موصير (الحلقة الثالثة) - برومثيوس

موصير (الحلقة الثالثة)

برومثيوس

"أعزائي المشاهدين ، مشاهدي برنامج الحقيقة والحدث ، معنا اليوم شخصية أسطورية .. رجل يتمتع بحفاوة كبيرة .. يتمتع بخصال حميدة ، ورؤية بعيدة ... هو مفاجأة للجميع ، لم ننوه عن استضافته لكونه لا يستحق إلا مفاجئة الجمهور ، إنه رجل الإدارة والحكمة والموهبة .. صاحب الإنجازات المدهشة في تاريخ موصير .. إنه النائب العام " انتقلت كاميرا البرنامج عن وجه المذيعة لتلقي الضوء على وجه رجل في النصف الأول من الثمانينات يحمل وجهه الصرامة بحد ذاتها ، مع علامات التقدم في العمر . كانت القاعة ترج من أكف الحاضرين ؛ وكان عماد جالسا بينهم يبسمل ويحوقل وهو يعلم جيدا أن تلك الحلقة مفبركة وإنها تخضع لترتيب وتنسيق عالٍ على الرغم من إذاعتها على الهواء مباشرة دون تسجيل ولاحظ بعينيه أن النائب العام لا يعلم هذا لكونه كان يخطئ في الحديث ويعيد التصحيح ويشير بيده إعتمادا على منتجة البرنامج . كان النائب يذكر سجل إنجازاته وتعدد المعجزات التي صُنعت في عصره والتي كان من الواضح إنه إما لا يعلم عما يدور في البلد ، أو يعلم ويفضل لعب دور الجليس الصامت .
قطع تفكيره صوت المذيعة قائلة : هل يوجد لدى الحاضرين أي سؤال يحب أن يوجهه إلى سيادة النائب ؟ ابتسم النائب العام ابتسامة دبلوماسية فهو يعلم السؤال وكيفية الإجابة عليه وكان هذا هو الإختبار الحقيقي لعماد . الإختبار في إلقاء السؤال على النائب العام ... فهل سينجح أم .....؟
************
التف الجمهور حول شاشات العرض في كافة أنحاء الدولة ، يشاهدون تلك الحلقة الفريدة من نوعها ، فها هو رجل الدولة الأول يتحدث عن نفسه في سابقة فريدة من نوعها لم تحدث منذ أكثر من خمسة عشر أو عشرين عاما ليخبر الجميع ويتحدث عن مشوار حياته بعيدا عن تلك الخطب التي كان يلقيها منددا لكل ما يسئ لكيان موصير سواء أكان داخليا أو خارجيا؟؟!! ..
والآن ها هو ينتظر سؤالا من الجمهور وتعلقت أعين الجمهور بهذا الشاب مشدود القامة الذي خطا بخطوات واثقة إلى منصة الأسئلة والمحاورة ليلقي السؤال على النائب العام وكان الجميع متوقع سؤالا تقليديا محفوظا ولكن !! .
الدهشة أصابت الجميع مما حدث ..
فالسؤال كان قويا ، والطريقة والأسلوب كانا أكثر قوة ، فمن الواضح أن الجميع داخل وخارج الأستوديو لم يكن يتوقع ما حدث ...
فالشاب وقف ليسأل بكل ثقة :
سيادة النائب العام ، على الرغم من سجل إنجازاتك وتباهيك به ، إلا أن سيادتك في ظل نظام حكمك حدثت العديد والعديد من الأمور التي تسئ لنظام الحكم من رشاوي ، بيع أراضي ، تزوير ، استغلال نفوذ ، سرقة المال العام ، انتهاكات لحقوق الإنسان ، دمار وتأخر دراسي وضعف مناهج ، تأخر وفشل صناعي ، انعدام الطبقة المتوسطة ، تأخر في مجريات الحياة العامة ، فما جواب سيادتك على تلك الأمور ؟
أُلقى هذا السؤال على مسمع ومرآى من الجميع ، وكان الكل يعلم جيدا ان هذا الشاب سيكون في مكان لا يعلمه أحد إن لم يطلق عليه النار في هذا الوقت ؛ ولكن ...
الدهشة ظلت مكملة مع الجميع حين أكمل الشاب بسخرية :
ولتعلم سيادتك إن البرنامج مذاعا على الهواء مباشرةً وليس مسجلا ولن يتم منتجة الأمر . وقف عماد بعد أن انهى كلامه وظل منتظرا إجابة سؤاله وحدق في النائب العام الذي نظر بغضب له ولمعاونيه ولمذيعة البرنامج لعدة ثوانٍ ثم عاد واكتسى وجهه بالنظرة الدبلوماسية ورد بهدوء :
مَن وضع في رأسك تلك الأمور الغريبة عن مجتمعنا يا بني ، أتعلم إننا حققنا إنجازات وسبقا في كافة المجالات التي ذكرتها ؟.
رد عماد بهدوء ساخر :
أحقا سيادتك ؟! ، حسنا يشيرأحد التقارير الدولية ، أن كلامك هذا لا أساس له من الصحة ، فهناك تقرير عن التعليم ومستواه يفيد أن المناهج هذه لا تناسب السنوات التي نحياها الآن ، كما إننا نتعامل مع نظام تعليم ظل ثابتا لردحا من الزمن ثم أصبح متغيرا بمنوال السنة تلو الأخرى ، ويشير تقرير أخر عن النظام المالي إنه يتدهور من سئ لأسوأ ، وهناك تقرير من منظمة حقوق الانسان يشير أن الطبقة المتوسطة أصبحت منقرضة في مجتمعنا ، وهناك تقرير أمني يشير إلى إرتفاع معدلات الجريمة وأن هناك تعاون بين الجهات الرسمية والمجرمين ، وهذا كله في ظل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية الراهنة أم أن تلك التقارير التي تصدر عن منظمات وهيئات عالمية لا تحدث في بلدنا ؟
حمل وجه عماد سخرية كبيرة بعد أن انتهى من كلامه ووقف منتظرا لإجابة النائب التي كانت مفاجئة بكافة المقاييس .. فلم يتوقعها أحد نهائيا ...
************
داخل غرفة المخرج وبعد إلقاء السؤال الأول التفت المخرج التنفيذي إلى المساعد وأمره : اقطع البرنامج وضع فاصلا إعلانيا .
إلا أنه توقف على أثر صيحة المخرج : لا ، بل دعه إن تلك الحلقة قوية جدا ، وهذا الشاب سيدير حوارا رائعا وستحقق عائدا وبُعدا أكثر بكثير مما خططنا له ..
نظر له المخرج التنفيذي وقال بعصبية : ولكنه يسعى لاحراج النائب العام ، والنائب لن يصمت على هذا وسيرد وستكون ردة فعله عنيفة .
ابتسم المخرج بهدوء وقال : دعك من هذا الأمر ، الحلقة على الهواء والفتى لم يخطئ حتى الآن ، بل هو يدير الأمر بدبلوماسية رائعة وأدلة وبراهين ما يثبت مدى ثقافته ، إما أن يجيب عليه النائب أو لا ، ويتحمل المسئولية أمام الجميع .
توقف لينظر له بخبث ثم تابع في دهاء : ثم أن الفتى كان مدهشا حين لفت نظره إلى كون البرنامج مذاعا على الهواء وليس مسجلا ، عبقري كيف اكتشف هذا الأمر ؟
قبل أن يجيبه كان عماد ملقيا بالسؤال الذي استغله المخرج في تركيز كاميرا التصوير بين وجه عماد المفعم بالحيوية والسخرية وكثير من الثقة ، وبين وجه النائب العام المفعم بالبغض والكراهية مع لمحة من الدبلوماسية وكان الجميع منتظرا لإجابة النائب التي كانت غير متوقعة بكافة المقاييس ، حيث رد بعصبية وتوتر : أنتم أيها الشباب تتحدثون وتهللون دون علم ، تقرأون عدة تقارير عالمية قد تكون صحيحة أو لا ، وترددونها دون علم ، ماذا تعلمون عن إدارة شئون البلاد ؟ ، كل فتى منكم يجلس ويروي ماذا يريد أن يفعل ولا يعلم شيئا ، أخبرني أيها الفتى هل تستطيع أن تحكم منزلا واحدا بكل من فيه دون تضحيات وخسائر وقصور ؟ أنا أحكم كيانا بأكمله ألا تعلم ماذا يعني كيان ؟ كان السؤال الأخير يحمل صياح النائب وتوتره الذي وصل لمبتغاه فرد عماد بهدوء : أعلم جيدا ماذا يعني كيانا بأكمله ، ولكن سيادتك مسئول بجوار كل المسئولين عن هذا الكيان ونظامه وأموره ، وإن كنتم غير قادرين على تحمل المسئولية وتسجيل التقدم والرقي عليكم ترك الأمور لمن يحمل المقدرة أليس كذلك ؟ صفق المخرج بيده وتمتم : من الواضح إنه يقوده إلى أمر كبير ، كيف لم ننتبه لهذا الشاب إنه يصلح أن يكون محاورا من الطراز الأول . ثم صاح في المساعد : اجعل الكاميرا تركز على وجه النائب ولا تتركه . أومأ المساعد برأسه إيجابا ثم ألقى الأمر إلى فني الكاميرا الذي كان مفعما بالحيوية في نقل الكاميرا على وجه النائب الذي صاح بغضب : أتريد أن تقول إني اسئ إلى أرض موصير وأن عليّ ترك منصبي أم ماذا تريد أن تقول ؟ أم لديك رؤية جديدة لهذا البلد ؟ أم ماذا يدور في عقلك ؟ ثم استطرد بصرامة غاضبة : اخبرني أيها الشاب . وتكهرب الموقف إلى أقصى حد نظرا لغضب النائب و... تصرف الجميع تصرفا غريبا .. للغاية ..
************
تصاعدت هتافات الجمهور من مشاهدي البرنامج سواء داخل القاعة أو خارجها أو أمام شاشات التلفاز نظرا لرد الفعل الذي قام به الأمن من القبض على عماد الذي ظل محتفظا بإبتسامة هادئة وتملص من قبضات الجميع بطريقة سريعة وخفيفة ثم امسك المايك وصاح عبره بقوة :
سيادتك تعلم أن البرنامج مذاعا على الهواء مباشرة والأمر فيه ديمقراطية كما تردد دائما ، وما تقومون به الآن منافيا للديمقراطية ، كما إني لم أتجاوز في أسلوب الحوار ، ولم يخطئ أحد من الموجودين حتى يتم التجاوز والتعامل معه بهذا الأسلوب ، فما رأي سيادتك ؟
أشار النائب بيده لقائد الأمن فتوقف على الفور كأنه آلة صماء لا تفكر بتاتا وفي نفس الوقت نظر لعماد وقال :
دعك من هذا الكلام الغير منطقي ، أخبرني ماذا تريد أن تقول ؟ ؛ دعني اخبرك أنا ، أنت شاب تريد البريق والشهرة ولا تعلم شيئا عن أمور الحياة والحكم ، ليس لديك المقدرة على العمل ، لهذا تعمل هذا العمل الوضيع و...
قاطعه عماد في صرامة :
سيادة النائب ، أنت تعلم جيدا عبر التحريات التي قام بها رجالك ماهية الشهادات التي أحملها ، وعدم وجود وظيفة محترمة يعود لطريقة حكم حاشيتك والوسائط والمحسوبية ، أما بخصوص أسئلتي فأنت إلى الآن لم تجب عليها رغم إني دعمتها بأدلة وبراهين فهل لديك أي ردود .
نظر له النائب ثم رد بدهاء : حسنا دعنا من أسئلتك ما رأيك أن أعرض عليك أمرا ، إني اتحداك الآن وعلى الهواء أن تستطيع حكم هذا الكيان ، ها أنا ذا أول نائب عام يعرض منصبه على شاب عادي ليحكم الدولة ، هيا اجبني إني أعرض عليك الحكم لفترة محددة .
نظر النائب لعماد والعرق البارد يتصبب على جبينه ، كان النائب يعلم جيدا أن الإنسان بطبعه يهرب من المسئولية خصوصا إن كانت تحديا ورأى عماد وهو يبتلع ريقه متوترا فأكمل حديثه : ها أنت تقف صامتا ، ولا ترد ، حسنا لتعلم يا بني أن حكم دولة في حجم دولتنا لأمر كبير ولا يستطيع أحد تخيل المسئولية التي تثقل كاهل المسئولين ، إنكم ترددون الشعارات فقط وحين يتم وضعكم في المسئولية تضعون أذيلكم بين أعقابكم وتولون الفرار أو تقفون صامتين كما تفعل الآن ...
كانت السخرية مصاحبة لصوت النائب وكلماته التي كانت تشبه السوط على جسد عماد وحملت نظرة التشفي التي في عين النائب كهرباء داخل جسد عماد وبدا النائب أكثر قوة وثقة ..
في ذات الوقت وداخل غرفة الإخراج كان المساعد يقول : لقد خرج النائب بدبلوماسية ولم يجب على اسئلة الفتى ، بل وأحرجه أمام الجميع وألقى الكرة في ملعبه .
هز المخرج رأسه نفيا ورد بهدوء : بالعكس لقد استفزه وهذا الشاب اقوى فكريا من هذا النائب لأنه يثق في نفسه كثيرا . كانت تلك العبارة بمثابة استنباط ناجح بنسبة 100 % .. فكان رد عماد قويا وجريئا لأقصى مدى ... *** يتبع ***