قدري الراعي - جل جلالها الكلمة




جل جلالها الكلمة

بقلم: قدري الراعي



الفيلسوف اليوناني ( أرسطو ) سأله أحدهم ذات مرة : كيف تحكم على إنسان ؟ 
فقال في بساطة : أسأله كم كتابًا يقرأ ؟ وماذا يقرأ ؟
ويتفق معه في الرؤية إلى أهمية القراءة في بناء الإنسان المعاصر الفيلسوف الفرنسي الأصل والمؤرخ والمؤلف الأمريكي ( هنري ديفيد ثورو ) حين قال :" الكتب هي ثروة العالم المخزونة ,وأفضل إرث للأجيال والأمم " 
أما أديب العربية , وصاحب " البخلاء " .. الجاحظ , فقد قال , ولله در ما قال :
أوفى صديقٍ إن خلوتُ كتابي 
ألهو به إن خانني أصحابي 
لا مفشيًا سرّا إذا أودعته ..
وأفوز منه بحكمةٍ وصوابِ
وعباس محمود العقاد يقول : " يقول لك المرشدون : اقرأ ما ينفعك , ولكني أقول : بل انتفع بما تقرأ "
و .. و .. وكلام كثير .. وصنوف من الأقوال والحكم .. وعبارات رنانة ذات وقع رائع في الأذن عن أهمية القراءة , وحض الإنسان على التكالب على موائد المطالعة , وارتشاف معسول الحكمة وشهد المعرفة من منابع الكتب المفيدة ..!
طيب .. هذا كلام جميل .
فما الذي حدث الآن إذن ؟!
تدخل بيت صديق لك , فتتجول عيونك في المكان , وتتفحص أشياء الحياة العصرية : تلفاز , وحاسوب , وتحف قديمة , وديكورات فاخرة , ووسائل ترفيهية متنوعة ..!
وتُصدم حين لا تقع عيونك على كتاب .  
ثمة فجوة هائلة بين الكتاب والقارئ ..!
إنسان هذا العصر أشد حرصًا على ملء محفظته بالنقود , لا ملء بيته بالكتب .!
يفضل ارتياد دور السينما والمسرح ؛ لمشاهدة الرواية يؤديها رهط من الممثلين عن قراءتها بين دفتي كتاب .!
يبحث عن معلومة على شبكة الإنترنت , فإذا ما عرضت له في ثنايا مقالة مطولة .. ضنّ بوقته , وأشاح بوجهه , وانصرف عنها غير آسفٍ أو حزين ..!!
هناك خصومةٌ تلوح في الأجواء بين الإنسان والقراءة في هذا الزمان !! 
طلاق بائن – فيما يبدو -  أو قطيعة رحم لا أدري ..!
بالله جرّب في يومٍ أن تُخير صديقًا لك بين أن تهاديه كتابًا أو هاتفًا نقالا ..
ماذا عساه يختار ؟!
لاشك ستتهلل أساريره , وتفتر شفتاه عن ابتسامة واثقة , وهو يقول دون إبطاء : طبعًا الهاتف .. وماذا أفعل بالكتاب ؟!  
محال الهواتف النقالة , والحواسيب , وأنتيكات الحياة العصرية تشهد رواجًا ملحوظًا , فيما تعاني المكتبات في القرى والحضر خواءً طاغيًا ..!!
ولكننا مع ذلك نريد أن نعرف أيّ سرٍّ يا ترى يقف وراء هذه الجفوة ؟!!
أعرف .. ستقول : رتم الحياة السريع , ومنافسة وسائل إعلامية جديدة , طفقت على السطح تغري القارئ بالجديد الممتع , والمختلف المثير , أضف إلى ذلك نَفَس القارئ القصير في زمن الحاسوب , والبلاك بيري , وشطائر الماكدونلز ..
في إحدى مقاطعات ولاية ( كارولاينا ) الشمالية بالولايات المتحدة قررت الحكومة إغلاق عددٍ من المكتبات العامة بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد وقتئذٍ ..!
وكان الطفل الأمريكي ( كامبل جينكس ) - ذو الأعوام التسعة - شغوفًا بقراءة القصص والرويات الأدبية , وحدث ذات مرة أن سمع أمه تحاور إحدى صديقاتها عن ذلك القرار الحكومي , فانطلق يعدو حزينًا ليخبر أصدقاءه بذلك النبأ الخطير .. 
فكر الأطفال قليلًا , ثم أجمعوا أمرهم على أمرٍ , ومضوا مشمرين ينفذونه ..
بعثوا برسائل اعتراض إلى مجلس المدينة ..
نظموا حملة تبرعات لصالح المكتبات العامة ..
قاموا ببيع علب العصير الطازج أمام منازلهم حتى تمكنوا من جمع قرابة 600 دولار ..!
جمع الطفل الأمريكي ( كامبل ) المبلغ كله في محفظة , ثم انطلق على الفور إلى إحدى المكتبات العامة المشمولة بالقرار , وسلم المبلغ إلى أمين المكتبة ..
المسؤولون في الحكومة كانوا مذهولين ..
وبعد اجتماعات مطولة ..
قررت الحكومة صرف مبلغ 3.5 مليون دولار ؛ لدعم المكتبات العامة , وإبقائها مفتوحة.!
القصة السابقة وردت الإشارة إليها في واحدة من مقالات الكاتب الإماراتي ( ياسر حارب) بعنوان " سؤال إلى أبي " 
إلى هذا الحد قد يتعلق قلب الطفل بالقراءة , ويمد بينه وبين الكتاب جسورًا قوية وعلائق متينة , ويشعر بالأسى لإغلاق مكتبة كل مهمتها أنها تفتح أبوابها للمرتادين من محبي القراءة والمطالعة ..!!
الطريف في الأمر أن الناس في بلاد الغرب يدركون أهمية القراءة ,ويجعلون لها طقوسًا يمارسونها في كل يوم , في البيت , أو الترام , أو حتى في المتنزهات العامة .. أما إذا نظرت إلى حالنا فالأمر لاشك مضحك جدًا ..!
وما قيمة القراءة في حياتنا ؟!
هل تصنع لنا معجزات ؟!
هل تفتح لنا آفاقًا مجهولة ؟!
هل ستغير لنا واقعًا غير مرغوب فيه ؟!
هل بوسعها أن تجلب لنا حظًا أسعد , وحياة أهنأ , وماردًا ينقلنا من أكواخ الفقراء إلى قصور الأثرياء ؟!
وما تصنع بعقولنا ؟؟
أتراها تكنس منها أردان الفِكَر , وموبوء الرؤى , وضلالات القناعات الموروثة ؟!
هل تنقش فيها حروفًا من ذهب ؟
وأسطرًا من حكم ..؟
وصفحاتٍ من نور ؟
هل بوسعها أن تغير في المرء مساره كله , وتقوده إلى عالم آخر أفضل ؟؟!
في عام 1979 أشهر الشاب الأمريكي ( وين بينيت ) إسلامه , وغير اسمه لـ ( حذيفة عبد الرحمن ) , بعد رحلة ضياعٍ تنقل فيها بين الكاثوليكية المسيحية والبوذية , وبعد حياة عبثية قضاها في قرع الطبول , وإدمان المخدرات , ومرافقة المجرمين ..! 
وكان الفضل في ذلك -  بعد الله - كتابًا قرأه عن الإسلام والمسلمين ..
ومنذ ذلك الوقت أصبح داعيًا للإسلام,وقد حدث أن أسلم على يديه 21 شابًا أمريكيًا مرة واحدة بعد إحدى محاضراته التي تحدث فيها عن الإسلام  .! 
والحق للإنصاف ..
إن القراءة نافذة مفتوحة , تشع منها أنوار المعرفة , وومضات الحكمة , وأقباس الهدى والحقيقة ..
وهي الجواد الأصيل الذي ينطلق بك إلى فضاءات من النشوة والمتعة والبهجة , لا تبلغك إياها أية وسيلة من وسائل النقل الحديثة ..
ولعمري ما يكلفك الأمر سوى أنك تنتقي كتابًا نافعًا , وتسامره على طاولة زمانٍ ومكانٍ ملائمين , وتمنح العقل منك الفرصة للإصغاء والتأمل في بوح الكاتب, وتعتق الروح منك لتسافر في رحلة عميقة مع أفكار الكتاب ..
فما تلبث أن تجد المجهول قد صار معلومًا ..
والطلسم قد غدا معروفًا ..
والمستحيل قد بات ممكنًا .!
والمدارك والرؤى والحواس شرعت تنعتق من قيد الجهل والفقر وقلة الحيلة ؛ لتتحرر , وتنطلق عنادل في الملكوت , تسبح باسم الخالق العليم ..
وأخيرًا للكاتب والقارئ أقول : 
كثيرون هم الذين يكتبون , وكثيرون هم الذين يقرؤون .. غير أن المتذوقين قليلون ..!
 إن الذوق العالي يحتاج إلى نفسٍ شفيفة , وقلبٍ شاعر , ووجدانٍ تعمره الفضيلة .. وذات يسكنها الحب                      وذلكم الذوق العالي خليق بأن يسكن في نفس الكاتب والقارئ كليهما على السواء .
كما أن قداسة الكلمة , واستشعار أهميتها ودورها في بناء الإنسان يجب أن يكون هاجس الكاتب الأول ..
فإذا ما استقر ذلك الهاجس في وجدان الكُتاب .. 
وكان الذوق العالي هو الجواد الذي ينطلقون على صهوته وصولًا إلى قلوب قرائهم .. حينئذٍ فقط لن نجد في المكتبات كتبًا تافهة , ولا على صفحات الجرائد والمجلات كتابات فارغة ..! 
تأمل معي هذه الأبيات الشعرية المعبرة من قصيدة  ( أحمد شوقي ) :
أنا من بدل بالكتب الصحابا
لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا 
صاحبٌ إن عبته أو لم تعبْ
ليس بالواجد للصاحب عابا
كلما أخلقته جددني 
وكساني من حلي الفضل ثيابا
صحبةٌ لم أشك منها ريبة 
ووداد لم يكلفني عتابا .              


الإبتساماتإخفاء