عينٌ ترصد وبصيرةٌ تكشف فى (مملكة الأصوات البعيدة)



عينٌ ترصد وبصيرةٌ تكشف فى (مملكة الأصوات البعيدة)


بقلم: نبهان رمضان


    فى مجموعته مملكة الأصوات البعيدة الصادرة حديثا عن روافد للنشر والتوزيع, يدغدغ الكاتب أحمد الزلوعى خيال المتلقى ويجذبه رويدا رويدا ليدخل طواعية ويتجول فى دهاليز مملكة الأصوات البعيدة. صنع المؤلف بنايات المملكة من أصداء رؤيته الفلسفية لمشاهد رصدها بعين خبيرة, وحللها بقريحة عليمة, وجسدها فى صور وقصص حوتها مملكة الأصوات البعيدة.                        

 أولى تلك الصور (طاقة القدر) التى وازن فيها الكاتب بين حياة الجد إبراهيم ومواجيده وسط عبق الصوفية والعشق الإلهى.  وفى ( اليوم السابع ) رصد كل الهالات التى تحيط بالدجالين و المشعوذين بأسلوب شيق ممتع   .

أما فى القصة التى حملت المجموعة عنوانها فإن المتلقى يشعوربحالة التشتت والتيه التى أصابت معتز عبد الهادى بين الحياة الصاخبة التى نشأ فيها وحقق نجاحات فى حياته بفضل ذلك التوازن بين الهدوء فى مقر عمله واختلاط أصوات الصخب فى منزله. وجد دوافع النجاح بين صخب المكان واختلاط أصوات القطار وزعيق الباعة الجائليين حتى داهمه صوت بكاء طفل فى جوف الليل, ربما أراد أن تظل الأصوات ساكنة فى روحه التى اختزانها من وحى الذكريات, وصاحبته الى مسكن جديد لدرجة ذابت بها روحه وأخرجها فى ورق على شكل رواية وحكايات تحقق له شهرة ذائعه.

    يقارب  الكاتب أحمد الزلوعى رؤية أخرى تكمن فى نفوس كل الرجال الشرقيين عن الجنس الذى يمثل الحياة بالنسبة للرجل الشرقى, وعقيدة الحسد التى تعشش فى عقول البشر فى قصة (لون يمنع الحسد) أما فى ( كفر الشجرة )فيدخل بنا الكاتب دهاليز المعتقدات التى ترسخت فى العقول والتى لا تتغير  مهما طرأ عليها من  مظاهر حياة عصرية لكن يظل المعتقد راسخا يتنقل من جيل الى جيل 

   تتوالى الصور والحكايات من مجتمع يحمل من المغالطات وسوء النية الذى يلازم امرأة يغيب زوجها لسفر أو موت أو طلاق يجعلها مطمعا لأى رجل يدق بابها فى الخفاء. اتخذ الكاتب من جدائل الشعر رمزا لأنوثة بطلة القصة مستوحيا من جدائل شعر ناعسة من قصص الموروث الشعبى. يحاول الكاتب أن يقارب ويفسر ماهية الحياة متخذا من مسيرة نجمة سينمائية خفتت الأضواء عنها و توارت فى دهاليز العمر المتقدم, ولكن تظل صورتها الطبيعية أفضل ما تركت فى خضم الزيف الذى يملأ الدنيا. كأن الحياة تنتهى عندما يفرغ النغم من صدر (عازف الناى) و تزدهر عندما يلتقط المصور بعين كاميراته صور (ما لا عين رأت)

اختتم الكاتب رؤاه لما رصد وحلل ودقق فى قصته المبدعة (الذين يرثون الأرض) فلا يبقى سوى وجه الله الذى يهب ملكوته للفقراء والبسطاء فى النهاية.  يغلق القارىء باب (مملكة الأصوات البعيدة) ويظل تأثيرها فى نفسه طوبلا يلاحقه فى حياته اليومية ،فى مجتمعه، فى الحى الذى يقطن فيه، فى مقر عمله ربما وجد صورا عاشها فى (مملكة الاصوات البعيدة) للكاتب المبدع أحمد الزلوعى.


                                                           نبهان رمضان