أمانى مسعد - رقية (7)



 رقية (7)


رواية بقلم: أمانى مسعد الفلاحة



لم يذق طارق طعم النوم في ليلته تلك لقد ظل يبكي ويفكر حتى وصل إلى قرار بأنه لن يترك رقيه تستلم للمرض سيعرضها على صفوة الأطباء وستتعالج وسيعيشان معا حياه سعيده وطويله أيضا. يجب أن تؤمن رقيه بهذا كما يؤمن هو به ويسعيا معا لتحقيقه وسينجحان.. لقد تقدم الطب بطفرات واسعه فلابد من علاج لها في مكان ما .. هي فقط يجب ألا تستسلم ..

قفز من فراشه ليستعد للخروج فقد إقترب موعد التجمع للتوجه الى بيزا ..

سيتحدث مع رقيه ما أن يلقاها و سيقنعها بوجهة نظره و سيعملان معا لتحقيقها ..

حان موعد الذهاب و رقيه لم تظهر بعد فاتصل بها المشرف ليخبرها أن المجموعه ستغادر في غضون نصف ساعه ...

فتحت رقيه عينيها متألمه عندما سمعت رنين الهاتف أبلغها المشرف رسالته فشكرته و أخبرته أنها ستنزل في الموعد و أغلقت السماعه ، شعرت بالراحه أنها جمعت أمتعتها أمس قبل أن تقرر الخروج ..

في البهو كان طارق متوترا .. لابد أنها تتأخر للحظه الأخيره هربا منه .. إنها تتجنبه .. لابد أنها نادمه على ماقالته بالأمس ، لا لن يستسلم سيكلمها و يرغمها على سماعه و ستقتنع برأيه في النهايه ..

إتجه إلى غرفتها بإصرار ..

كانت رقيه تجلس على حافة السرير ممسكه يرأسها النابض بين يديها عندما سمعت الطرق الملح على باب غرفتها فقامت لتفتح الباب غير قادره على فتح عينيها من شدة الصداع ..

فتحت الباب لتجد طارق واقفا و الجديه تكسو ملامحه ..

_ صباح الخير يا طارق .. أنا عشر دقايق و نازله ما كانش فيه داعى تطلع .. أنا عندى شوية صداع بس مفيش حاجه ..

لم يكن هذا هو رد الفعل الذى كان يتوقعه ، لكن جبينها المقطب و عينيها شبه المغلقه أخبراه أنها مريضه ..

_ صداع إيه دا إنت شكلك تعبانه خالص .. مالك ؟

لم يكن لديها قدره على الجدال فأخبرته الحقيقه

_ إمبارح كنت بتفرج على فرقه موسيقيه طول الليل خبط و رزع لحد ما دماغى إنفجرت لدرجة إنى نمت بهدومى ..

لم تخبره أنها لا تعرف إلى الآن كيف عادت من الحانه إلى غرفتها ..

بهت طارق حين سمع كلماتها وفهم أنها لا تذكر شيئا مما دار بينهما الليله الماضيه ..

_ طيب ، تحبى أطلبلك دكتور ..

_ لا لا ، أنا أخدت مسكن دلوقتى و هبقى كويسه .. إتفضل إنت ، انا عشر دقايق و نازله زى ما قلتلك 

عرف أنها عادت إلى سياسة الهروب لكى تبتعد عنه .. لا ، لن يسمح لها بالإبتعاد

_ الحقيقه يا رقيه أنا كنت جاى علشان أعتذرلك عن الكلام الى قلته بعد العشا ، بس أنا ما قصدتش أي حاجه .. دى ست مجنونه أصلا بس إنت اللى صممتى تعرفى هي قالت إيه و أنا ما حبيتش أكذب عليكى .. بس مش معقول الكلام العبيط ده يخليكى تنهى صداقتنا إحنا مش أصدقاء برضه ولا إيه ؟

لم تستطع رقيه أن تفكر في رد يجعلها تستمر في تجنبه خاصة أن هذا الصداع اللعين يعيق تفكيرها ..

_ آه طبعا أصدقاء ..

ابتسم طارق ولم يترك لها فرصه للتفكير كى لا تتراجع

_ خلاص ، يبقى هسيبك تجهزى بسرعه وهستناكى تحت .. إتفقنا ؟

_ إتفقنا ..



جلس طارق في البهو يفكر في حل لهذا الموقف الذى غير حساباته .. هل يخبر رقيه بحديثهما بالأمس و بأنها أخبرته كل شيء ، أم يتركها ناسية كل ما حدث ..

بعد تفكير .. حسم قراره لا لن يخبرها , فاخبارها الحقيقه قد يزيدها تمسكا ببعدها .. لا , سيجبرها ان تنصاع لمشاعرها بحبه و إصراره .. يكفيه ان يعرف انها تحبه .. و ابتسم متنهدا

كانا في طريقهما لبيزا عندما اخرج طارق هاتفه و نظر لرقيه قائلا ..

_ ممكن تديني رقم تليفونك بقى علشان لما تختفي كالعاده اعرف اتطمن عليكي ..

ابتسمت رقيه و اخذت الهاتف من يده لتسجل له رقمها ثم اتصلت بنفسها لتسجل رقمه لديها و ناولته الهاتف ..

_ اتفضل تمام كده ؟ 

_تمام ..

عندما وصلوا الى ساحة المعجزات حيث برج بيزا المائل الشهير .. شعر طارق ان هذه الزياره أتت في الوقت الصحيح فهو فيث امس الحاجه الى معجزه ..

كان البرج الماثل مائلا امامهما صوره من صور الامل و الإصرار فلقد مال البرج قرابة الخمس درجات بعد بدا بناءه بقليل فلو تراجع الايطاليون عن البناء وقتها و استسلموا لما كان هذا البرج امامهم الآن و على الرغم من ان ميل البرج قد زاد الا ان الحكومه الايطاليه تستمر في محاولة إيقاف ميله بالدعامات و هاهو صامد حتى الآن ..

توجها نحو الكاتدرائيه الرخاميه التي استمر بناءها 5 عاما على الطراز الروماني والتي بدت لطارق مثالا اخر للاصرار بابوابها البرونزيه

لقد كان يحاول ان يستمد الامل من كل شيء ومن أي شيء ..

كانت رقيه صامته طوال الزياره فبادرها طارق قائلا ..

_ لسه فاضل ساعتين على معاد التجمع ممكن نروح نتغدا لو سمحتي ؟ 

اومأت رقيه موافقه في صمت فتوجها الى احد المطاعم القريبه .. فانتظار طعامهما جلست رقيه تراقب الماره فيما طارق يراقبها هي ..

_ رقيه .. ممكن أسألك سؤال ؟

_ إتفضل 

_ إنت ليه طلعتى الرحله دى لوحدك ؟

تردد قليلا ثم أجابته ..

_ زى ما قولتلك قبل كده بنتي الوحيده اتجوزت قريب وبعد جوازها انفصلنا انا و باباها يعني تقدر تقول كل حاجه في حياتي اتغيرت .. علشان كده كنت حاسه اني مفروض أكون لوحدي ..

_ هتضايقي لو سالتك انفصلتي عن باباها ليه في التوقيت الغريب ده بعد جواز بنتك على طول ؟

_ ولا حاجه , ببساطه بنتي هي السبب اللي فضلنا متجوزين علشانه السنين دي كلها وبعد ما اتجوزت و سافرت جوازنا فقد سبب بقاءه الوحيد , فانتهى ..

اومأ براسه متفهما منطقها ..

اتي النادل بالاطباق موقفا حديثهما عند هذا الح ...



بعد ان استقر كلا منهما في غرفته دخلت رقيه مباشرة الى سريرها بعد حمام ساخن كانت عضلاتها و عضامها المتألمه تحتاجه بشده .. فيما ظل طارق لاكثر من ساعه يمسك سماعة الهاتف و يضعها ثانية حتى قرر أخيرا ان يتصل بها ليطلب منها ملاقاته على العشاء ..

رفعت رقيه سماعة الهاتف و ردت بصوت ناعس لا يكاد يسمع .. مست نبرة صوتها الحالمه نياط قلب طارق فعجز عن الرد للحظات ، عادت رقيه تقول بصوت أعلى قليلا ..

_ آلو .. الو 

_ انتي نايمه .. انا اسف 

_ طارق .. في حاجه ؟

_ لا كنت عاوز اعزمك على العشا

_ العشا .. لا مش هقدر انا اسفه فعلا بس محتاجه انام 

_ انا اسف مره تانيه تصبحي على خير 

_ وانت من اهله 

اغلق طارق السماعه و خلع قميصه القطني .. لن ينزل للعشاء سيستبدل ثيابه و ينام لقد فقد شهيته للطعام



  جاء الصباح مشرقا فتمطى طارق بكسل و نظر في في ساعته ليجد أن موعد التجمع بعد ساعه و نصف .. ترى هل إستيقظت رقيه ؟ .. كانت رقيه مستيقظه بإبتسامه ، لقد رأت مناما غريبا لكنها إستيقظت على إثره سعيده ...

لقد رأت نفسها نائمه تنادى طارق و فتحت عينيها فإذا به جاثيا بجوار سريرها فابتسمت له و أخبرته أنها تحبه فابتسم لها ، لكنها استيقظت قبل أن تسمع رده ..

خرجت من فراشها بحيويه لتقف أمام خزانة الثياب فهى في مزاج مشرق و تريد ملابس تعكس مزاجها ..

إختارت ثوبا من الشيفون الأبيض تصل تنورته الواسعه إلى ما تحت ركبتيها بقليل تتناثر عليه بتلات ورود خوخية اللون مع قبعه بيضاء من القش يزينها شريط بنفس لون ورود فستانها ..

نظرت لنفسها برضى نظره أخيره في المرآه ثم دارت حول نفسها صانعة تموجات بيضاء من قماش ثوبها حول ساقيها ، وضعت نظارتها الشمسيه ثم إبتسمت لإنعكاس صورتها في المرآه و خرجت ..

كان طارق بإنتظارها عندما رآها تخرج من أحلامه إلى البهو في ثوبها المتطاير حولها بسعاده فلم يستطع الإنتظار أكثر و أنطلق نحوها ..

_ خايف أقولك إنك برضه أجمل حاجه شفتها في الرحله تقفشى منى تانى و تسيبينى و تمشى.

إبتسمت بحياء وقالت ..

_ أنا مبسوطه إنهارده و ما افتكرش إنى ممكن أقفش من حاجه ..

ثم تقدمت بإتجاه الحافله فتبعها قائلا ..

_ طيب كويس ، أصل بصراحه إنت أجمل حاجه شفتها في حياتى مش في الرحله بس ..

التفتت تنظر إليه مبتسمه و عادت تكمل طريقها فقفز في الهواء بسعاده و لحقها بسرعه ..



في المركز التاريخى للبندقيه توجهو لزيارة كنيسة سان ماركو الذهبيه ..أمام باب الكنيسه رفعت رقيه عينيها تتأمل الخيول البرونزيه الأربعه التي تعتلى قبة البوابه متأهبه للركض بحماس فشعرت بحماس مماثل ودلفت إلى الكنيسه البيزنطية الطراز متأمله بإنبهار زخارفها التي غطيت جميعها بماء الذهب ، إشتمت رائحة التاريخ المنبعثه من جدرانها الصفراء التي تساقطت بعض أجزائها بمرور الزمن لتتملكها رهبة الأماكن المقدسه فأغمضت عينيها بخشوع .. راقبها و هي تقف أمام نقوش الفسيفساء و الرخام الملون المنتشره على جدران الكنيسه متأمله بإنبهار ، فرآها طارق أجمل من كل هذا البريق الذهبى المحيط بهما ..



بعد خروجهم من الكنيسه أخبرته رقيه أنها لن تكمل الجوله مع المجموعه لأن لديها مشوار خاص تريد القيام به و أستأذنت منصرفه ..

شعر طارق أنها تهرب من جديد فقرر أن يقطع عليها طريق الهرب فجرى خلفها مناديا ..

_ رقيه .. لحظه لوسمحتى ..

وقفت رقيه ..

_ يضايقك لو سألتك هتروحى فين ؟

_ هروح فيرونا .. و لازم أتحرك حالا علشان الحق أروح و أرجع قبل ميعاد ركوب الباخره .. عن إذنك .

همت بالإبتعاد فلحقها ..

_ لحظه بس .. هتروحى فيرونا في مشوار خاص و لا زياره سياحيه يعنى .

_ لأ زياره سياحيه بس كده يادوب ألحق ..

_ طيب ممكن آجى معاكى ؟

_ هو أنت كنت عاوز تزور فيرونا ؟

_ هو أنا ما فكرتش في الموضوع بس محدش يقدر يقول لجولييت لأ ..

و غمز بعينه فاحمرت خجلا حين فهمت أنه عرف سر لهفتها لزيارة فيرونا ..

بعد ساعتين كانا يتبعان إتجاهات الخريطه التي إبتاعاها وصولا إلى منزل جولييت ..

و صلو إلى شارع كابيلو الذى يقبع فيه بيت المحبوبه الشهيره ، دخلا إلى ممر صغير معتم قليلا يقود إلى باحة المنزل ، نظرت بابتسامه إلى جدران الممر التي غطتها كلمات الحب بكل لغات العالم .. كلمات من محبين لأحبتهم أو كلمات حب لجولييت نفسها ..

في وسط الباحه رأت تمثال جولييت البرونزى الذى يقولون أن لمسه يجلب الحظ و الحب الأبدى .. وقفت بجوار التمثال مقاومة فكرة لمسه .. و التفتت لترى البوابه المعدنيه المليئه بالأقفال التي تحمل أسماء العشاق ..

وقفت تحت شرفة جولييت الشهيره سارحة في قصة حبها مع روميو و نهايتها المأساويه فدمعت عيناها ..

 رأى طارق دمعه تنحدر على خد رقيه وهى تنظر إلى الشرفه فاقترب منها حتى وقف خلفها ثم إنحنى على أذنها يهمس بهدوء ..

_ على فكره جولييت عمرها ما وقفت في البلكونه دى .

التفتت له مقطبه و الدموع تبلل رموشها برقه فرفع كتفيه معتذرا ..

_ هي دى الحقيقه البلكونه دى إتبنت هنا من تمانين سنه مش هي دى البلكونه الأصليه ..

فطبت حاجبيها أكثر و استدارت تنظر للشرفه من جديد لكن بدون حماس ..

وقفا طويلا يقرآن أسماء العشاق على الأقفال المعلقه في البوابه خلف التمثال وقبل أن يغادرا لم تستطع رقيه أن تسيطر على رغبتها في لمس تمثال جولييت الجاذب للحظ .. والحب .. لتجد يد طارق تغطى يدها التي وضعتها على التمثال فرفعت نظرها إليه مستغربه ..

نظر إلى أعماق عينيها و همس ..

_ بحبك 

تحولت نظرتها من الإستغراب إلى الإستجداء، ترجته نظرتها أن يسحب كلماته ثانية فرفض أن ينصاع لها ..

_ بحبك .. بحبك يا رقيه .. هي دى الحقيقه و مش هقدر أخبيها ، بس لو عاوزه تعملى نفسك ما سمعتيش حاجه أنا هفهم ..

لم تتكلم و لم تتحرك لثوانى و طارق يحبس أنفاسه ، ثم رفعت يدها الحره لتتأبط ذراعه فأمسك بيدها القابعه على التمثال تحت كفه و رفعها إلى شفتيه ليطبع عليها قبله ناعمه ثم ترك يدها ليغطى أصابعها المتأبطه لذراعه بيده ، وخرجا من منزل جولييت .. عاشقين ..


الإبتساماتإخفاء