باولو ساباتيني - قصر الذاكرة لماتيو ريتشى: نظام من الدبلوماسية والثقافة





قصر الذاكرة لماتيو ريتشى: نظام من الدبلوماسية والثقافة


باولو ساباتيني
مدير المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة


إن مهمة ماتيو ريتشى فى الصين (١٥٨٥-١٦١٠) كانت قصة نادرة وخليطا من العمل الدءوب والدبلوماسية والثقافة والدين وأسلوب الحياة والنجاح: ففى هذه الحالة يتجلى الواقع الذى يغلب الخيال.

من الأوجه العديدة لأنشطته وللمواهب التى تتسم بها طائفة اليسوعيين (الجيزويت)، هى تلك القدرة على التواصل، حيث تتجلى قدرته على مزج الثقافتين (الغربية والصينية) فى نظام قادر على خلط التقاليد العريقة للحضارتين الرومانية والصينية.

لقد كان ماتيو ريتشى أحد رجالات عصر النهضة فى مجاله، على نفس مستوى مايكل أنجلو وليوناردو دافنشى فى الفن والعلم، لقد تخصص فى الفن (الفنون الجميلة والعلوم الطبيعية والأدب الكلاسيكى الغربى والموسيقى) كما كان يعرف طباعة الكتب وإصلاح الساعات وبناء البيوت وكان مُطّلِعا فى الزراعة، هذا بالإضافة لمعرفته البالغة فى الأديان والكتب المقدسة. 

إنه يُعتبر على كل الأصعدة «رجلا موسوعيا» على نمط الكثيرين قبله أمثال (دانتى أليجيري، بيكو ديللا ميراندولا، جوردانو برونو وآخرين كثيرين)، لقد كان على سجيته سواءً كان فى القصر الإمبراطورى فى بكين أو فى أحد بيوت الصينيين البسطاء.
ذلك التميز يعود لشخصه الكريم وطبيعته الفطرية، وأيضا إلى حماسه وتربيته العالية التى تلقاها فى مدارس المدينة التى ولد بها مدينة ماتشيراتا، وفى مدرسة الجيزويت العليا فى روما والتى كانت فى ذلك الوقت مهد أعظم العقول الأوروبية.

فى المدرسة العليا فى روما تعلم الآداب الكلاسيكية وبالحرى القدرات السرية والرفيعة لفن التذكر وذلك لفهم الثقافة الصينية ولشرح قيم الديانة المسيحية بطريقة تناسب عقول تلاميذه الصينيين.

إن فن التذكر هو فى الحقيقة نظام الفهم للكون فى أوجهه المختلفة: إنه الكون العسير الفهم أمام أعين الوثني، والمناسب والمتناسق فى أذهان القليلين الذين استطاعوا إدراك آلياته والعلاقات التى تربط عناصره، هؤلاء كانوا الدارسين الغربيين المنتمين للمدرسة الأفلاطونية الجديدة وقد كان ماتيو ريتشى يميل إليهم. ذلك الفن هو فى الأساس بناء لقصر افتراضى فى عقل من يتبع هذا المذهب. 

إذا تأملنا تعاليم اليونان القديمة وروما القديمة والعصور الوسطى كما نظّمها المفكرون أمثال شيشرون وسان توماس فإن تلك التعاليم تقوم على تخيل حجرات و مساحات مليئة بأشياء وصور مرتبطة بمفاهيم وكلمات.

كل حجرة يمكن أن تكون متصلة بالأخرى بطريقة متتالية أو متوازية، ففى عصر ماتيو ريتشى كانت تلك الطريقة متداولة بين الطلبة الذين كانوا يطبقونها على كل فروع الدراسة صانعين خطوطا ورموزا متكررة ترتبط مع مرور الزمن بحالات ذهنية معينة: فمن الأسهل على الفكر أن يذهب ويتجول بطريقة منظمة فى ممرات وحجرات منسقة بناء على رسم هندسى واضح ودقيق على أن يتوه فى مجاهل متاهات ليس لها نهاية.

إن النظام هو أساس «الفيديوجيم» العقلي: الهدف النهائى يختلف دائما، ففن التذكر هو محاولة جعل الذهن موازيا للتناغم الكونى متبعا القواعد التى وُضعت فى العقل الذى خلقه الله.

إن ماتيو ريتشى لم يترك وصفا دقيقا لقصر الذاكرة الذى صممه فى عقله خلال السنوات التى قضاها فى الصين: فقط بعض المؤشرات لمحتويات قليلة، عبارة عن أفكار وصور ذهنية، لكنه عَلّم فن التذكر لبعض المرشحين للتعيين فى القصر الإمبراطورى الصينى من بينهم صديقه «كسو كوانجي» الذى اتبع تعاليمه بنجاح فائق. 

لقد أسس ريتشى قصر الذاكرة ليمكن نفسه من حفظ آلاف الأشكال الصينية التى خدمته فيما بعد ليصبح دارسا صينيا وليعطى لتلميذه «كسو كوانجي» وتلاميذه الآخرين تقنيات بناء قصور ذاكرة جديدة ولعلها هى «المفاتيح السماوية» لفتح قصره الافتراضى نفسه.
إن الفن الكلاسيكى يوصى بأن يشكل كل شخص قصر الذاكرة الخاص به بعلامات وارتباطات وصور شخصية خاصة به ولكن قواعد البناء الافتراضى يجب أن تكون واحدة للجميع.

لقد ظللتُ على مدى عشرين عاما أحاول إعادة بناء قصر ريتشى الذى أتخيله حسب دراساتى على شكل مدرجات مسرح مؤسسة على رقم سبعة ومضاعفاتها، فذلك القصر يحوى ٤٩ حجرة تربطها ممرات وطرقات: إنه «مربع سحرى» يتكون من سبعة صفوف، كل صف به سبع حجرات، كل حجرة لها باب عليه صور ومليء بالرموز والسكان الافتراضيين.

إن الرقم ٧ هو رقم عجيب وسحرى فى التقليد الغربي، فهو عدد الكواكب الرئيسية التى تؤثر على الكائنات البشرية فى الأرض وهى من اليسار لليمين القمر، عطارد، الزهرة، الشمس، المريخ، المشترى، زحل. 

إن التسعة وأربعين حجرة كانت جزءا من لعبة فلكية معقدة.

لقد أضاف ريتشى بعدا دينيا للمعنى الفلسفى: فالتعريف بالمسيحية فى الصين كان يستلزم أن يضع ريتشى الإنجيل فى قصر ذاكرته. وقد نجد أن ماتيو ريتشى بإختياره لرقم ٤٩ حجرة قد تأثر بتوصيات آباء الكنيسة لتلاميذهم قائلين «احفظوا حين تصلون»، فلا يمكننا أن نتغافل صلاة «أبانا الذى فى السموات» التى وضعها المسيح بنفسه حسب ما ذكر فى الإنجيل.

أثناء وجودى فى شنغهاى قمت على سبيل اللعب أن أعدّ كلمات صلاة «أبانا الذى فى السموات» باللغة اللاتينية فكانت ٤٩ كلمة! وكان نظام التذكر للشباب الكاثوليك مؤسسا على قصر من ٤٩ حجرة كل منها متصلة بالأخرى عن طريق كلمات «أبانا الذى فى السموات» مثل حبات المسبحة.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء