موصير (الحلقة الثانية) - بروميثيوس

مـــوصـير ( الحلقة الثانية ) :

بروميثيوس


وقف رجلُ يرتدي ملابس أنيقة ليلقي عدة ملاحظات لشاب غطت وجهه الدهانات ، وكان يحمل فرشاة كبيرة يعمل بها لكي يدهن حائط فتوقف عن العمل وخرج صوته بابتسامة خفيفة :
حضرتك ، تستطيع الجلوس وإلقاء التعليمات ، لكن لا تقلق سيتم إنجاز العمل كما تريد .
ابتسم صاحب الملابس الأنيقة وقال :
أعلم هذا جيدا ، فانت أحسن عامل هنا يا عماد ، ولكن أنت تعلم جيدا مدى لهفتي على إنهاء العمل .
ابتسم عماد ورد بثقة :
سيتم إنجاز عملك في أقرب وقت ، لا تقلق .
ربت الرجل على كتف عماد ورد بهدوء :
لو أن الكلام خرج من غيرك لما صدقته أبدا ، ولكن طالما خرج منك فبالتأكيد سيتم إنجازه .
تمم عماد :
بإذن الله ، لا تقلق وتوكل على الله .
كانت تلك أول وظيفة يشغلها عماد ، عامل دهان باليومية لدى رجل يعمل بالمقاولات العامة ومن بعدها انتقل للعمل في فرن للخبز ، وبعدها مدربا في مركز للشباب اعتمادا على ميدالياته وشهاداته الرياضية وفي النهاية عمل في مصنع للصناعات الثقيلة ، ثم ترك العمل نهائيا حين عرض عليه أحد زملائه العمل في مجال الإعلام !!!!..
لم يعمل مراسلا أو معدا أو شيئا من هذا القبيل بل كان ضمن الجمهور الجالس في القاعة لكي يستقبل ضيفا جديدا كل حلقة في البرنامج مقابل مبلغ مالي ثابت ، كل ما فعله هو إعادة تصفيف شعره ، أو الجلوس في المقدمة أو المؤخرة وحين يأتي عليه الدور يقوم ليلقي سؤالا يحفظه عن ظهر قلب قبل كل حلقة مِن البرنامج .
كان هذا الأمر يثير ضيقه ولكن ما باليد حيلة ، كل الشباب الذين انتقدهم أصبح مثلهم ولكن ماذا يفعل ؟ ، هو يحتاج إلى النقود بأي سبيل حتى لا يشعر إنه عبء على المجتمع .
كان هذا الطريق الذي سلكه يريد من ورائه إلقاء سؤالا على أحد الحاضرين ويجيبه بمنتهى الصدق ولكن لم تسنح له فرصة حقيقية حتى الآن نظرا لكون كافة البرامج يتم تسجيلها قبل إذاعتها على الجمهور .
و....
أفاق على صوت رنين الهاتف
فلقد جاء له هذا الإتصال ...
المفاجئ ...
جدا ....
**************
هبط عماد أمام مبنى البرنامج إثر ذلك الاتصال الهاتفي ، كان استدعاء من مساعد مخرج البرنامج يطلب منه ومن عدة أفراد الحضور إلى مكان التصوير للأهمية القصوى ، راجع عماد هذا الأمر في داخله اكثر من مرة ولكنه دُهش حين وجد هذا الحشد الكبير من قوات الأمن وتوقع زيارة أحد المسئولين إلى مبنى القناة فصعد ببطء درجات المبنى ودخل غرفة المخرج الذي بادره قائلا :
أنت عماد الدين عبد المقصود ، أليس كذلك ؟
أومأ عماد برأسه إيجابا ثم نظر إليه بتساؤل فأكمل المخرج ليفسر له الأمر :
عماد ، أنت تعلم وظيفتك جيدا ، في هذه الحلقة عليك الدور في أن تلقي السؤال على الضيف ، وستنتظر منه الإجابة ولتعلم الضيف على اعلى قدر من المسئولية فهو ....
صمت قليلا ثم اردف ضاغطا على الحروف :
رجل الدولة الأول ...
ارتفع حاجبا عماد حتى كادا أن يصلا إلى منابت شعره حين سمع الاسم ، بالفعل هو رجل الدولة الأول ..
المسيطر الوحيد على كل مقاليدها ..
المسئول عن كل فرد فيها ..
هو محركها الأول ...
فهو النائب العام ...
شخصيا ....
*************
جلس عماد ليرتشف كوب الشاي الدافئ وهو في قمة التوتر ، كيف سيخاطب تلك الشخصية ، بأي صيغة ؟
هل سيطرح سؤالا محددا ؟ أم سيكون الأمر متروكا له ؟
هل سيسيطر على أعصابه وكلامه في مواجهة شخصية كتلك أم أعصابه وردود أفعاله ستخونه ؟
ترك عماد كوب الشاي فوق المنضدة وتحرك ببطء ثم استرجع ما حدث ..
منذ ترك المخرج وخرج خضع لتفتيش دقيق ، هذا بخلاف التحريات التي أُجريت حوله وحين جلس مع مندوب الأمن أخبره أن الإختيار وقع عليه لكونه وحيدا ، وحاصلا على أعلى الدرجات في الشهادات ، دار في خلده أن السبب إنه إذا أخطأ ستكون نهايته ولن يسأل عنه أحد .
أخبروه أن عليه بحضوره قبل ميعاد البرنامج بنحو ثلاث ساعات حتى يخضع مرة أخرى للتفتيش الأمني ...
كان أمر التفتيش لا يقلقه لكون الجميع يخضع له في استضافة العديد من الشخصيات المهمة سابقا ولكن الطامة الكبرى الآن هي أن الإختيار قد وقع عليه دون غيره ليلقي الأسئلة وعلى مَن ؟
على النائب العام شخصيا ، بالتأكيد ليست هذه هي المرة الأولى التي يلقي فيها الأسئلة ولكنه يشعر إنها ستكون الأخيرة ..
وتقريبا لم يخطئ ظنه بتاتا ..
إنها المرة الأخيرة التي سيلقي فيها الأسئلة بل إنها المرة الأخيرة التي سيعمل فيها داخل هذا البرنامج ..
( يـــــــــــــتــــــبـع )


شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء