عبير عبدالله - رد قلبي




رد قلبي

عبير عبدالله 

فتحت اهداب عيناها ببطء . . و هي ترقد علي سرير المشفى . . كان ما تراه أمامها هو ظلام . . ظلام فقط
- أين أنا؟
اتاها صوت مميز ساحر :
- حمدآ لله على سلامتك
- اين انا؟ و ما هذا الظلام؟
تمهل الصوت لحظة ثم أجابها :
- انت في المشفى . . استطعنا بفضل الله انقاذ حياتك . . لكن . . لكن لم نستطع فعل شيء إزاء بصرك
هوى قلب اهداب بين قدميها و بدأت انفاسها تتلاحق
- ماذا تقصد؟؟ هل . . هل سأقضي حياتي هكذا؟ عمياااء؟؟
اقترب مصدر الصوت منها و امسك بها بقوة :
- اهدأي يا اهداب . . لا أحد يعرف ما سيحدث غدآ
حقنها بإبرة مهديء فاسترخى جسدها . . و بدأ عقلها يسترجع يوم الحادث
عاشت اهداب طوال سنوات حياتها معتدة بنفسها ؛ مغرورة لدرجة لا توصف ؛ و الحق انها كانت بارعة الجمال . . و كانت ترفض جميع من يتقدم طالبآ يدها لأنها لم تكن ترى ان هناك من يستحقها . . تقدم لها الطبيب و المهندس و الطيار و الضابط و و و . . كانوا جميعآ يأتون من اجل جمالها البارع لكنها كانت ترد عليهم بقسوة و تكبر . . و كانت تنتشي ! و ترتفع أكثر و أكثر كلما رأت أحدهم يبتعد مثخنآ بالإهانة . . لا أحد من هؤلاء يستحقني . . اما من يفوقني جمالآ او  لا !
الى ان جاء ذلك اليوم عندما ظهر فادي في حياتها . . شاب في منتهى الوسامة . . طويل . . اسمر ذو عضلات . . له شعر أسود طويل و لحية مشذبة . . باختصار كان من النوع الذي لا ترفضه اية فتاة الا اذا كانت مجنونة
فادي هذا كان معتدآ بنفسه أيضآ . . و قد عاش حياته و عشرات الفتيات المحيطات به وقعن في حبه . . و عندما رأى اهداب قال لنفسه هاهي ! هذه الفتاة فقط تستحقني !
و فعلا بدأ فادي يتقرب منها . . و حاول الايقاع بها بجميع طرقه و حيله . . لكنها كانت تتعامل معه ببرود عجيب . . و غباء مصطنع . . الى ان نفذ صبره و قرر ان يضعها تحت الأمر الواقع
و ذات صباح جميل . . جمعتهما فيه طاولة صغيرة في مطعم ما . . قال لها :
- اهداب أنا احبك . . و اريد ان اتقدم لك
هنا ابتسمت اهداب . . لقد وقع في الفخ ! كانت تدفعه لطلب يدها دفعا و لذلك كانت تتظاهر بالغباء
- سيد فادي . . لا اعرف ماذا أقول لك . . لا اقصد ان  اجرحك لكن . . انت لست من النوع الذي يعجبني
كانت أقوى صفعة تلقاها فادي في حياته ! هو لا يعجب فتاة؟ كل هذه الوسامة لم تؤثر فيها؟ اما اهداب فكانت هذه هي اسعد لحظاتها . . عندما ترى الانكسار في عيني رجل رفضته . . خاصآ اذا كان لا يرفض كفادي . . يا الهى ما اروعني ! لا أحد يستحقني لا أحد !
قرر فادي الانتقام . . لن يغسل هذه الاهانة سوى الانتقام
و هكذا انتظر فادي فرصة خروجها للشارع سيرآ على الأقدام ليصدمها بسيارته . . و لم تفتح عيناها الا و هي في المستشفى
- اهداب . . سوف تقضين عندنا بعض الوقت الى ان تتعافي ان شاء الله
و سكت قليلا ثم اردف :
- انا دكتور وسيم . . المشرف على حالتك
قالت في تعب :
- حاول ان تعيد لي بصري يا دكتور وسيم
- ثقي انني لن ادخر جهدآ في سبيل ذلك
ارادت اهداب ان تنزل من السرير فشعرت بآلام بالغة في قدميها . . اسرع وسيم ليساعدها
- على مهلك . . هيا . . قليلا قليلا . . هوب ! احسنت
ثم ساعدها على الخروج لحديقة المشفى . . جلست اهداب هناك . . لا تستطيع ان ترى خضرة الزرع لكنها كانت تشم رائحتها . . و تسمع زقزقة العصافير . . و تشعر بالنسيم البارد
- كم عمرك يا اهداب؟
- 28
- اذا انا اكبرك بأربعة اعوام
- ربما
- هل تحبين ان نتمشى؟
- لا اريد !
- كما تشائين . . لكن العشب هنا بارد و مبتل بأمطار البارحة . . حقآ هو مغر للمشي حافيآ
- اذا فاخلع حذائك و امش
- هو ذاك
سمعت صوت خطواته تبتعد فقالت بانفعال :
- اريد العودة لغرفتي !
- كما تحبين
مرت ايام بذل فيها وسيم جهودآ خارقة ليخرج اهداب من الحزن الذي يسكنها و تسكنه . . و ذات يوم . . كانت اهداب في غرفتها تفكر . . كل هذا الجمال لم يعد له فائدة ! كل هذا تبخر . . كل هذا لم . . .
<طق طق طق>
قطع حبل افكارها صوت طرقات على الباب  ثم سمعت صوت الباب يفتح . . انه دكتور وسيم
- كيف حال اميرتنا الجميلة اليوم؟
لم ترد
- اهداب . . يجب ان تعرفي انه ما من شيء في هذه الحياة يستحق ان نحرم انفسنا من جمالها لأجله
قالت بسخرية :
- حتى فقدان اعز ما نملك؟
- هذه ابتلاءات . . اختبارات من الله سبحانه و تعالى . . و ما أغلق بابآ الا و قد فتح لنا ما هو أجمل منه
كانت دموعها تنزل دون توقف . . قالت و هي تشهق شهقات متقطعة :
- لقد انتهت حياتي . . انتهت !
- بالطبع لا !  ربما تغير مسار حياتك التي اعتدت عليها  لكنها لم تنته . . و ما يدريك؟ لربما . .
سكت قليلا ثم قال هامسآ بلهجة ذات معنى :
- ربما تنتظرك سعادة لم تذوقي مثلها ايام بصرك .
توقفت اهداب عن البكاء . . كان صوته حنونآ . . مريحآ جدآ . . فيه شيء يجعلك تصدق كل ما يقول . . صوته واثق . . قوي . . ساحر !
قال لها :
- ما رأيك لو ترسمين؟
- ارسم؟!
- اجل . . ترسمين ما تشعرين به .
- انا لم اتقن الرسم في حياتي  أفأتقنه الآن بعد ان . .
- ربما الآن بالذات تستطيعين ان ترسمي . . تذكري ان حواسك اصبحت الآن اقوى من السابق
- لا اعرف . . لم اجرب ذلك
- فقط ثقي بي !


و هكذا احضر لها وسيم علبة الوان و ريشة . . و مجموعة لوحات بيضاء . . و بدأت اهداب ترسم . . اغمضت عيناها و فتحت حواسها . . تخيلت كيف تبدو الحديقة بالخارج . . العصافير . . الأزهار . . العشب البارد المبتل . . بعد لحظات بدا و كأن يدها قد اصبحت تتحرك لترسم وحدها بإرادة خاصة بها  لا يحركها سوى الاحساس
<هل احببتها لهذا الحد؟>
افزعها صوت وسيم فأجفلت . . ضحك ضحكة قصيرة ثم قال بحنان :
- هل افزعتك ؟ انا آسف
- لا بأس
- هل احببت الحديقة لهذا الحد ؟
- اتبدو لوحتي كحديقة حقآ ؟ظننت انني اخلط الالوان ببعضها
- لا انها جميلة و الا فكيف لي ان اعرف انها حديقة ؟
ابتسمت اهداب لأول مرة منذ جاءت للمشفى . . و ساد الصمت لحظات ثم قالت له :
- هلا خرجنا لنتمشى قليلا ؟
قال مبتسمآ :
- بكل سرور
- شريطة ان امشي حافية
ضحك وسيم من اعماق قلبه و قال :
- و انا موافق
خرجا معآ . . كانا يتمشيان ببطء و كانت اهداب تحكي لوسيم كل ما بقلبها . . كانت تحكي كل شيء بدون حدود و كان يسمعها و يفهمها جيدآ .
الحقيقة ان وسيم قد وقع في غرام اهداب منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها . . و قرر ان يسخر كل حبه و حنانه من اجلها
و عند المساء . . على سريرها . . كانت اهداب مبتسمة . . هذه اول ليلة لا تبك فيها اهداب قبل ان تنام . . اول ليلة تشعر بسعادة و رضا . . كان وسيم هو مبعث سعادتها هذه . . اهداب لم تجرب الحب ابدا في حياتها . . لكن ما تعيشه هذه الايام كان من الروعة لدرجة انه انساها كل احزانها . . و لم تعد حزينة لفقدها بصرها . . أي قوة هذه التي انستها ذلك؟
وسيم ! هذا الشاب الساحر ! الرائع ! ياااه كيف يستطيع ان يسحرها هكذا؟ ان يمتلك قلبها بهذه الروعة؟
(وسيم غيرني تمامآ . . حولني من فتاة قاسية مغرورة عديمة الاحساس  لانسانة رقيقة وديعة  تستطيع ان تبصر باحساسها !)
و في اليوم التالي . . كانت اهداب ترسم عندما دخل وسيم فأسرعت تغطي لوحتها
قال وسيم مبتسمآ :
- ماذا تخفين عني يا صغيرة؟
- عندما انهيها ستراها
- حسنآ
صمتا للحظات . . ثم اقترب وسيم منها و قال لها :
- اتقبلين مني هذه؟
- وردة؟
- كيف عرفت؟
اتسعت ابتسامتها و قالت و هي تمد يدها لتلتقط الوردة :
- انا . . اشعر بك !
- اتشعرين بي حقآ يا اهداب؟
- اجل
- ربما يخفف هذا مما اشعر به قليلآ
لم تشأ اهداب ان تسأله عن قصده . . كانت تخشى ان تعترف هي ايضآ بشعورها نحوه لذلك فقد غيرت مسار الحديث
- هيا الان اخرج و لا تعد الا عندما اطلبك . . دعني انهي لوحتي
ابتسم بحب و خرج .
عندما انهت اهداب لوحتها ابتسمت برضا . . و عندما كان وسيم يقف بجانبها كان قلبها يخفق بشدة و هي تزيح الستار عن لوحتها
نظر وسيم للوحتها لكنه لم يقل شيئآ . .  قالت بحب :
- ما رأيك؟ هل انا محقة؟
كانت لوحتها تظهر شابآ وسيمآ ذو عينان خضراوان و شعر بني ناعم . . و ابتسامة ساحرة . . يرتدي معطفآ طبيآ و سماعة . . و قد احتشدت كل طيبة و حنان و سحر العالم في ابتسامته و ملامحه الغاية في الوسامة
- أهكذا تبدو ؟ لقد رسمتك بإحساسي يا وسيم . . قلبي هو من رسمك لا يدي
رفع وسيم حاجباه بتأثر شديد . . لم يستطع مغالبة دموعه . . قال هامسآ بحب :
- مادام قلبك يراني هكذا فأنا هكذا .
(اهداب ! يا ملاكي ! هل كان قلبي يخفق حقآ قبل ان اراك؟
أحبك يا اهداب . . و لم اعد قادرآ على ان اكتم أكثر . . فلأبح الآن او لأصمت الى الأبد !)
- اهداب
- نعم ؟
- اتسمعين خفقات قلبي؟
- لا اسمع سواها !
- و هي لا تخفق بغير اسمك . .
أحبك يا اهداب . . احبك يا اميرتي  <3
ياه ! ايمكن للسعادة ان تبلغ هذا الحد ؟ لم تشعر اهداب في حياتها كلها بهذه السعادة . . وسيم يعترف لها بحبه . . ما اسعدها ! ما اسعدها  :)
- قلبي لم يحب غيرك يا وسيم . . و لن يحب غيرك أبدآ
- هل تتزوجينني ؟
- اجل  . . اجل
ما حدث بعد ذلك . . هو ان كانت الأيام سعيدة لدرجة لا توصف . . عاشت اهداب اياما لم تكن تتوقع ان تعيشها يومآ . . و نست اهداب كل حزن متعلق بفقدها لبصرها
كانت تجرب الحب لأول مرة . . الحب الطاهر النقي . . اتفقت مع وسيم على الزواج . .  و قد بدا  لها ان الحياة القادمة ستكون اسعد بكثير من تلك التي مضت . . وسيم قال لها من قبل ان هناك سعادة تنتظرها ! كيف عرف هذا ؟ يا له من رجل !!
و في اليوم الذي يسبق يوم زفافها . . و بينما اهداب نائمة في غرفتها في منزلها . . فتحت عيناها ببطء . . فطالعها مشهد غير واضح للسقف . . فزعت من سريرها و هي تفرك عيناها ثم عادت تنظر من جديد !
كانت ترى ! ترى من جديد و بعد كل هذه الشهور من الظلام الدامس . . عاد لها بصرها فجأة بدون اسباب . . اخذت تضحك بهستيريا و قد افقدتها السعادة صوابها . . لا ! لن يستطيع قلبها ان يتحمل كل هذه السعادة ! غدا زفافها بوسيم . . و بصرها يعود لها اليوم !!
اسرعت لترى لوحتها التي رسمتها لوسيم . . ابتسمت . . اتراك تبدو هكذا فعلآ يا وسيم؟؟ لا اطيق صبرآ لأراك !
اسرعت تتصل به
- وسيم !
استغرب وسيم ان تتصل به وحدها . . فقد جرت العادة ان يتصل هو بها . . ذلك ان اهداب كانت تقطن وحدها و هي لا تحفظ ازرار الهاتف
- اهلا اهداب
- وسيم تعال بسرعة . . لقد . . لقد عاد بصري !!
ساد الصمت على الطرف الآخر فقالت :
- لا تتأخر . . انا انتظرك
اغلقت الهاتف و اسرعت ترتدي اجمل ثيابها . . و جلست تعد الثواني بانتظار وسيم
رن الجرس فخفق قلبها بعنف . . ترددت لحظات ثم اندفعت لتفتح الباب
اتسعت عينا اهداب بصدمة لا مثيل لها و هي تطالع وسيم امامها
لم يكن وسيم يشبه لا من قريب ولا بعيد ولا بأي حال من الأحوال ما رسمته في خيالها و ما رسمته اناملها على اللوحة . .
كان وسيم دميمآ جدآ . . كان بدينآ و له بطن ضخم متدل امامه . . و كانت ملابسه غير متناسقة بتاتآ
- من أنت؟!!
- انا وسيم يا اهداب
صاحت بهستيريا :
- لا !! لا !! انت لست وسيم !
- ماذا دهاك يا اهداب؟؟!
- وسيم حبيبي ليس انت ! وسيم هو كما رسمته . . اخرج من منزلي . . انت لست وسيم !!
خرج وسيم و سقطت اهداب منهارة تبكي . . لم تكن تصدق ان فارس احلامها و الوحيد الذي احبته هو ذاك الذي كان قبل قليل يقف امامها
في الجانب الآخر . . كان وسيم يجلس امام شاطيء البحر . . كانت الأحزان تعصف به . . اهداب قاسية . . حقآ هي قاسية جدآ . . و قد جرحت قلبه جرحآ لن يندمل أبدآ
و عند المساء اتصل بها
- اهداب !
- ماذا تريد يا وسيم؟
- أريد أن أعرف سبب ما فعلته اليوم
- وسيم . . انا اسفة جدا . . لكنني لن استطيع ان اجبر قلبي . . لقد احببتك فعلآ و لم احب سواك في حياتي . . لكن ذلك كان عندما كنت لا ابصر . . كنت سعيدة معك . . اما الان . . لا استطيع . . لا استطيع . . ارجوك سامحني
شعر وسيم بطعنة هائلة في قلبه فقال بصوت مخنوق :
- لست مجبورة على شيء . . انس كل ما حدث في هذه الفترة من حياتك . . الوداع
اغلق الهاتف و اخذ يتنفس بقوة  ثم اخذ ورقة و قلم و بدأ يكتب .
انتهت اهداب من المكالمة و انفجرت تبكي
عندما اهداب كانت فاقدة لبصرها . . كانت بصيرتها متفتحة . . و كانت ترى الامور بشكل صحيح . . و لذلك احبته . .
حب وسيم كان من أكثر القرارات التي اتخذتها صوابآ . . لأنه كان نابعآ من قلبها فقط . . و باحساس نقي . .
غريب أن تعيش أسعد ايام حياتها و هي فاقدة لبصرها  و ان ترجع لها الاحزان بمجرد ان يرجع بصرها ثانية !
اتراها كانت مبصرة عندما احبته و قد فقدت بصرها اليوم؟
حقآ ! هناك امور من الأجمل لو ظلت مخفية ! كانت اهداب تحلم برجوع بصرها لكنها لم تكن تعرف ان رجوع بصرها مرتبط بفقدها لحب حياتها . .
و هي تعرف جيدآ انها لن تحب بعد وسيم . . لأن حب وسيم ولد في ظروف خاصة كان لاحساسها و قلبها القرار الأول و الاخير فيها . . و لأنه حب نما شيئآ فشيئآ . . لم ينبع من انبهار بالشكل  بل تغذى على الحنان  و العطف و الأمان فصار حبآ ليس كأي حب !
اغمضت عيناها و هي تبتسم و دموعها تغرق وجهها  . . كانت تسترجع تلك الأيام السعيدة . . ياه كم تحن لها !
و مع ساعات الفجر الأولى . . كانت اهداب قد حسمت امرها . . لن تستطيع الابتعاد عن وسيم . . كل شيء فيها يشتاق له . . كيف لها ان تعيش بعيدآ عنه؟ لقد ارتبطت روحها به ارتباطآ لا انفكاك عنه !
و هكذا . . قررت ان تذهب اليه في المستشفى لتعتذر منه . . و لتطلب العودة لما كان
عندما سألت الممرضات هناك عنه قالت لها احداهن انه قد ترك المسشفى و لن يرجع للعمل فيها . . سألتها اهداب عن عنوان منزله فكتبته لها في ورقة
خرجت اهداب و اتجهت مسرعة لمنزل وسيم . . كان الباب مفتوحآ
دخلت بخطوات مترددة و هي تنادي :
- وسيم . . وسيم هل انت هنا ؟
كانت تقف في صالة البيت . . نظرت للطاولة . . كانت هناك ورقة بيضاء مطوية . . مدت يدها لتلتقطها ثم بدأت تقرأ :
(عندما احببت اهداب كان عندي دائما تخوف من لحظة الفراق . . و بقدر ما كنت اتمنى ان يعود لها بصرها لتسعد كنت خائفآ . . كنت اتخوف من ان فتاة مثلها قد لا تقبل بمثلي . . ربما كنت دميمآ لكنني بشر و لي احساس و قلب . . لكن اهداب مزقت احساسي بقسوة لا مبرر لها . . اهداب قتلت كل شيء جميل بداخلي و حطمت اجمل احلامي . . لم يشفع لي عندها ما كان بيننا من حب ندر ان يوجد مثله . . لم تشفع لي ذكرياتنا معآ . . لم تشفع لي كل هذه المدة . . للأسف اهداب ظلت اهداب و لم تتغير !
و انا الآن اكتب هذا ليعرف من سيجد جثتي سبب انتحاري . . ليعرف العالم كله مقدار الحزن و الألم الذي شعرت به بسبب اهداب . . و الذي دفعني لانهاء حياتي . .
اهداب ! ما اجملك حين كنت ترين الحياة بقلبك . . و ما ابشعك عندما اغفلت قلبك و نظرت للحياة بعينان لا تريان)
انهت اهداب القراءة و هي تلهث من الانفعال . .  اندفعت تجري كالملسوعة تفتح الغرف و تبحث عنه . . حتى وجدته !
كان هناك . . يتدلى من حبل مربوط حول عنقه . . و قد فارق الحياة
و انهارت اهداب ! كان هذا اقسى ما شعرت به في حياتها  . كانت ترتجف بشدة و قد تحجرت الدموع في عيناها !
مات وسيم . . مات الشخص الوحيد الذي احبته في حياتها . . مات بسببها هي !
ذكرياته . . صوته . . حنانه . . لوحاتها . . الحديقة . .  العشب المبتل بالمطر . . زقزقة العصافير . . احساسها . . كل ذلك كان يخنقها في تلك اللحظة . . و اخيرا صرخت و انهمرت دموعها مدرارا . . و غابت عن الوعي
ما حدث بعد ذلك . . ان اهداب حبست نفسها في منزلها . . و قد أقسمت ان تعتزل جميع مظاهر الحياة . . و عندما يأت الليل كانت الأحزان تتكاثر . . و الذكريات تتدافع لتخنقها أكثر فأكثر !
ستعيش بعيدآ عن العالم . . ستعيش هنا فقط مرتدية السواد . .كان هذا اقل ما تعاقب به نفسها . . و ستذكر دائمآ ذلك الرجل الذي لم يخفق قلبها لغيره في حياتها . .
وسيم ! يا حبيب العمر ! رد لي قلبي !


تــــــمــــــت
عـــبـــيـــر عـــبـــد الـــلـــه


الإبتساماتإخفاء