على أحمد - مع النبي.. العالم قبل الإسلام (3)



مع النبي (3)

العالم قبل الإسلام 

بقلم: على أحمد 



ومن ضِمْن هذه الأخلاقيّات التي امتاز بها بنو العرب..وجاء الإسلام ليرفع من شأنها ويُزِيل كل ما قد عَلِق بها من شوائب تعترض طريق البناء ، سواء كان بناء الإنسان أو بناء المجتمع ككل ، هو خُلُق الوفاء بالعهد..

قد يسأل السائل وله الحق ، فنحن أحق بالسؤال من غيرنا ، وأجدر بالإجابة أيضًا ، لماذا هذا الخُلُق بالتحديد ؟! ، والإجابة هنا لأن العرب قد ضربوا في هذا الأمثلة التي تجعل من عقلك مُشتّتًا ، ربما ، ومن قلبك منغلقًا على الجنون لا يلوي على عاطفة ولا تعقّل ، لكني لا أريدك إلا أن تفتح ذهنك وتترك العاطفة إلى حين لحظة التعقل المطلوبة ،  أمثلة تجعلك تحترمهم وتقدرهم حتى ولو كانوا على غير دينك..وهذا ما يريده الإسلام..
من المهم أن نفهم أن العرب في الجاهلية لم يكونوا على القدر المُستمِيت من الفساد والإفساد في الأرض ، فالعاقل لا يريد هذا ولا يتمناه بأي حال من الأحوال ، وليس كل ما كانوا يفعلونه خاطئًا  ، وإن كُنّا لا نُنْكِر ذلك ، لكن خطئهم الوحيد هو محبة الدنيا إلى درجة الإفراط ، إلى درجة الجهل بالمصلحة العامة ، وهنا معقل الجاهلية التي أوْدَت بالعرب قبل الإسلام إلى الطريق المُنافي لقيَم الحضارة ، أو حتى الطريق إلى بنائها ، لم يكن هذا ببالهم بالتأكيد ، كانت المصلحة الشخصية تطغى في هذه الآونة أكثر من غيرها ، وربما غيرها - الآن - أكثر ، نعود للأخلاق فهي حديثنا ، هناك من بحر القصص  الذي يؤيّد هذا الأمر الكثير ، لكني سأقتصر على إثنتين منها..
الأولى محل شك بين المؤرِّخين ، وهي قصة السموأل بن عاديا.. 
وعن قصة السموأل ، أن امرؤ القيس أوْدَع عنده دروعًا ، وأراد شخص اسمه الحارث بن أبي شمّر الغسّاني أن يأخذها منه ، فأبى بالطبع ، فأراد الحارث أن يأخذها غصبًا ، حيث لا رادع هناك ، فاحتمى السموأل بقصره في تيماء ، وكان أحد أبناء السموأل خارج القصر ، فأخذه الحارث وهدّده بقتله إن لم يسلِّم الدروع ، فأبى حتى قتل الحارث ابنه أمام عينيه..
اختَلَفْت أو اتّفَقْت معي على هذه القصة ، فالمشهد كان صعبًا بالتأكيد ، هناك من سيُضخّم الأمر وهناك من سيهوّله بكل تأكيد ، وكلٌ على حِده يتحدّث وينطق بالرأي من منطلق تجربته أو نظرته للقصة ، لكن إذا سألتني عن رأيي ، فعلينا أن نأخذ القصة بما فيها من حسن وما عليها من مبالغة..
ومن الوفاء بالعهد والوعد تنبثق وتتولّد صفة لهي من أهم الصفات لقيام أي حضارة في التاريخ..صفة وُجِدت وساعدت في قيام الحضارة فيما بعد ظهور الإسلام..ما هي ؟؟ دعنا لا نرتكز عليها الآن ، دعنا نذهب إلى هذا الحديث أولًا..
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { آية المنافق ثلاث : - ومن بينهم - وإذا اؤتمن خان }..
 هنا وقفة مع المنافق ، المذبذب بين جاهلية المصلحة وإسلام الأخلاق ، المنافق يُعرف بأنه يُظهر خِلاف ما يُبطن ، ومن هذا تتولّد الذبذبة التي تحدّث عنها القرآن ، مشكلته الأساسية في عدم التفرقة ما بين الحق والباطل ، لأنه مذبذب ، ليس هناك من كلمة بيّنة في قلبه ، لا يملؤ قلبه الحق وكذلك لا يستوي فيه الباطل ولا ترسو له سفينة على أي بر ، ومن هذا لا يتصف بالصفة الأساسية التي تنبثق وتتولّد من خُلُق الوفاء ، وهنا مِعقل الفرس ، الذي نسقيه ليركض لنا إلى حيث منبت الحضارة ، ألا وهي صفة الثبات..

إذا كانت هناك قضية ، آمنت بها ، عليك أن تتصف بالثبات ، نعم ، هو الثبات ، ليس في وجه الباطل - وإن كنت ستقف في وجهه يومًا ما - ، ولكن مع الحق دائمًا ، كما السموأل ، وكما عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - و هو الفاروق ، لم تكن لديه مشكلة الذبذبة ، الحق حق والباطل للهلاك ، وبهذا قامت في عهده الحضارة الحق ، وكانت من أعظم الحضارات التي شهدتها البشرية ، مبدأ الوفاء على العهد وبالوعد ، ومبدأ الثبات على ذلك..
من الممكن أن يراها البعض شيئًا من المغالاة ، أو المثاليّة ، لكن من ناحية بناء الحضارة ، هي مثالية واقعية ، لنا فيها أسوة حسنة وقدوة لا تقبل التباين في الأخلاق ، كان لا بُدّ أن يكون هناك هذا المبدأ ، ليس فقط وجوده وإنما تأصيله وتوريثه للأجيال ، الإسلام لم يأتي ليكتشف هذا الخُلُق ، كان موجودًا واستخدمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده أبو بكر وعمر في تأسيس الحضارة الإسلامية ، ومن بعدهم من يريد الحق دولة..
 رسالة..لمن كان لديه هدف ، والنية سليمة ، والأخلاق أساس الطريق..توكّل على الله ، واثبت على مبدئك ، وإياك والتذبذب والحيرة.. الحق معروف والباطل معروف..ودائمًا نحن خلف الحق لنقهر الباطل..لا..بل أيضًا لنُقيم حضارة نحترم بها أنفسنا..
يُتبع..

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء