برومثيوس-موصير(الحلقة الأولى)

موصير (الحلقة الأولى)

بروميثيوس

موصير:
في تلك الدولة الرائعة ، التي تحمل من جوانب الحياة العديد والعديد ، تربى العديد من الأجيال ، خرج منها العلماء والرؤساء والقادة ليس فقط داخلها ولكن على مستوى العالم أجمع ..
فيها النظام يسير على وتيرة خاصة ، فمنظومة الحكم بداخلها غريبة وعجيبة ، فهناك الشعب ، وهناك السلطة التنفيذية ، والحكومة والرئاسة وهناك رجل واحد يتحكم في مصير كل هؤلاء .
رجل حمل من القوة والثقة المطلقة حدًا لم يبلغه أحد من قبله إنه رجل الدولة الأوحد ، الرجل الذي من سلطته معرفة كل ما يجري من الأمور ..
يستطيع مراقبة الرئيس ..
الوزراء ..
الحكومات ...
الموظفين ...
والتحكم في كافة أمور الدولة ...
إنه الرجل الأوحد ..
إنه النائب العام .
*****************
على أحد المقاهي الشعبية في موصير ، جلس عماد ، شاب متخرج من كلية الحقوق من أكبر جامعات موصير ، حصل على ليسانس الحقوق وعمل في أكثر من مجال ولكن حالة البطالة التي تعاني منها الدولة جعلته يأخذ مقعده بجوار مَن سبقوه في التخرج .
كان عماد شابا طويل القامة ، عريض المنكبين ، صاحب وجه جامد وفي نفس الوقت يحمل روحا مرحة امتاز بها الشعب الموصيري ، كان جالسا على المقهى حين اقترب منه صاحب المقهى وجلس بجواره ليسأله :
استاذ عماد ، ألن تذهب للعمل اليوم ؟
نظر له عماد من جانب عينيه ثم استدار ليواجهه ورد :
اليوم راحة ، لقد أصبحنا نعمل يوما ونستريح الأخر نظرا لحالة البلد التي نمر بها هذه الأيام .
أومأ صاحب المقهى برأسه متفهما ثم نظر لصبيه ليطلب منه طلبا وعاد ناظرًا لعماد وقال له :
أتعلم يا أستاذ عماد ، إنك من الشباب المثالي ، فأنت خريج كلية ، ومتعلم ، ومثقف ، ولديك مميزات عدة .
ضحك عماد بسخرية ورد :
ومع ذلك لا أجد عملا ثابتا ولا أجد وظيفة محترمة، ثم هل تبحث لي عن وظيفة أم لديك عروسة تبحث لها عن عريس ؟
ضحك الرجل على دعابة عماد ، وقال له :
لو كانت لدي ابنة لما وجدت أنسب منك لها ولكنك تحتاج لوظيفة .
نظر له عماد ورد بأسف :
الحقيقة أن هناك العديد من الشباب يستحق العمل والوظيفة ، ولكنك تعلم مدى ما نعانيه من ركود ، ومدى قوة الواسطة و المحسوبية فقط لكي تحصل على وظيفة وتثبت اقدامك بها .
توقف ليأخذ نفسا عميقا ثم استطرد :
كما لديك ما نعانيه من ظلم واستبداد ، وتعنت من قبل المسئولين ، اتعلم إن كان هناك قليلا من التوظيف الفعلي لهذا البلد لتغير حالها إلى النقيض تماما .
ابتسم صاحب المقهى وغمز لعماد قائلا :
هل تريد أن ترشح نفسك للمجلس الشعبي الموصيري .
ابتسم عماد على ابتسامة صاحب المقهى وقال له وهو يشيح بيده كما يفعل القادة :
اتعلم إنها فكرة ، حسنا بما إنها أحلام لتجعلني وزيرا في الحكومة أو شيئا من هذا القبيل ، ما رأيك في منصب الرئيس ؟
تجهم وجه صاحب المقهى ورد فيما يشبه الخوف :
أتعلم فيما مضى لم يكن أحد يجرؤ على التفوه بمثل هذا الأمر . ولكن ذلك النائب العام جعل الأمر مفتوحا للتحدث أرأيت مدى الحرية التي نمرح بداخلها .
رد عماد بوجه جامد :
ليست حرية رأي كما تتوقع ، إنها فقط لإعطاء المساحة للتعبير حتى لا تقوم الثورات وغيرها من الإنتفاضات بسبب ما نعانيه الآن ، إنها فكرة محسوبة ، كثرة الضغوط تؤدي للإنفجار فيعطيك المساحة لكي تعبر عن نفسك ومكنونك بدلا من الانفجار وحين تتجاوز الخطوط الحمراء صدقني ستجد تماما ما كان يحدث في الماضي وربما ألعن .
دخل رجل أخر كان يجلس على طاولة أخرى في الحوار قائلا :
صدقت يا رجل ، هذا بالفعل ما يحدث ، لا تخدعك المظاهر ، فما بالداخل لم يتغير بتاتا والدليل على ذلك عدم إغلاق المعتقلات أو تعديل القانون داخل وطننا .
نهض صاحب المقهى واقفا ورد دون أن يلتفت إليهم :
ليس لي كلام في السياسة والقانون ابعدوني عن مثل تلك الأمور .
ابتسم عماد والرجل لخوف صاحب المقهى ثم طلب عماد الحساب فدفع ما عليه من نقود ثم غادر المقهى بهدوء ..
كان يسير لا يعلم ماذا سيفعل في الدقائق والساعات التالية ولكنه وجد أمامه موقفا غريبا أثار بداخله شعورا امتاز به الشعب الموصيري .
شعورا بالنخوة .
*********************
" أنتِ أيتها الجميلة ، ألن تنظري ناحيتي فقط نظرة أيتها الحسناء "
كانت تلك العبارات تلاحق فتاة في أوائل العشرينات من العمر تسير بهدوء بمفردها ، وكان هناك مجموعة من الشباب تغمز لتلك الفتاة وتخرج الجمل بطريقة فجة ، فظة لملاحقتها ، فما كان من الفتاة إلا السير دون الإلتفات لهم ، ثم تجاوز الأمر حده حين مدّ أحد الشباب يده لكي يلمس جسدها فمدت يدها وقامت بصفعه بشدة فحاول التعدي عليها في وضح النهار ..
كان عماد هو من رأى هذا المشهد فصاح بصرامة :
ماذا هناك ؟
نظر له الشاب وصاح بوقاحة :
ما شأنك أنت ، سر في سبيلك ولا تنظر إلى هنا مرة أخرى حتى لا تواجه ما لا تحمد عقباه .
نظر له عماد ببرود وقال بصوت بارد تماما :
هل كلامك هذا موجه لي أنا ، أم تخاطب نفسك انت وهؤلاء الحثالة الذين يقفون حولك وتتطاولون على المحترمات .
نظر الشاب للفتاة نظرة فجة وقال بوقاحة :
في الحقيقة ، هي ليست محترمة وإلا لما سارت لكي تلقى العبارات من الشباب ، ولكن أتعلم إنها تمتلك جسدا جمـ ...
قاطعته صفعة من يد عماد أعقبها لكمة خاطفة على فكة أخرسته تماما ، فتكالب عليه مجموعة الشباب فدفع الفتاة بقوة وقال لها بصرامة :
ابتعدي عن هذا الدرب .
قالها واستدار لمواجهة الشباب فما كان من الناس المتواجدين سوى التدخل لحل الأمر ، فروى عماد ما حدث فهرب الشباب ولم يتبق سوى من تلقى اللكمة الذي كان ثائرا ويسب بأبشع الألفاظ فنظر له عماد بصرامة وقال من بين أسنانه :
لولا تدخل الناس ، لما عدت لمنزلك سليما نظير كلماتك وألفاظك القبيحة .
كان الفتى يثرثر من بين الناس :
حسنا ، أيها الشهم لنرى هل تستطيع أن تدافع عن نفسك أم أخذتك الحمية لتلك العاهرة فقط .
كان الناس يحاولون تهدئة المتحرش ، لاقين اللوم على الفتاة وإنها السبب فيما حدث وكونها خرجت من منزلها لتثير غريزة الشباب !!
هنا اندفع عماد مرة أخرى ناحية المتحرش وكال له لكمة أخرى مع ركلة قدم في صدره فالتفت له الناس على أثر قوة وشدة الضربة وحاولوا فض الإشتباك وحين هدأ نظر للشاب وقال بصرامة :
كلكم مثل هذا الشاب ستتركون الجاني وتلقون لومكم على الضحية ، مجرد أخيلة مآتة ، تظهر الشجاعة على الضعيف ، انظروا لأنفسكم بداخلكم مثل تلك الحقارة والوضاعة المغلفة بطابع إيماني سخيف ...
كان يعلم جيدا أن ما يقوله مجرد كلمات لن تؤثر في الناس، فمن الواضح إنهم أصبحوا مجرد أشباح تسير على قدمين ..
فض الناس الشجار فسار عماد مبتعدا تاركا الأمر كله خلف ظهره ولكنه وجد الفتاة واقفة على جانب الطريق تنتظره فنظر لها فاقتربت منه هامسة :
اشكرك .
نظر لها وابتسم ابتسامة خفيفة ورد بهدوء :
لا عليكِ ، هل تقطنين بالقرب من هنا ؟
هزت رأسها بالنفي ، فعرض عليها أن يوصيلها لمنزلها ولكنها رفضت بذوق فهز رأسه متفهما مستعدا للإبتعاد إلا إنها استوقفته قائلة :
أشكرك مرة أخرى .
فأشاح بيده متمتما :
لا عليكِ إنك كالشقيقة بالنسبة لي .
كان الموقف يعيد لذهنه ذكرى الرياضة التي كان يمارسها والبطولات التي حصل عليها أيام الدراسة ، والتدريبات وفترة تجنيده داخل الجيش الموصيري ، ولكنه عاد بذاكرته لواقعه ، حين وصل لمنزله ، فصعد بسرعة وجلس على أول أريكة بعد دخوله من باب المنزل ، وحين جلس عادت إليه مرة أخرى ذكرياته .
التي كانت تحمل له لمحة من الأمل قبل أن يتحطم على صخرة واقع التخرج .
الصخرة القاسية .
********************
" اليوم هو نهائي بطولة موصير للوزن المتوسط لرياضات الدفاع عن النفس "
كانت تلك العبارة هي التي انطلقت من فم أحد المذيعين المتواجدين لإذاعة فعاليات تلك البطولة ، كان عماد ممثلا لكلية الحقوق في حين كان نظيره ممثلا لكلية الطب ، كان عماد حاصلا على البطولة للهواة لمدة ثلاث سنوات متواصلة ، وكان حلمه الحصول على تلك البطولة لتظل البطولة فى كلية الحقوق للسنة الرابعة على التوالى ، كان مستعدا بشكل جيد، لأنه أحد أبطال اللعبة وفعلا تمت المباراة بين عماد ونظيره وكانت المباراة حامية بدرجة شديدة ..
" مباراة رائعة بكافة السُبل ، مهارة من عماد البطل الدائم لتلك الرياضة ونظيره من كلية الطب "
تلك العبارة قالها المعلق الذي استطرد ناقلا فعاليات المباراة :
عماد ذلك الفتى المفعم بالحيوية يواجه نظيره حسين الذي يتمتع أيضا برغبة عارمة في الفوز حتى لا تفوز كلية الحقوق بها مرة أخرى ، عماد يضرب بقدمه في صدر حسين وفي نفس الوقت ترتفع قدمه الأخرى لكي تضربه في صدره واعتمد بيديه على الأرض ليعتدل مرة أخرى .
كان عماد يحاول بكافة المقاييس ألا يخسر تلك المباراة ، نظرا لأنه يكره الخسارة مهما كلفه الأمر ، وعاد مرة أخرى ليلكم حسين في فكه فتفادى حسين الضربة ، بإنحنائه ماهرة ولف جزعه بقوة ووجه كعبه في ظهر عماد الذي تلقى الضربة فانقلب على وجهه وعاد لينفرد مرة أخرى ويسقط بجسده لأسفل ويلف قدمه بقوة ليضرب حسين أسفل كعبه الذي حاول أن يفلت من الضربة فعدل عماد من زاوية الضربة ليأخذ حسين بقوة من قدمه الثابته ليقع حسين على ظهره بقوة .
استمرت المباراة بين عماد وحسين لعدة دقائق وانتهت بفوز عماد بضربة قاضية وحصد عدد من النقاط ، فصفق له الجميع نظير لياقته العالية ومقدرته الفذة في الرياضة ، وجاءت لحظة التكريم فنهض رئيس الجامعة وسلمه الميدالية والكأس باسم كليته للمرة الرابعة على التوالي .
قام عماد بتحية الجمهور ثم ذهب بالكأس لعميد كليته ، واعطاه له بابتسامة و....
انتفض عماد من ذكرياته على صوت رنين هاتفه ، فنظر ليرى الوقت ودُهش للوقت الذي أضاعه في تبحره داخل ذكرياته !!
كان لا يزال يتذكر البطولة وكيف كان حاصدا للميداليات والتقديرات ولكن لسوء الحظ أن ابن العميد كان مرافقا له في الدفعة والذي حصد منصب المعيد نيابة عنه ، ولكنه لم يدخل ذلك المعترك لأنه يعلم جيدا أنه لن يحصل على بلح الشام أو عنب اليمن من تلك الأمور ، وذهب لكي يشق حياته في الحياة العملية ...
حاول بكافة الطرق كي يعمل في مكتب ولكن نظرا لظروفه المادية البسيطة ، ولأنه يتيما وليس لديه واسطة أو محسوبية أو شيئا من هذا القبيل كان مصيره التشريد التام ، فألقى بشهادة التخرج ، والتقديرات خلف ظهره وقرر العمل بعيدا عن دراسته .
وعمل في كافة الوظائف ولكن ..
كان قدره يخبئ له الكثير والكثير من المفاجآت ...
""" يـتـبـع """


الإبتساماتإخفاء