وائل سعيد - سفير الغلابة أحمد فؤاد نجم




سفير الغلابة.. أحمد فؤاد  نجم

كـتب : وائل سعيد



في العام 2007  اختارت المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للولايات المتحدة ؛ أحمد فؤاد نجم سفيرًا للفقراء ..

والسفير في المًعجم تأتي بمعنى الرسول أو المبعوث ، يعني صندوق مكافحة الفقر رأى أن أبو النجوم هو رسول الفقراء . طيب ؛ وما الجديد في ذلك ؟ هل يختلف اثنان علي أن نجم هو شاعر الغلابة !!



يعيش الغلابة في طي النجوع

نهارهم سحابة وليلهم دموع

سواعد هزيله

لكن فيها حيله

تبدر تخضر جفاف الربوع





يكاد يعرفهم نجم بالاسم ، واحد .. واحد .. ويخاطبهم بقلب الأم التي تلمح ضعف وهوان ابنها لكنها تشجعه وتحايله ، هل المحايله كانت من نجم أم من مصر الأم لإبنها المقهور

يا غلبان بلدنا

يا فلاح يا صانع

يا شحم السواقي

يا فحم المصانع

يا منتج يا مبهج

يا اخر حلاوة

  في نفس الوقت يتهكم نجم معه ، ويسخر من الوضع المعكوس الذي جعل أبناء البلد غلابة لتأتي تهكماته بطعم مرارة شر البلية ما يُضحك

كمان الصحافة

حتكتب في حالتك

وتنشر مناظر لخالك وخالتك

وتطلع يا مسعد عليك االغناوي

وتسمع باسمك في قلب القهاوي

تحبك مشيرة وبنات الجزيرة

وقصة غرامك تشيع في الرداوي

ورغم كل شيء في النهاية يُعلي من هذا الغلبان المقهور هو وكل من يشبهه

يعيش عم مسعد

يعيش يعيش يعيش

يعيش أهل بلدي

تتم صناعة التاريخ دون وعي منا بذلك ؛ في الوقت الذي بدأت فيه صناعة نجم لم يشعر أحد بذلك ؛ تاريخ الإنشاء 23/5/1929 – بلد المنشأ كفر أبو نجم بالشرقية ، اللهم سوى الأهل والديه وبعض الأقارب اللذين علموا بالخبر ، إيه الخبر ؟؟ أحسن خبر ؛ بيقولك أن الست / هانم مرسي نجم وزوجها ضابط الشرطة / محمد عزت نجم قد رزقهما الله بمولود جديد . " يوووه ... " يجوز أن يكون أحد الجيران أو الأقارب والمعارف قد اعترضوا عند سماع الخبر ؛ حاكم عم محمد والست هانم كانا كجوز أرانب أنجبا في حياتهما سبعة عشرة من الأبناء لم يتبق منهم سوى خمسة وهذا قانون الأرانب !!

ابويا كان فلاح تعيس

في ليلة ضلمه خلفوه

وفي خرقه سودا لفلفوه

وفي عيشه غبرة طلعوه

وفي عشه مايله سكنوه

ولصموه وطلسموه ودجنوه وجهزوه

وجوزوه علي عماه

فكان محير في هواه

ما بين امي وبين الجاموسة !!

لا يخلو شعر نجم من التهكم والسخرية علي كل شيء

يموت ضابط الشرطة وينتقل نجم للعيش مع خاله حسين بالزقازيق ثم يدخل دار الأيتام التي سيكون عبد الحليم حافظ فيها " أو زُمُل " -  لاحظ أن التاريخ يصنع العندليب أيضاً ولا أحد يعلم بذلك -  تخيل أن نجم كان يناطح العندليب في الغناء وتصل المواضيع معهما في بعض الأحيان إلي الخناق .

طبعاً خناقة بين نجم والعندليب معروف نتيجتها إيه دون أن يُخبرنا التاريخ ولا صناعته أي شيء لتوضيح ذلك !

ابويا طلعتوه حمار

فكان طبيعي يجيبني جحش

لا اعرف نبي من اجنبي

ولا مين مجاش ولا مين مراحش

المهم يخرج عم نجم من الملجأ سنة 1945 ويشتغل في معسكرات الإنجليز توليفة من المِهن لا تخرج إلا من واحد كنجم ( مكوجي ، بنا ، لاعب كرة ، رزي ... ) .

يسلب وينهب  
ف الزباين بالنهار 
يحدف الدولار يلمه 
تلتميت مليون دولار 
بالقزايز والبنات 
باللبان 
والبمبونات 
بالمدافع والدانات 
او بأفلام الرعاة

طبعاُ سيدخل السجن بعد ذلك بتهمة إختلاس – شوية قماش -  

يا شغالين ومحرومين

يا مسلسلين رجلين وراس

خلاص خلاص .. مالكوش خلاص

غير بالبنادق والرصاص

في السجن يقابل عبد الحكيم قاسم ويكتشف في نفسه الشعر بكتابة ديوانه الاول " صور من الحياة في السجن " ، ومن ضمن صناعة التاريخ يتوجد بقدرة قادر ضابط في السجن يهوى الأدب والشعر وحاجات من نفس الشاكلة .

الضابط الله يبارك له .. يرحمه أو يمسيه بالخير ؛ يأخذ مخطوطة نجم وينسخها علي الآلة الكاتبة ثم يرسلها لمسابقة أقامتها وزارة الثقافة وقتها  .

تقريباً دور التاريخ سينتهي بعد قليل ؛ أقصد التاريخ الخفي الذي كان يُصنع فيه نجم ولا نعلمه . لأن ديوانه سيفوز بالمركز الأول ويتم نشره سنة 1962 بتقديم من الدكتورة / سهير القلماوي .

لحد هنا ينتهي دور التاريخ الخفي ويحل مكانه تاريخ نجم المعلوم حتى رحيل الغلابة في 3/12/2013

ما رأيكم دام عزكم

مات المناضل المثال

يا ميت خسارة علي الرجال

ومن سكات

لا طبالين يفرقعوا

ولا اعلانات

ما رأيكم دام عزكم

يا أنتيكات ...


يصف الكاتب الكبير صلاح عيسى  في الكتاب الذي تناول فيه أحمد فؤاد نجم بأنه شاعر تكدير الأمن العام ... وحياة نجم من أول وجوده كشاعر في صدام مستمر مع السلطة بكل أنواعها من أول الرؤساء وحتى الأغنياء وكأنه يتنبأ ويُحذر من تزاوج رأس المال بالسطة .

يعيش التنابلة ف حي الزمالك

و حي الزمالــك

مسالك مسالــــك

تحاول تفكــــر

تهوب هنالــــــك

تودر حياتــــك

بلاش المهالـــك

 سماه أنور السادات بالشاعر البذيء وحبسه عبد الناصر متوعداً بألا يخرجه من السجن - طول ما هو عايش – علي حد تعبير عبد الناصر الذي يحكيه نجم ، وفي أيام مبارك كان نجم وصل لمكانه وسن لن ينفع معها السجن وفي نفس الوقت مبارك كان أحسن واحد – يطنش – ويقول : خليهم يتسلوا !

علي جانب آخر قال عنه الشاعر الفرنسي / أراجون : إفيه قوة تُسقط  الأسوار . وأسماه الدكتور / علي الراعي : الشاعر البندقية . أنه بحق شاعر تكدير الأمن العام الذي فضح السلطات ورسمها بما يُؤهلها للدخول في مزبلة التاريخ  :

انت شيوعي

انا مصراوي

إنتو مصايب إنتتو بلاوي

ممكن أعرف مين الأول بيكلمني

احنا نيابة امن الدولة

دولة مين

دولة مصر

مصر العشه ولا القصر

أيوه حنبدي ندور ونلف حاجه تنرفز خالص

إف

مالك ... شايل طاجن خالك

لم لسانك ما تخرفش

أنا ما اقصدش اهانتك طبعا

أيوه استعبط

لاما اعرفش  

لاحظ أن واحد مثل نجم لن تستطع السلطة أخذ حق منه أو باطل ؛ اتسمت أغلب قصائده التي تتصادم مع السلطة بالشكل الحواري ، فتجد الشخصيات تتحدث راسمًا صورهم وتصديه المستميت في مواجهة هذه السِحن يدفعه في المقام الأول حب هذا البلد التي بكي في أحد الحوارات التليفزيونية وهو يقول ( بحبها بنت الكلب !! ) :

إنتوا مين  
إحنا ناس مكلفين  
تيجي سالك مش ح تتعب  
وإحنا طبعاً معذورين  
إنتوا دود الأرض  
والآفه المخيفه  
إنتوا ذره رمل 
فى عيون الخليفه  
إنتوا كرباج المظالم 
والماسي 
إنتوا عله ف جسم بلدي 
إنتوا جيفه  
سكتوه ابن الكلاب  
سففوه من التراب  
فتشوا كل الأماكن  
طلعوا رفوف الدولاب 
كمموني يا حبيبتي 
كتفوني يا حبيبتي 
قومونى .. قعدوني 
كل شعرة فى جسمي  
بالعين فتشوها  
المخده من جنانهم 
شرحوها  
وإنتهى التفتيش 
ما فيش 
صدقيني  
ما تخافيش 
هو فيه يا عزه عندي ممنوعات  
غير بأحب الناس  
وبأكره السكات؟ 
بص واحد م التنابله  
جوا عيني  
وإنتي عارفه  
عنيه صافيه وطيبين  
زي كل عيون بلدنا يا حبيبتي  
شباكين  
ع القلب دوغري موصلين ..


بالنظر إلي مربع شعر العامية في القرن العشرين ( التونسي وحداد وجاهين ونجم ) – في رأي الشخصي علي الأقل – وتتبعنا لأعمارهم، سنجد مدة عراك نجم الحياتية فاقتهم جميعاً – وكله في البداية والنهاية بيد الله طبعاً - حداد وجاهين يموتان عن عمر يناهر الخمسين ، التونسي يموت بعد الستين ونجم لا تقدر عليه الدنيا إلا بعد الثمانين بأربع سنوات .

بيرم التونسي     1893 – 1961

فؤاد حداد        1928 – 1985

صلاح جاهين   1930  - 1986

احمد فؤاد نجم   1929 – 2013

 التونسي كان يقول :

الأوله آه والتانيه آه والتالته آه

الأوله عيرونى . إن انا فلاح

والتانيه أزرع وأقلع اللى نام وارتاح

والتالته آه للى أحبه شط منى وراح

وحداد كان يقول :

فنان فقير على باب الله

الجيب ما فيهشي ولا سحتوت

والعمر فايت بيقول آه

والقطر فايت بيقول توت

وجاء جاهين برُبعياته الموجزة الفلسفية :

خرج ابن آدم من العدم قلت : ياه

رجع ابن آدم للعدم قلت : ياه

تراب بيحيا ... وحي بيصير تراب

الأصل هو الموت و الا الحياه ؟

عجبي !!!

ثم يأتي نجم ليُبهرنا بما لم يأتيه أحداً من قبله ، اجتمعت في شعره كل الأصوات وخرجت العادية فاضحة وصادمة لتشُلنا أمام ما يكتُب .. كيف أعاد رص كلماتنا العادية التي نتداولها في كل وقت ويخرج بكل هذا الشعر !!

في قصيدة لنوارة لن تجد سوى أب يتحدث بكلام عادي لابنته :

نواره بنتي النهارده تبقي 
بتخطي عتبه 
ليوم جديد 
يارب خلى 
يارب حافظ 
يارب بارك 
يارب زيد

ألا نردد هذه الأدعية في كل وقت ؟ هل التفت إلي شعريتها قبل أن يقولها نجم !!

بسكوته بابا 
حاضر يا ماما 
وتقوم تدوسني 
عشان تبوسني 
وتنام فى حضني 
وتقوم ف حضنى 
وتعمل العمله 
وتملا حضني 
الله يجازي البعيد شيطانك 
حماره كلبه 
مش عيب يا ماما 
كده البيجاما 
مش بابا قايل 
وماما قالت 
من طول ما حطت 
وطول ما شالت 
ساعه ما تبقي الحكايه 
كخه 
يقولوا إا ح 
قوام يا ماما ؟ 
بسكوته بابا 
بسكوت في عينك 
ما فيش معامله 
بيني وما بينك 
ياللا امشي قومي 
حماره كلبه 
باظت هدومي 
ماتقومش طبعا 
ولا أي حاجه 
وكانه مثلا 
ما حصلش حاجه 
تقعد تكلضم 
وتلوي بوزها 
وتتجاهلني 
كاني جوزها 
خاصماك يا بابا 
ماتكلمنيش 
طظ ف عظمتك 
ما يهمينش 
ديتها بوسه 
أو تهشيكايه 
أو بسكوتايه 
أو بمبونايه 
حتسوقي شغل النداله طبعا 
وتروحي جارّة الكلام معايا 
وبوسه بابا 
أديكي بوسه 
سكر يا بابا 
تديني بوسه 
كده اصطلحنا خلاص يا بابتي ؟

الغريبة في عم نجم أنه لا يطرح – الشعرية الكبري – إذا كان هناك معنى يحمل هذا المصطلح ! لا يُفاجئك إلا بالعادية .. منتهى العادية ، تتبع مفردات نجم وستجد أننا نتلفظ بتلك الكلمات علي مدار اليوم والسنين من غير لا شعر ولا يحزنون !


أحمد فؤاد نجم الذي عاش وجاب شتى البقاع شرقاً وغرباً وتزوج عدة مرات وأنجب ومارس السياسة وحشش وأصبح أيقونة من أيقونات الزمن التي لا تُنسى ؛ لا يمكن إلا أن نترحم عليه ونتحسر علي أن الزمان – مستحيل – أن يأتي مرة أخرى ولو حتى بربع هذا الرجل .. أنه شاعر الغلابة وكفى .

ومن نبع ما كتب أحب أعرفكم :

أعرفكم جميعاً أن العمر خايخ

وأعرفكم جميعاً أن الكل شايخ 

وأعرفكم جميعاً أن فراقه بايخ

وربنا يرحمه ويرحمنا .. يا حبايب !!





= تم الرجوع إلي :

الفاجومي .. سيرة حياة 
شاعر تكدير الأمن العام .. صلح عيسى
الأعمال الكاملة لكل من .. نجم وجاهين وحداد والتونسي
بعض حوارات البرامج التليفزيونية للفاجومي

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء