باولو ساباتيني - لا أحد ينام



لا أحد ينام

باولو ساباتيني
مدير المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة





لسنوات عديدة منذ عام 1949 لم يكن مسموحاً بإدراح أوبرا "تراندوت" فى برامج المسارح الصينية، وذلك لحساسية الموضوع الذى ينافي الواقع التاريخي، فعمل بوتشيني لم يكن عملاً وثائقياً بل بالحري أسطورة لا تُوجد سوى فى صين من الخيال، على أن الثقافة هي جزء هام من العلاقات بين الشعوب وهي قابلة للتحاور.


في عام 1987 وخلال فترة عملي فى الصين والتي حكيت عنها فى مقالي السابق كان هناك حدث غير عادي : كان مغني الأوبرا العالمي "بافاروتي" في زيارة للصين لأداء أوبرا "لابوهيم" لبوتشيني.



ومنذ شيوع الخبر في أيامه الأولى انهالت الحجوزات على التذاكر وحجوزات الفنادق من شتى بقاع آسيا والعالم أجمع، وسرعان ما أدركت السلطات الصينية أهمية الحدث وتاريخيته فسارعَتْ بالتعاون مع السفارة الإيطالية في الصين لإخراج الحدث على أفضل وجه، ولكوني موسيقياً فقد كنت أشارك فى هذا الحدث أيضاً وتم الإستعانة بي في بعض المشاكل التي كانت تبدو صعبة الحل ظاهرياً مثل إيجاد ألة "السيليستا"[1] والتى أدرجها بوتشينى ضمن الآلات العازفة فى النوتة الموسيقية الخاصة بالأوركسترا.

ففى الصين وبعد فترة الستينيات الصعبة كان من العسير جداً الحصول على بيانو مُعَد للعزف، فما بالك إن كنا نتحدث عن "السيليستا"، وبعد أسبوع من البحث المتواصل أستطعت أن أجلب آلة السيليستا من هونج كونج التي كانت آنذاك تحت السيطرة البريطانية، وما تلى هذا من مشاكل جمّة فى النقل والتخليص الجمركي، وبعيداً عن هذا فإن الكثير من الأمور كانت تحتاج لتوضيحات وشرح مع السلطات والتي وصلت في بعض الأحيان لمستوى المباحثات الدبلوماسية.   

ثم وصل بافاروتي بشخصيته الوهاجة التى أثرت على الشخصيات الهامة والساسة الصينيين، وتم على عجل تنظيم حفل موسيقي فى بهو قصر الشعب فى ميدان "تين آن مين" وكانت تلك هي المرة الأولى التي يعرض فيها فنان أجنبي فى مكان يُعتبر بمثابة "معبد" الصين الشعبية.

في ليلة العرض جلست أنا وزوجتي وسط حوالي عشرة آلاف صيني مرتدين زى " ماو تسي تونج" الذى ذكرته مراراً قبل هذا.

وكانت خشبة المسرح الضخمة مزينة بوجود بيانو طوله من خمسة إلى ستة أمتار لم أرَ مثيله من قبل وكان يبدو ضئيل الحجم من بعيد، ثم يدخل بافاروتي ببدلته وضخامته ويلوح بمنديله الشهير والذى يبلغ فى تقديرى حوالي متراً من القماش.

وتبدأ الأوركسترا فى عزف أولي مقطوعات النوتة الموسيقية وسرعان ما قام المستمعون الصينيون بالهتاف "تو ــــ لان ــــ دو" .. "تو ــــ لان ــــ دو"، فلقد نجح بالفعل المغني الإيطالي الشهير فى إقناع سلطات بكين، وأخذ يغني مقطوعة "لا أحد ينام" وسط إعجاب الجميع في الصالة التي كانت ممتلئة بصفوة المجتمع، وحينما أطلق التينور المشهور العنان لصوته فى مقطع "سأنتصر" جاء تصفيق الجماهير كما الزلزال الذى كان على وشك أن يحطم نوافذ القاعة.  

إنها قوة الثقافة، فهى الضؤ الذى يبدد غياهب الظلمة ويوقظ كل ماهو جميل ونقي نحتفظ به بين حنايا قلوبنا.

وبعد أداء أوبرا "لابوهيم" أراد بافاروتي أن يقابل كل من ساهم فى إنجاح رحلته الفنية وأتذكر أنهم قد قدموني أنا والملحق العلمي للسفارة  له على أنني قد ساهمتُ في حل الكثير من المشاكل المعقدة.

وقال بافاروتي:"إنني سعيد بمقابلتكما وأود أن أصنع شيئاً لكما.. فماذا تريدان؟ وعلي الفور أخرج زميلي من جيبة متراً مثل الذى يستخدمه الخائط لقياس القماش وطلب منه قائلاً:"سيدي، لدي حلمٌ طالما راودني طوال حياتي وهو أن أقيس مقدار خصرك (كرشك)!!" وسمح له بافاروتي وسط ذهول الجميع و لم يَبُح لأحد بالنتيجة وظللنا محتفظَيْن بهذا السر حتى الآن.




[1] آلة السيليستا هي آلة قديمة تمزج بين آلة البيانو وآلة الأكسيليفون 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء