عبد العزيز مشرف - الداندورمة

   
 

     الداندورمة 
  

عبد العزيز مشرف


لا أعرف عن هذه الكلمة سوى : الطعم ، والشكل ، والرائحة وعم” السيد” وعربته البيضاء.

تلك الاشياء التى تفتح باباً ملكياً على ذاكرة الطفولة ؛ فتجعلك مجذوباً بخيوط من حنين الى الزمن البرىء، وتحيلك وفجأة الى صندوقك (الاسود) تنبش أشياء ، تتأملها ، وتتناسى أخرى .

فى اليوم المعلوم من الاسبوع تسمع صوته قبل ان تراه ينادى “داندووورمة ” فيقفز قلبك الطفل ذو السنوات الثلاث او الاربع متعلقاً بجدتك ” فرحة” تسألها “كوز درة” تقايضه بواحدة من الداندورمة ، فلا ترد طلبتك ، وتمنحك بغيتك ،أما ان مانعت فبكاؤك يشقيها فان تمادت فى غيها فأنت تعرف أين ترقد “كيزان الدرة ” ثم تنفتح أمامك أبواب السعادة كلها ، وتتحول الى طاقة مندفعة صوب الصوت الاخاذ ” داندووورمة” الشارع شبه خالى قرب ظهيرة صيف لا يعرف القيلولة فيه الا جدتى وجدى وابى وامى ، تتلفت اين العربة ؟ تارة تراه آتـياً من بعيد فتجرى منقطع الانفاس تستقبله استقبال الغائب المنتظر ، وتارة تراه راوغك وافلت من احلامك وتجاوزك فتجرى خلفه _ ربما باكياً فزِعاً ألا تلحق به ، وحين تصل اليه تعانقك رائحة ” الداندورمة ” بالفانيليا النفاذة ، وابتسامة رجل فى اواخر الخمسينات بقامة مديدة ، وشارب نحيف ، يلبس ” مريلة” ناصعة البياض ما أجملها ! يقف الى جوار العربة البيضاء كحمامات “جدتى ” بمظلتها البيضاء ، وجوانبها ذات الخزائن الزجاجية ، تمد يدك بكوز الدرة قبل ان تصل اليه بدون كلام كأن لغة الكلام تعطلت ؛ ليضعه فى الخزانة الى جوار رفاقه من ” الكيزان ” فيصبح منظرها أجمل عما كانت فى ايدى أصحابها ، وانت واقف تنتظر ان يملأ لك “البسكوته” بالمزيج المثير من الغرفة السحرية فى قلب العربة ، آهٍ لكم تمنيت ان ارى هذا الوعاء ، ان اسبح فيه ، فتلتقطها من يده فى نشوة من امتلك الدنيا ، او فرحة من خلع الخوف من نفسه ، تأخذ” “الداندورمة ” ممتناً لا تريد ان تنصرف تود لو طفت البلاد مع هذا الرجل وعربته ، مستبطئاً تعود للبيت ، وفيما بعد تسأل لماذا أعطيه ” كوز درة ” آ خذ الداندورمة ؟ ما توصلتُ اليه حينها ان هناك تشابهاً كبيراً فى الشكل بين الاثنين ، ثم ما لبث أن طرأ سؤال أصعب : ولماذا لا احصل على الداندورمة بالقروش فالرجل يتعامل بها أيضاً ؟ وسرعان ما تأتيك الاجابة ان ” ستى فرحة ” متفقة مع الرجل على هذا ، او لأن الكيزان عندها كثيرة تريد التخلص منها ،او لأن القروش لما لا أستطيع الحصول عليه بدونها .

وتيقى “الداندورمة ” لقطة من كاميرا الماضى الذى يسكننا ، تقفز مدافعةً ً عن حقها فى الحياة حتى لو كنت تتأهب للكتابة عن التطورات السياسية الأخيرة .

هوامش
 1 – يرى الصديق المدون الكبير احمد قابيل ان كلمة “داندورمة ” ايطالية الاصل بمعنى آيس كريم او “جيلاتى ” بينما يزعم آخرون أنها تركية الاصل عثمانلية .