على أحمد - مع النبي.. العالم قبل الإسلام (6)



 مع النبي.. العالم قبل الإسلام (6)


على أحمد 



بالنسبة للفرد العربي ، قِوام أي أسرة ، شعلة أي حضارة عبر الأزمنة المتتالية أو فلْتَقُل شرارتها ، هل كان حاله أفضل مما هو عليه الآن في عالم ما قبل الإسلام..
نحن لسنا في مجال للمقارنة ، ولا ساحة جدال ومِراء خفي لا يتعدّى حدود الكلمات والأسطر وإن تعدّى فليقبع بداخل عقول حلّلت العِصْمة لمن سبقوها ، رغم أنهم يعرفون أن العصمة دُفِنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لو كنا نقارن فلنقارن مقارنة صحيحة ، واقعية ، تتعدّى حدود السطور المكتوبة ، إلى سطور الكون ، وإنسانية الإنسان..
الفرد العربي في دائرة الحكم قبل الإسلام ، إمّا حاكم أو محكوم ، أو بمعنى شديد الوضوح ، إما ظالم أو مظلوم..
لو كنت محكومًا كفرد ما عليك إلا تُنصِت للأوامر ، يستخدمك الآمر الحاكم لأجل هواه وإن ضلّه ، من أجل رأس القبيلة تعيش في السِلم وأوقات الرخاء والرفاهية ، تزرع تتاجر تتعب تشقى يتكلل مجهودك في النهاية بظلم بيّن ، حتى وإن لم يكن واضحًا فهو ظلم أشد حلكة في حد ذاته ، حتى وإن كنت راضيًا فالله لا يرضى بالظلم ولا بالسكوت عليه  ، ترِد محاصيلك العقلية والنفسية والمادية للحكومات وما الحكومات إلا رأس القبيلة ، التي تستخدمها في إستنزاف شهواتها وملذّاتها ، ووقت الحرب مُطالَب بالموت من أجل القبيلة ورأسها أو بالنصر من أجلهما أيضًا ، ليس لك من الأمر شئ ، وإن كنت لا تفهم القضية ، وحتى وإن كنت تفهمها فأنت مُبرمَج بنظام تشغيل جاهلي يُديره رأس القبيلة بالطبع ، تحارب تصارع تتنافس ولو على قرن الشيطان لأجل مزاج الحاكم ، من أجل غضبه فقط..
الفرد الذي أتكلم عنه هو المحكوم في عالم قبل الإسلام ولا مجال للمقارنة ، لأنك لو أقحمت المقارنة في هذا الأمر فلن تجد سوى نفسك ، لن ترى في المرآة المُهشّمة المُتّسِخة إلا نفسك ، صدقني..
أما بالنسبة للحاكم ، وللعلم فإن اختيار رأس القبيلة كان يتم بالمشورة والإختيار ، بعد جلسة تضم أكابر القبيلة ليختاروا من بينهم الحاكم ، إذا كنت أنت الحاكم فواجب على الكبير والصغير أن يمتثِل لأمرك سواء كان أقرب للصواب أم أقرب للهلاك..
وقتها أنت في منزلة الملوك ، أمرك مُطاع على قدر الإستطاعة ، وبين يديك إنتاج قبيلتك تتصرف بها وِفق رؤيتك التي لن تكون إلا أنانية في معظم الأحوال ، فالأمر لك ، ولا مُسائلة أو حساب ، وهناك بيت جاهلي يصف ما كان يتمتّع به الحاكم بعد أي حرب يخوضها وينتصر فيها..
لك المِرْباع فينا والصفايا     وحكمك والنشيطة والفضول

بمعنى أنك يا حاكمنا لك المِرباع وهو ربع الغنيمة ، والفي وهو ما اختاره الحاكم قبل القسمة أصلًا ، والنشيطة وهو ما اغتنمتُه أنت أساسًا ، والفضول وهو أفضل ما في الغنيمة ، وفوق ذلك أنت الذي تحكمنا !!..
بمعنى أنك أيها الحاكم ديكتاتور وليس أمامك من معارضة ولك كل الحقوق وليس عليك واجبات سوى توفير متاع العيش لعامّة القبيلة..
كل الكلام السابق على القبائل في الجزيرة العربية ما قبل الإسلام ، معظم الإسقاطات التي توالت على رأسك تِباعًا ، معناها أننا في حاجة ماسّة إلى الإسلام..
ومن الممكن أن تكون كفرد سيد أو عبد..
إذا كنت سيد فهناك من الإمتيازات القليل لكنه كافي بشكل أو بآخر ، وإن كان المجتمع في هذه الأيام قد تأقلم على هذا المِنوال ، ولم يفكر أحد في التغيير إلا ما رحم ربي..
أما إن كنت عبدًا فحقوقك تكاد تكون معدومة ، أنت مجرد عبد - ولك أن تتخيل - محروم من الحياة ، من الحب ، من التفكير ، من التفوّه بأي كلمة إلا ما يرتضيه سيدك ويُرضيه ، كان المجتمع يصرخ فيه - أنت لست من أبناء آدم -..قمة العنصرية..
قمة العنصرية التي رأينا منها في استراليا - في القرن العشرين - وقانون الأجيال المسروقة الذي أصدره البرلمان الأسترالي في أواخر القرن التاسع عشر ، من حق أي رجل أبيض أن يسرق أي طفل من السكان الأصليين ، لو كان أبيض يُودَع في مؤسسة للتبني ، بينما الطفل الأسود يُودَع في ملجأ ، حتى يتسنّى له أن يعمل في المزارع والمصانع عندما يكبر ، وغيرها من العنصرية التي ملأت الكون في القرن التاسع عشر والعشرين..
ما الذي جعلني أتحدّث عن القرن العشرين ، ربما للتشابه..
الإسلام كان فعلًا ثورة ولا يزال..
هناك فرد أخير - في عالم ما قبل الإسلام - لو كنت أنت هو لكنت أرَحْت نفسك من كل هذا العناء ، من الممكن أن تكون الأفقر في القبيلة لكن بهذا الأمر تجعل نفسك من أسيادها وتُجالِس كبرائها ، من الممكن أن تعفي نفسك شر القتال وجُهد الجهاد ببضعة كلمات ، ومن الممكن أن تصل إلى حد أن يكون لك كلمة على صاحب القبيلة نفسها..
والقبيلة تتفاخر بك ، وتستلْهِم منك كلماتك التي تُقال للخلود وليس لشئ آخر ، وسوق عكاظ - مثلًا - هو خير مكان لك لتكتسب رزقك الموفور ، أو لتكتسب شهرة واسعة..
وزارة إعلام متكاملة في قبيلتك..
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكِر دورك ، بل نمّاه وقرّبه وسمع منه ، وأظهر له إحترامًا شديدًا ، وتم توظيفه بشكل صحيح في الإسلام..
الشاعر..نعم هو الشاعر..
إمتاز بتقدير موهبته ، ليس لأنه صاحب موهبة فقط ، ولكن لأنه كان قادر بكلماته البسيطة المُنمّقة المُنظّمة أن يؤثّر خير تأثير في الأعراب - الخلق البسيطة في العلم وقتها -.. والتأثير إما أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا ، وغالبًا - في عالم ما  قبل الإسلام ما يكون بشكل سلبي نابع من الحياة الإجتماعية وقتها..
هذا مُلخص لحياة الفرد قبل الإسلام في الجزيرة العربية ، ولم يكن الكل كذلك ولكن الأغلبية ، أما عن الأسرة فهذا حديثنا..


يُتبع..



الإبتساماتإخفاء