أحمد حلمي-مومسن (حكايا لا تنتهي)

نوبل حكايا لا تنتهي
أحمد حلمي
(3) ثيودور مومسن

من الجيد أن هناك تعريفا واسع المدى شديد الإحكام للأدب من وجهة نظر جائزة نوبل , قد تصطدم اليوم بتصنيفات عجيبة للقوالب الادبية , يستبعدون ألوانا ويقربون أخرى بحسب هوى وهوية وذائقة الاغلبية (المتحكمة) , ربما تتحكم ارقام البيع في سوق النشر وبالتالي في تواجد نوعية معينة من الادب على الساحة ,  لكن جائزة نوبل اختارت ان تخلد الفن الحقيقي بقدر الامكان , اختارت ان تكرم ما يظهر قيمة حقيقية يمكن للبشرية ان تتقدم من خلالها ,
حيث تنص الفقرة الثانية من النظام الاساسي لجائزة نوبل في الادب على ان الجائزة لا تذهب فقط للأعمال الادبية البحتة –الروائيون والشعراء والمسرحيون وكتاب القصة - كما يعتقد العامة , بل أيضا للكتابات في المجالات المختلفة التي تظهر في محتواها قيمة ادبية او تقدم بإسلوب ادبي رفيع .
وعليه فإن الجائزة وفقا لهذه المادة تمنح للفلاسفة والكتاب في الموضوعات الدينية والمؤرخون والعلماء شريطة ان تتميز كتاباتهم بالتميز في العرض التقديمي والقيمة العالية للمحتوى . 
- الجائزة الاخيرة لعام 2015 ذهبت لكاتبة مقالات بيلاروسية  - ارزقنا يارب - 
لذا ذهبت نوبل في الادب في عامها الثاني 1902 للكاتب عالم الاثار الصحفي والسياسي والمؤرخ الالماني " ثيودور مومسن "  هذا هو المقال الثالث في سلسلة نوبل وسوف نحكي عن سيد الكتابات التاريخية الحديثة .
مرحبا بكم مجددا .

**************************************************************************

مومسن  

هو " كريستيان ماتياس ثيودور مومسن " المولود في اقليم " جاردنج " التابع للتاج الدنماركي وقتها –جزء من ألمانيا حاليا- لرجل دين دنماركي في نوفمبر من العام 1817 , درس في جامعة كيل وتخصص في القانون والتاريخ والفيلولوجيا - علم فقه اللغة المقارن : علم يهتم بالتحليل التاريخي للغات -  وخلال دراسته صدر لمومسن بالاشتراك مع شقيقه تيكو والاديب الالماني تيودور شتورم عملين ادبيين هما  "«مجموعة حكايات خرافية» وثانيهما مجموعة قائد بعنوان «أغاني الأصدقاء الثلاثة» .
اهتم مومسن بالقانون الروماني وحصل على دكتوراة فيه وصار هو ذاته مرجعا له مستقبلا ,  مومسن كان موقنا ان هناك علاقة وطيدة تربط التاريخ بالقانون لذا سعى للحصول على منحة لدراسة النقوش الاثرية الرومانية وهو ما كان ولمدة اربع سنوات انكب على انجاز بحثه الكبير " مجموعة النقوش اللاتينية " ربط خلاله بين التطورات القانونية والتاريخية محاولا فهم الحياة الرومانية القديمة بشكل اوسع واعمق , مما مهد لمنجز حياته الضخم " Die römische Geschichte " أو " تاريخ روما " وهو ما اشير له في هامش الجائزة الكبرى  

عمل مومسن مراسلا حربيا في اثناء ثورة 1848 التي اجتاحت اوروبا وساند مطالب انضمام احد اقاليم الدنمارك لألمانيا وهو ماحدث لاحقا لكن بعدما تم طرده من المقاطعة .
بعدها عاد وشغل كرسي الاستاذية بقسم القانون جامعة لايبزج قبل ان يتم ابعاده بسبب اراءه المعارضة لدستور ولاية سكسونيا ,  في العام التالي حصل على الاستاذية في القانون الروماني من جامعة زيوريخ ثم تم نفيه لسنوات تالية بسبب مواقفه الثورية , 
بعدها اصبح باحثا قانونيا في الاكاديمية البروسية للعلوم (جامعة برلين) ثم صار استاذا للقانون الروماني بها وحصل على عضوية اجنبية من الاكاديمية الهولندية وعلى مواطنة فخرية من مدينة روما تقديرا لابحاثه المتعلقة بآثارها القديمة .

شغل مومسن لفترات متقطعة عضوية مجلس النواب البروسيين ثم عضوية الرايخستاج - مجلس النواب الألماني - وكانت له مواقف معارضة للسياسات الالمانية ونجا بأعجوبة من الملاحقات القضائية بسبب لغته الحادة .

********************************************************************* 
العام الثاني لنوبل 
في العام 1902 تلقت لجنة نوبل 44 ترشيحا للجائزة الكبرى , بالطبع تم ترديد اسم السيد ليف نيكولافيتش - الشهير بتولستوي - اربع مرات مجددا لكن اللجنة كانت تشعر ان الامر بات يخص كبريائها وليس مجرد استحقاق جائزة . 
ثم كان هناك ست أدباء سوف ينالون الجائزة في سنوات تالية , بالاضافة الى الفرنسي ايميل زولا للعام الثاني والنرويجي هينريك ايبسن مع تسعة واربعون خطابا من مجتمعات الكتاب لترشيح الفيلسوف الانجليزي هيربرت سبنسر , ثم اخيرا ثمانية عشر ترشيحا من اعضاء الاكاديمية البروسية للعلوم للسيد ثيودور مومسن الذي ذهبت له الجائزة في النهاية كواحد من ثلاثة عشر ألمانيا نالوا التكريم العظيم وواحد من القلائل الغير مشتغلين بالادب الصرف حصولا على الجائزة .
  *******************************************************************

منجزات مومسن 

في العام 1880 وقع حريق في الطابق الثاني لمنزل مومسن حيث توجد مكتبته , بالطبع احترقت اوراق كثيرة ومخطوطات كانت على سبيل الاستعارة من جامعات بروكسل وكامبريدج وبرلين ومؤلفات كثر كانت بمرحلة الكتابة واصيب مومسن بحروق بالغة بينما كان يحاول انقاذ الاشياء المهمة قبل ان يتم منعه بالقوة من الدخول للنار مجددا , 
لكن برغم من هذا وفي عيد مولده السبعين جمعت دار نشر ألمانية قائمة بأعمال مومسن المنشورة , الملفت ان الفهرس كان يحتوي على 920 عنوان – تسعمائة وعشرون انت قرأت الرقم بطريقة صحيحة - 
ابرز مؤلفاته كانت في التاريخ الروماني القديم والقانون الروماني والآثار المسيحية ويعتبر مومسن من مؤسسي علم البحث في النقوش القديمة ,  ويأتي مؤلفه الضخم " تاريخ روما " الذي تمت الاشارة له في هامش الجائزة في الصدارة حيث يتكون من خمس اجزاء الكتاب الأول يتحدث عن الاصول الرومانية و الملكية , والكتاب الثاني يتناول الجمهورية الرومانية حتى الاتحاد مع إيطاليا ويتناول الكتاب الثالث فترة الحروب البونيقية والشرق ثم الكتاب الرابع ويتناول فترة الصراع على السلطة ثم الكتاب الخامس يحكي فترة حكم يوليوس قيصر والحروب الأهلية , وصار المرجع الاكثر دقة لتلك الحقبة .
العلامة الاخرى كانت عندما نشر كتابه عن "الكتابات الأثرية المسيحية في مدينة روما"
قال: "قبل الآن كان يعتبر العلماء دراسة الآثار المسيحية ملهاة، لقتل الوقت وملء ساعات الفراغ، ولكن بكتابي هذا أصبحت دراسة الآثار المسيحية علماً جليلاً."
فيما تميزت لغته بمسارات سلسة مشرقة براقة مع حفاظه على الدقة العلمية معتمدا على اجادته للغات , وهو ما جعل مؤلفاته تصير مراجع للدارسين فيما بعد .
يأخذ عليه النقاد انسياقه وراء عاطفته وانحيازه لآراءه الخاصة في توثيق احداث كانت محل جدال وتذبذب في الاراء وقتها .
لكنك بالمقابل ستجد روايات مومسن التاريخية في اعمال ادبية لبرنارد شو ومارك توين على سبيل المثال .
في حفل تسليم جائزة نوبل والذي لم يحضره مومسن لظروف مرضه وقف سكرتير الاكاديمية ليلقي خطابه واصفا منجزات مومسن بأنها اشياء تفوق الطاقة البشرية  وحمل هامش الجائزة العبارة التالية :
" تمنح جائزة نوبل للسيد ثيودور مومسن اعظم اساتذة فن الكتابة التاريخية الاحياء مع اشارة لمؤلفه الضخم " تاريخ روما "  

توفى السيد مومسن في نوفمبر من العام التالي لمنحه الجائزة عن عمر يناهز ستة وتمانون عاما في شارلتون بورك بألمانيا .

حكايانا عن نوبل لا تنتهي , المقال القادم –بإذن الله- سنحكي عن الاديب النرويجي " بيورنستيارنه بيورنسون "