كريمة مقراني - ثمن الحرية


ثمن الحرية

بقلم: كريمة مقراني


في مساء منعش على رمال دافئة،هدير أمواج بحر شهر سبعة،تقضي فطيمة بعض الوقت مع عائلتها لتستعيد قوتها ،إرادتها و إيمانها بضرورة العمل و التفاني فيه. يمر أسامة عاري الصدر بلون البرونز و عضلات فاتنة،جسم شاب تخترقه الحياة و القوة.يتبادل الشابان النظرات،تلتهب القلوب و تخفق الأرواح.هل هو الحب من أول نظرة؟ أم أن القدر يسير بهما إلى المحتوم؟ و ليؤكد مراده و يتأكد من أثر نظراته،قفز كسمكة رشيقة في مياه البحر،اهتزت لها عيناها البريئتان.راحت تتبع حركاته الفنية بشغف و انبهار.خرج أسامة بعد لحظات و ماء الأزرق تتناثر كحبات لؤلؤ ،مهاجرة جسمه .مرر يدا ماسحا مقدم شعره و بأخرى ناثرا ما تبقى على عرض كتفه.مما لا شك فيه الآن أنه اجتثها من عالمها،تلك الملائكية الحالمة،بعد أن أرسل بشعاع من نار ألقته عيناه ليحرق فؤادها العذري. ظلت على تلك الهيئة مشدوهة،مشلولة الفكر لزمن حتى استفاقت على صوت لا تجهله: -حان وقت العودة للبيت الصيفي،ثم إنه وقت صلاة المغرب. -هاه!! أبي!! نعم أبي لنعد.سأساعد أمي على جمع أشيائنا. على طاولة في شرفة المنزل،إجتمعت العائلة لتناول عشاء لم تذكر منه فطيمة شيئا،فلا حلو بدا حلوا ولا حامضا كان بحامض،تشابهت لها الأذواق و الألوان.كل ما كان يحتلها صورته،ذلك الجريء.قضت ليلها تتقلى على فراشها،لم تجد للنوم طريقا ينتشلها من لجج اللوعة التي تتقاذفها. في الصباح،كانت أول المستيقظين،خرجت كعادتها لشراء خبز الفطور،فجأة، انتفضت و توقفت،إنه هو،نعم هو،ينتظرها مبتسما. -صباحك جميل آنستي المحترمة،هل لي بكلمة؟ ارتبكت ولم تجد لكلمة مخرجا،توردت وجنتاها ،جف حلقها و ارتجفت حتى انسل ما تحمله من بين يديها. - «قصدي شريف» كما يقال.لمحت فيك الصدق و الحياء و من الجمال و النور ما يبعث في قلب أي رجل ،الحياة.أرجوك رقما أو عنوان حساب،حتى أشرح لك أكثر،لن تندمي أيتها الفاضلة. تحت ضغط إلحاحه و لفحة الخجل التي أحرقت خديها،أعطته اسمها على الشبكة العنكبوتية و اختفت في حياء. ما إن بلغت البيت حتى ولجت صفحتها و كما توقعت،لم يأخذ هو أيضا وقتا طويلا لبعث لها برسالة طويلة يقص فيها ولهه بها من أول نظرة.كما أبدى عظيم إعجابه بما تكتب و تنشر مثنيا على عدد الإعجابات التي تحصدها. أعرب أيضا و في أول اتصال عن رغبته في الزواج منها و أنه سيكلم والدها في المساء ذاته. -سرعة غير معقولة! ربما هو الحب فعلا،لم لا! تمت الخطبة في عجالة غير منطقية .كان مقنعا ببراعة،حدد موعد العرس بتمكن فضيع رضخ له الجميع.حدث كل ما خطط له بسلاسة وصارت فطيمة اليوم في بيته و تحت إمرته. لم يمض أسبوع حتى رمى بعباءة البراءة. -أريد كلمة سر حسابك حالا.من هذا؟ وذاك؟ كيف تكلمين رجالا غرباء؟ و من تلك التي تضع صورتها بدون حياء؟ لن تكتبي بعد اليوم.. لن تخرجي من قفصك هذا و لباسك لست راض عنه،آمرك حالا أن تغيري طوله،حجمه،عرضه و تفصيله..لن تبتاعيه من أي مكان،سأخيطه،لن يراك بعد اليوم إنسان. -تغار مني؟..عفوا ألهذا الحد تغار علي؟ انتبه حبيبي أنت تدمرنا. -و تردين يا سافلة..لن أرحمك.هت ما عندك يا «فاهمة يا متفتحة». -أريد حريتي،لم يبق لعلاقتنا أساس عليه قد تقوم..تسب و تقذف إفكا زوجتك؟؟ -صه يا وقحة،لن ترحلي. -حررني ما جمعنا إلا هلاك لكلينا..أفق لقد ذهب الوسواس بعقلك. -كنت على يقين من عهرك يوم أعطيتني عنوان حسابك..لن أطلقك ،ستعودين لعودك ،تكتبين و تصادقين . فطيمة اليوم على سرير طبي، تحاصرها آلات طنانة من كل ناحية،بشرتها الناعمة مزرقة و جيبا عينيها منتفخة،شعرها الذي كان عزتها إختفى و لم يبق منه إلا خصلات قليلات تزيد بشاعة منظرها بشاعة.قابعة بالمستشفى منذ قرابة شهر،تحت عناية مركزة من جمع هائل من الأطباء و الممرضين،فطيمة تلك الزهرة اليافعة،أيقونة الحياة و الطموح،إبتسامة شمس الربيع،نسمة الغروب،تصارع آلامها.جسمها المغطى كمومياء من فرط الكسور و الكدمات لا يحرك ساكنا،فقط دقات قلبها البريء و حركة تنفسها. أسامة أخيرا حررها بعد أن انهال عليها بقنينة زجاجية، اثنتان و أربعون ضربة متتالية و ست أصابع من أصل عشرة،بترت بوحشية،وجه مخيط من كل جانب إضافة إلى عظام مهشمة على طول عمودها الفقري. أنا فطيمة،أكتب لكم اليوم قصتي بما بقي لي من أصابع.


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء