقتي


لم تكن مشكلتي أبداً أنني أخاف من الألم أو أهرب منه. على العكس. كنت دوماً منفتحة له ومقبلة عليه ومرحبة به؛ بل كنت أسعى إليه وأستدعيه وأخلقه. هل لأنني عشت في قلب الألم النفسي والجسدي منذ طفولتي إثر تجربة التحرش؟ ربما يكون ذلك من العوامل المؤثرة. ربما وجود الألم كعنصر أساسي من عناصر حياتي اليومية منذ صغري برمج عقلي على أن الألم جزء لا يتجزأ من رحلتي وعدم وجوده هو الغير معتاد؛ بل غير محتمل. لا أدري. ما أعرفه أن صورتي المتدنية لنفسي وكرهي لذاتي وإحساسي الحقيقي بعدم الاستحقاق كان يجعل من الألم الجزاء العادل لي. وبما أن قيمة العدل من القيم التي لها مكانة عالية وسط منظومة قيمي؛ فقد رحبت بما رأيته متماشياً معها.

وعلى ذلك؛ حملت إرث الألم. وتعايشت مع روتين البكاء كل ليلة حتى النوم. وعشت برودة الوحدة وخواء الحزن وظلام الخوف ونار الغضب. وحين لم تكن جرعات الألم كافية؛ كنت أخلق المزيد. أذكر كل محاولاتي وأنا طفلة لإيذائي جسدياً سواء باستخدام أدوات حادة أو مواد كيماوية. ويؤلمني الألم؛ وفي نفس الوقت يرضيني مثلما يبكيني. دائماً ما أقبلت على كل التجارب التي تحتوي ألماً جسدياً سواء كانت خلع ضرس أو عمليات جراحية أو غيره. ألقاها بابتسامة تستوقف الآخرين.

الألم الوحيد الذي لم أكن أحتمله ولا أحتمل نفسي معه هو ألم الاحتياج لحضن؛ لحنان؛ لاحتواء. وكنت أدور معه في حلقة مفرغة. أحتاج لحضن ولا أجده. فأتألم. فأحتاج لحضن أكثر. وأكره نفسي لاحتياجي للحضن. وأتألم أكثر فأحتاج لحضن أكثر وأكثر. وهكذا!

ثم بدأت الرحلة مع نفسي. ومشيت طريق التصالح مع الذات. وتبدلت علاقتي بي. وأحللت القبول محل الرفض والحب محل الكره والتسامح محل اللوم. وصرت أشعر بقيمتي وباستحقاقي. وأعدت النظر في كل قناعاتي والمفاهيم والقيم والأفكار والمشاعر وكل رؤيتي للحياة. وكان الألم أحد هذه المفاهيم.

تغير موقفي من الألم؛ من الترحيب به – بشكل مرضي – لرفضه وهو ما كان أيضاً موقفاً مرضياً كما أراه الآن. بدأت أرى أني إنسانة جميلة وأني مستحقة لكل الفرح والحب والسلام والخير. وبما أني كنت أصنف الألم على أنه تجربة سلبية أنا غير مستحقة لها وأنه يكفيني جرعات الألم المكثفة التي استقبلتها؛ بدأت أرفض الألم. بالطبع رفضي للألم لم يكن يؤدي لاختفاء الألم. يظل الألم موجودا؛ مضافاً إليه غضب وألم الرفض. الانتقال من نقيض لنقيض أمر طبيعي في رحلة بحثنا عن التوازن. تماماً مثل بندول الساعة؛ يتحرك بقوة من أقصى اليمين لأقصى اليسار قبل أن تبدأ حركته في الهدوء والتباطؤ شيئاً فشيئاً ويقل مدى الحركة لينتقل من حدود النقيضين ويتحرك البندول في مساحة الوسط حتى يستقر في اتزان.

من تجارب الألم التي تعاملت معها بكل الرفض والغضب تجربة الانزلاق الغضروفي. رفضت الألم الجسدي المستمر. وأكثر من رفض الألم رفضت السجن الذي فرضه. حدد الألم حركتي ونشاطي وأملى علي روتيناً مختلفاً لم يتوافق مع روحي. كذلك رفضت سجن الأدوية وعيادات الأطباء وغرف الرنين المغناطيسي وأسرة المستشفيات. رفضت كل الجدران التي تصورت أني صرت حبيسة بداخلها. واشتد الغضب بداخلي ووصل أقصى درجاته بعدما خضعت لعملية استئصال الغضروف ثم استمر الألم والأدوية وجلسات العلاج الطبيعي والنشاط المحدود ونمط الحياة المحجم وكل ما خضعت للجراحة من أجل إنهائه.

أكثر ما ساعدني في هذه المرحلة كان اليوجا والتأمل. البحث عن نقطة ثبات. نقطة توازن. نقطة تنعدم فيها الأضداد ويسود فيها اللاشيء. نقطة أتواصل فيها مع نفسي بعمق. أتواصل في عمق تختفي فيه كل ضوضاء واضطراب السطح. فأرى قلب الأشياء أكثر مما أرى حدودها الخارجية وظاهر ما يبدو منها. وحين أعود إلى السطح؛ تكون الرؤية قد اختلفت.

بدأت أدرك أن ألم رفض أي تجربة أقسى من ألم التجربة أياً كانت. وأن أول خطوة للتعامل مع أي موقف هو قبوله. قبوله كواقع حاصل لهدف. والهدف دائماً لصالحنا وليس ضدنا. الهدف دائماً درس من التجربة نحتاج أن نتعلمه. القبول أول خطوات التحرر. وحين نتعلم الدرس من التجربة يكون تمام التحرر. وتصير قيمة التجربة من قيمة الدرس الذي نتعلمه منها والنمو الشعوري والعقلي والروحي الذي نخرج به منها.

مثلاً تجربة التحرش الجنسي التي تعرضت لها في صغري. حتماً تجربة صاحبها الكثير من الألم على جميع المستويات لسنوات وسنوات. اليوم وأنا في هذه المرحلة من الوعي التي وصلت إليها؛ هل أختار تجربة أخرى؟ هل أختار بداية مختلفة لحياتي؟ هل أختار طفولة "عادية"؟ لا. بل بالعكس. أشعر بمنتهى الإمتنان لهذه التجربة بكل تحدياتها وآلامها لأنها صنعتني. وأنا فعلاً سعيدة وفخورة بما وصلت إليه في رحلتي وبالتحول الذي أحدثته في حياتي.

ماذا أفعل اليوم لو مررت بتجربة مؤلمة؟

أقبل إحساسي بالألم

طالما شعرت بالألم فهو موجود وحاصل ومشروع؛ وعلي قبوله. لا طائل من الدخول في دوامة "بس مش المفروض الموضوع ده يوجعني"

أحاول أن أنفصل عن الألم

أذكر نفسي بأن الألم عارض. أنني لست أنا الألم. فلا داعي لأن أتوحد معه. آخذ نفساً عميقاً وأتواصل مع روحي. وأبحث عن نقطة ثبات وهدوء؛ ربما بين الشهيق والزفير؛ ربما بين فكرة متألمة وأخرى؛ ربما في ثبات شجرة أتأملها وأتخيل كوني مثلها. ربما في تجارب ألم سابقة اجتزتها

أنظر ماذا يسبب لي الألم

الأشياء في حقيقتها محايدة والألم وجهة نظر تتوقف على قناعاتنا ومنظور رؤيتنا. ما يؤلمني يمكن أن يفرح غيري والعكس صحيح. أنظر للموقف ولألمي منه. ما الفكرة التي تسبب لي الألم؟ أحاول أن أغير هذه الفكرة وأعدل منظور الرؤية

ما الدرس أو الرسالة وراء الألم

لا شيء يحدث صدفة أو اعتباطا. أيضاً كل الأشياء تحدث لصالحي ومن أجلي. ما الرسالة التي تحملها لي هذه التجربة؟ ما الذي أحتاج أن أتعلمه؟ التحرر من الرفض والغضب يسمح لروحي أن توجه طاقاتها نحو النمو. أحياناً لا أفهم المقصود. لا بأس. أحاول أن أستمر في القبول والثبات وأترك الأمور تتكشف في وقتها. طالما طرحت السؤال بصدق؛ حتماً سأجد الإجابة في حينها. 

ألاحظ انحسار موجة الألم

أستمر في ملاحظتي لكل الحالة وأنا منفصلة عنها. في أغلب الأحيان عندما أتبع الخطوات السابقة أكون قد سمحت لموجة الألم أن تمر من خلالي دون أن تجرفني معها. وكل موجة ألم تمر بي وأنجح في التعامل معها دون أن أغرق في قلبها تمنحي مزيداً من الثقة في قدرتي على التعامل مع غيرها في وقتها

ماذا لو لم ينجح كل ما سبق واستمرت حالة رفضي للألم أو ضيقي منه؟ في هذه اللحظة أدرك أنني لست في كامل لياقتي. ربما مرهقة جسديا؟ ربما مشاعري مستنزفة؟ ربما طاقتي مستهلكة؟ أعمل على وضع كل شيء on hold وأركز على شحن طاقتي الجسدية والنفسية ثم أعود للتعامل مع الموقف.  

في هذه النقطة من الرحلة؛ أنظر للأمور على مستوى فلسفي أعمق. عندما أشعر بالألم؛ أسأل نفسي: من المتألم؟ هل هو الجسد؟ ولكني لست أنا الجسد. هل هو المشاعر؟ ولكني لست أنا المشاعر. هل هو العقل؟ ولكني لست أنا العقل. أنا الروح. والروح سامية عالية أبدية متحررة من كل ألم. فأين الألم؟ ثم ما مصدر الألم؟ هل هو شخص أتصور أنه آذاني؟ ولكننا كلنا واحد من أصل واحد. هل هو مقدر كتبه الله لي؟ الله حب وكل ما يصدر عنه حب. فأين الألم؟ ومن قال أن الألم مؤلم؟ ومن صنفه على أنه تجربة مرفوضة؟ وحتى إن كان؛ ما حجم ألمي بالنسبة لآلام كل البشر؟ بالنسبة للكون؟ بالنسبة للأبدية؟ ومن قال أن ما يؤلمني اليوم سيستمر يؤلمني غدا؟ ومن قال أنني هنا غدا؟ أنا هنا اليوم .. الآن. ما الذي أستطيع أن أفعله لأجعل اليوم والآن أفضل وأجمل؟ هذا بالضرورة يجمل غدا. ثم هل في قلب أي ألم لم يحضر الله؟ هل في قلب أي حزن لم يتواجد حنانه؟ هل في قلب أي قضاء لم يكن لطفه؟ أرى أن الألم من أكثر التجارب الإنسانية غنى لأنه يكشف لنا الكثير عن خبايا أنفسنا؛ ويفجر ينابيع الرحمة بداخلنا ويرقق قلوبنا ويحرر أرواحنا .. لو انفتحنا له.



شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء