اسراء اسامة - جدتى


جدتى 

اسراء اسامة


الى تلك الاشياء التى ترفض الموت ..كعيون جدتى ..رائحتها..وصوتها الذى لم يصيبه الزمن..كلها اشياء ترفض الموت ..صامدة امام مرور الزمن ..وعالقة بداخلى دون ان يجدى الغياب تخليه عنها..

وحين كانت تمر ذكرياتها عن الشاطئ امامها ..تلك الذكريات التى لا تشيخ ..ورائحة البحر التى كانت تصيبها فى بعض الاوقات ..نعم البحر لم اكن ارى فى قلبها سوى انغام البحر وهى ترانى امامها ..فى كل مرة كانت تظن ان حفيدتها ستصطحبها الى الشاطئ..ستمضى اوقات وتتحدث عن ذكريات عفا عليها الزمن لكن لم يعفو عنها قلبها .
خيطا بسيطا يفصل بين الاشياء وغيابها ..بالامس كنت اظن ان غياب ذاكرة جدتى عنها يعنى موتها ..ومرور الايام وهى فى غرفتها ..عينا تعبث فى الفراغ ..وقلبا معلقا بحياة اخرى وزمان اخر ..واشخاص اخرين ..جدتى تذكرت طفولتها امام الشاطئ ورفضت ان تستعيد ذاركتها عن  ابنائها واحفادها ...لكن رغم كل ذلك بعض الاشياء لم تمت بداخلها ..كصوت الأذان ..رائحة القهوة ..عينى حفيدتها .ظلت تغنى الى تلك العيون حتى وفاتها .برغم غياب تلك الحفيدة ..ظلت عيونها حاضرة امام تلك العجوز ,برغم الغياب ظلت تلك العجوز حاضر فى عيون الحفيدة.

كنت انا معها وهى معى ..ورغم الموت ظلت انفاسها تلاحقنى..ظلت معى .اشتم قهوتها ودفأ عينيها يحاصرنى ..
لم تكن جدتى سوى امرأة كتب الله لها ان تعيش نصف عمرها بداخل حجرة تحاصرها الذكريات ...كتب الله لها ان تصاب بلعنة الذاكرة .مواجهتنا ..نحن غرباء فى عينيها وهى ايضا غريبة فى عينيهم ..من غابت عنهم لم تكن سوى امرأة اصابها الزهايمر ومضت نصف حياتها غارقة فى ذكريات النصف السابق لحياتها ..صامتة حتى امام حفيدتها .
لكن بالنسبة الى تلك الحفيدة ..كانت هى تلك الذاكرة التى لاتموت عن الأمان ..الدفأ وربما حكايات .لم ترويها 
ولكن الأمل فى ان ترويها يوما ما كان كافى امام تلك الحياة.
وحين رحلت ..رحل ذلك الامل وتلك الحكايات التى لم تكتب لها يوما ان تعيش فى ذاكرة ايا منهما .
وظلت هى غارقة فى ذكريات عن امرأة كتب لها ان تموت قبل ان تعيش ...
ربما فى يوما اخر ..حياة اخرى ..ربما فى الجنة سيكتب لكل تلك الحكايات ان تعيش 
الى كل تلك الاشياء التى ترفض الموت ..ستعيش جدتى 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء