أمانى مسعد - رقية (10)


رقية (10)


رواية بقلم: أمانى مسعد الفلاحة



إرتمت رقيه على السرير منهكه بعد خروجها من الحمام حيث واتتها نوبه شديده من القئ و الدوار جعلتها تتخبط بين الجدران لتصل إلى سريرها ، أغمضت عينيها فلم تشعر بالدنيا إلا و رنين المنبه ينتشلها من سبات عميق .. لقد نامت لأكثر من ثلاث ساعات و لا تزال غير قادره على رفع رأسها عن الوساده فالإعياء الذى تشعر به أشد مما تستطيع مقاومته ، رغم أن رنين المنبه أخبرها أن العشاء بعد ساعه إلا أنها لم تستطع أن تتحرك ..



طرقات متواصله على باب غرفتها أفاقتها من نومها للمره الثانيه .. قامت مترنحه لتفتح الباب مستنده بيدها إلى الحائط لتجد طارق واقفا بوجه شاحب و نظرات مرتعبه ..

_ رقيه .. مالك ، فيه إيه ؟

أجابته مطمئنه ..

_ ولا حاجه أنا بس كنت نايمه .. إيه الرعب ده .. مالك إنت عامل كده ليه ؟

_ أنا بخبط بقالى ربع ساعه و لما ما رديتيش كل ده خفت تكونى تعبانه ولا فيه حاجه .

_ أنا كويسه ، ماتقلقش .

_ بالعكس ، دا إنت مش قادره تقفى على رجلك .. ممكن تيجى نروح العياده ؟

إرتعبت لفكرة أن يعرف مرضها ..

_ لالالا .. أنا كويسه أنا بس معدتى مش بتستحمل السمك اوى ، أكيد ده الى تعبنى .. بس أنا أخدت دوا المعده و بقيت أحسن كتير .

أجابها بلا إقتناع ..

_ طيب إنت ما أكـلتيش حاجه من بدرى ، مش هتتعشى .

   هزت رأسها نافيه ..

_ لأ يا طارق مش هقدر أكل أي حاجه بجد .. إتعشى إنت و نتقابل الصبح .

أطرق مفكرا للحظات ثم رفع عينيه إليها ..

_ ماشى ، إرجعى إنت سريرك إرتاحى .

_ حاضر ، تصبح على خير .

_ و إنت من أهله .

أغلقت الباب بعد أن إنصرف ثم عادت إلى فراشها ..



بعد نصف ساعه سمعت طرقات مره أخرى على الباب لكن هذه المره لم تكن نائمه ، فتحت الباب لتجد نادلا يدفع عربة طعام أمامه ، استغربت حتى رأت طارق يقف خلفه فأفسحت له المجال ليدخل و هي تنظر لطارق و قبل أن تتكلم أشار لها أن تنتظر توجه للنادل الذى إنتهى من عمله و أعطاه بقشيشا فاخذه شاكرا و انصرف ، إلتفت طارق لرقيه قائلا ..

_ كنتى عاوزه تقولى حاجه ؟

فأشارت إلى الطعام على الطاوله ..

_ إيه ده ؟

هم بالإجابه ثم قال راجيا ..

_ تسمحيلى أدخل الأول .

أشارت له بيدها تدعوه للداخل ..

_ طبعا إتفضل .

دخل إلى الغرفه و توجه نحو طاولة الطعام ليكشف الغطاء عن الأطباق الواحد تلو الآخر ..

_ سيزر سالاد ، ستيك بصوص الفلفل ، خضار سوتيه ، بطاطس بيوريه و الحلو كريم بروليه .

قطبت حاجبيها بشده فقال وهو يعيد الغطاء الأخير مكانه مره أخرى ..

_ خلاص بلاش كريم بروليه .. هاكله أنا .

ضحكت فاقترب منها ممسكا بيدها ..

_ ماهو أنا ماكنتش هقدر آكل لوحدى خصوصا و أنا عارف إنك ما أكلتيش و كمان تعبانه .. طيب يبقى الحل إيه ؟.. أنام جعان ؟.. يرضيكى ؟

هزت رأسها نافيه فسحبها نحو الطاوله ..

_ خلاص يبقى يلا ناكل قبل ما الأكل يبرد .



لم تتناول رقيه الكثير ، لكنها أكلت على الأقل و كان هذا كافيا لطارق ..

بعد العشاء وقف مغادرا ..

_ دلوقتى أقدر أسيبك تنامى بقى .

_ إنت هتنام ؟

_ ما أفتكرش يمكن أطلع على السطح شويه .

_ خلاص هغير هدومى و أحصلك .



كان طارق مستندا إلى السياج حين صعدت رقيه لملاقاته ، وقفت خلفه بقليل تراقبه .. كانت تسأل نفسها كيف أصبح هذا الغريب هو الشخص الذى تشعرها مجرد رؤيته بالأمان .. من بعد أبيها لم تعتمد رقيه علىاى إنسان ليشعرها بالأمان ، كانت تعتقد أنه ضعف ، أنك إذا بحثت عن الأمان عند شخص آخر فأنت إنسان ضعيف .. لكنها فهمت الآن لم كانت تعتقد ذلك .. لأنك لا تستطيع أن تبحث على أمانك عند شخص ما ، إن هذا الإحساس الدافئ بالطمئنينه ينبعث من رغبة الآخر في حمايتك لا من بحثك أنت عن الأمان لديه ، ينبعث من حرصه الصادق على سعادتك و راحتك وأمنك ، هذه الرغبه و هذا الحرص الذى لا يطلب و لا يشترى هما ما يصدران للإنسان هذا الشعور الرائع .. شعورك أنك تملك رفاهية أن تكون ضعيفا أحيانا ، فهناك من يحميك و سيحرص على ألا تتأذى وقت ضعفك .. كان طارق أمانها الذى فقدته منذ زمن ..

توجهت نحوه لتقف بجواره و تميل رأسها على كتفه ناظرة للبحر المظلم في صمت .. رفع ذراعه ليحيط بها كتفيها ، فابتسمت بأمان  ..



في الصباح كانت رقيه تشعر أنها أفضل من الأمس ، إستعدت للخروج ووضعت روايه في حقيبتها لقد قررت قضاء اليوم في إسترخاء .. قابلت طارق في المطعم كالمعتاد و بعد الإفطار سألها ..

_ تحبى تعملى إيه إنهارده ؟

_ أنا قررت إنى أسترخى إنهارده ، بس هعمل إيه بالظبط مش عارفه .

فكر لثوانى ثم قال لها ..

_ أنا عارف .. يلا بينا .

_ على فين ؟

_ على حمام السباحه ، أنا هنزل الميه شويه و انت تسترخى في الهوا .

_ ماشى .

ذهبت رقيه إلى حمام السباحه فيما عاد طارق إلى غرفته ليرتدى ملابس السباحه .. إتخذت رقيه مقعدا طويلا بجوار المياه و تمددت و أخرجت كتابها لتقرأ ..

أحضر طارق كأسين من عصير البرتقال و هو آت من غرفته ، أخذت منه كأس العصير شاكره فوضع كأسه على الطاوله ثم ألقى منشفته على الكرسى و خلع قميصه و بنطاله و قفز إلى الماء فورا ..

رغم أعوامه الثلاثه و الخمسين إلا أن طارق كان يسبح بقوه و نشاط و لم يكن جسمه البرونزى المشدود لا ييحمل أي علامات تخبر على عقوده الخمس ..

إنتبهت رقيه أنها وضعت كتابها جانبا و كانت تراقب طارق بـنظرة إعجاب مراهـقه فاشـتعل خداها حياءا

و رفعت روايتها قبل أن يلاحظ أنها تراقبه ، لكنها لم تستطع منع نفسها من إستراق النظر إليه أحيانا من خلف صفخات كتابها ..

قضى طارق في المياه وقتا طويلا و كانت ملامح الإستمتاع باديه على وجهه وهو يسبح ، خرج من الماء مبتسما ، أمسك منشفته ليجفف شعره و جسده ثم إرتدى قميصه و إرتمى على المقعد متعبا و لكن بسعاده ..

تناول شرابه باسترخاء ، نظر إلى رقيه و أشار للكتاب في يدها ..

_ بتحبى القراءه إنت أوى .

_ دى هوايتى الوحيده الى حافظت عليها طول عمرى .

_ أنا كمان كنت بحب القراءه زمان ، بس الشغل و الزحمه نسونى الكتب خالص .. بتحبى كتب إيه بقى .

_ حاجات كتير ، بحب التاريخ ، السير الذاتيه ، الأدب بس أكتر حاجه بحبها في الأدب الشعر .

_ أنا كمان بحب الشعر ، عندى في البيت في مكان ما مش عارف هو فين بصراحه المجموعه الكامله لنزار قبانى ، كنت بقعد زمان أقراها و أتأثر أوى ، مع إنى ماكنتش بحب ولا حاجه ، بس كنت بحب أعيش نفسى في الموود .

ضحكت رقيه ..

_ مش علرفه ليه مش قادره أتخيلك وإنت بتقرأ لنزار و متأثر دى .. لأ مش راكبه الصوره معاك خالص .

قطب طارق حاجبيه ..

_ يا سلااام .. ليه بقى ؟

ضحكت أكثر ..

_ مش عارفه .. لأ لأ مش قادره أتخيلها خالص والله ، مش راكبه .

نظر أمامه مدعيا الغضب ..

_ بقى مش راكبه .. ماشى يا رقيه .. ماشى .. تمام ، شكرا .

ضحكت مره أخرى ثم رسمت الجديه على وجهها ..

_ طيب خلاص .. كنت بهزر ، لايقه عليك جدا على فكره .

ضحك طارق ..

_ لا والله .. طيب ، إحكيلى بقى بتحبى تقرى لمين ؟...

قضيا معظم نهارهما يتحدثان .. قال لها طارق قبل أن يفترقا إلى غرفتيهما ..

_ فيه حفله موسيقيه بالليل بعد العشا ، إيه رأيك نحضرها  ؟

_ ماشى نروح .

رفع خصلة شعر نزلت على جبينها ليضعها خلف أذنها وهو يبتسم ..

_ إتفقنا .



حصلت رقيه على قسط لا بأس به من النوم الهدئ فاستيقظت مرتاحه ..

لتستعد للعشاء و الحفل الساهر وضعت مكياجا خفيفا و أرتدت ثوبا من الدانتيل الأسود بتنوره طويله واسعه وحذاءا عاليا قرمزى اللون ووضعت قلاده فضيه رفيعه ومشبك شعر فضى يرفع خصله واحده من خصلات شعرها الثائره .. طرقاتان على الباب أخبرتاها أن طارق ينتظر فحملت حقيبه صغيره بنفس لون حذاءها و مررت اصابعها بين خصلات شعرها مره اخيره ثم خرجت .. ما أن رآها طارق حتى إنطلق من بين شفتيه صفير إعجاب خافت ثم أمسك يدها ليقبلها وينحنى ..

_ مولاتى .. إيه الجمال ده كله .

إبتسمت بخجل ..

_ إنت كمان إيه الشياكه دى كلها .

كان يرتدى بدله سوداء رسميه و قميصا باللون الأحمر القانى عكس سمرته البرونزيه فبدا وسيما جدا،رفع ياقة قميصه بزهو مبتسما ..

بعد العشاء توجها إلى قاعة الموسيقى لحضور الحفل .. كانت الفرقه الموسيقيه تعزف مقطوعات رائعه من موسيقى الجاز و التانجو والفالس ، قرب إنتهاء الحفله دعا طارق رقيه إلى الرقص فقاما لينسابا في حلبة الرقص على أنغام الجاز في رقصه هادئه ، في نهاية الرقصه أعلنت الفرقه أن اللحن التالى هو الأخير لهذه الليله و بمناسبة توجههم نحو الشواطئ اليونانيه عزفت الفرقه موسيقى الفيلم الشهير " زوربا اليوناني " لتتقمص روح أنطونى كوين الموجودين فتقودهم في خطوات راقصه صاخبه تمتلئ بالضحك و الحماس ..

تقطعت أنفاس رقيه و طارق عند إنتهاء الرقصه و شعرا بالحراره فخرجا إلى سطح السفينه ليستنشقا بعض الهواء المنعش ..

وقفت رقيه محتضنه السياج تستنشق هواء البحر بعمق مغمضة العينين ، تأملها طارق و خصلات شعرها المبعثره يحملها هواء البحر لتلتصق بعينيها المغمضتين و هي مبتسمه في سلام .. وقف خلفها واضعا يديه بجوار يديها على السياج .. لم تشعر به رقيه إلا حين همس في أذنها ..



" يا ذات الأنف الأغريقى ..

وذات الشعر الإسبانى ..

يا امرأة لا تتكرر في آلاف الأزمان ..

يا امرأة ترقص حافية القدمين بمدخل شريانى ..

من أين أتيت ؟ و كيف أتيت ؟

وكيف عصفت بوجدانى ؟..

يا إحـدى نـعم الله علىَ ..

وغـيمة حب و حنـان ..

يا أغـلى لؤلؤة بـيـدى ..

آهٍ .. كم ربى أعـطانى ..."*



إستدارت داخل دائرة ذراعيه لتواجهه بإبتسامةٍ دامعه فمسح طارق دمعه سالت على خدها بإبهامه فأمسكت يده التي تمسح دمعتها و قبلتها ..







* من قصيدة أحبك أحبك وهذا توقيعى للشاعر الكبير / نزار قبانى .



إبتسم طارق متنهدا و جذب رأسها إلى صدره بحنان

فمالت مسندة رأسها إلى صدره متمتمه بصوت لا يكاد يسمع ..



" تمنيت عمراً أحبك فيه 

و كم راود القلب عشق البِحار ..

ولكن حبك دربٌ طويلٌ

و أيام عمرى ليالٍ قصار ..

إذا صرت في الأفق أطلا نجمٍ

فيكفى بأنك .. أنت المزار ..."*



ثم رفعت رأسها تنظر إليه ..

_ بحبك يا طارق .

و أعادت رأسها لتستند إلى صدره .. قبل طارق رأسها متنهدا و تمتم بين خصلات شعرها ..

_ و أنا بعشقك .



* من قصيدة تمنيت عمرا أحبك فيه للشاعر الكبير / فاروق جويده .





إستيقظت رقيه بنفس الإبتسامه التي أوت بها إلى فراشها الليله الماضيه وهى تسترجع كلمات طارق الشعريه التي همسها في أذنها في سهرة الأمس ..

كان موعد الجوله المقرره في أثينا بعد أكثر من ثلاث ساعات ، لكنها لم تعد تشعر برغبه في النوم ، أمسكت هاتفها متصله بطارق فرد بسرعه ..

_ صباح الخير .. أنا أكيد في الجنه ، معقول أول ما أفتح عنيا أفكر فيكى الاقيكى بتتصلى .. وحشتينى .

_ صباح النور ..

سكتت لثوانى متردده ثم قالت ..

_ إنت كمان وحشتنى .

تنهد طارق ..

_ ربع ساعه هتلاقينى عند باب أوضتك .

ضحكت بسعاده ..

_ خليها نص ساعه و هتلاقينى جاهزه .

_ إتفقنا نص ساعه و هكون عندك .

_ تمام .

_ يلا قومى إجهزى بقى ، سلام .

_ طارق .

_ نعم .

_ شكراً .

_ على إيه ؟

_ على كل حاجه .. على أجمل أيام حياتى .

_ بحبك يا رقيه .

_ و أنا كمان .... سلام .

_ سلام .

وضع طارق الهاتف و أغمض عينيه متذكرا كلمات رقيه التي قالتها بهمس خافت و هي تتكئ على صدره و التي تظاهر بأنه لم يسمعها .. كان يعرف أنها لم تتلو تلك الأبيات له ، بل لنفسها ، لكن كلماتها اليائسه أدمت قلبه .. لن ييأس ، سيجعلها تتمسك بالحياه و بحبهما .. لن تضيع منه بعد أن وجدها ..

خرج من فراشه مسرعا كى لا يتأخر عليها ، بعد نصف ساعه كانا يدخلان الى المطعم فأمسك طارق ذراعها ليوقفها ..

_ إيه رأيك نفطر في أثينا أحسن ؟

_ فكره حلوه .. بس ممكن نشرب قهوه .

شربا القهوه ثم وقفا في الشرفه يراقبان المرفأ يقترب ، أطارت الريح بقبعة رقيه البيضاء فلم تستطع أن تمسك بها لتراها تسبح فوق المياه .. أخرجت رقيه ربطة شعر من حقيبتها لتجمع به شعرها الذى تخلت عنه القبعه فأوقفها طارق ..

_ لأ ثانيه واحده ، سيبيه كده بس .

أخرج كاميرته و أخذ يلتقط لها الصور وهى مستنده على سياج الشرفه و شعرها يتطاير متداخلا مع أطراف وشاحها الفيروزى المعقود حول عنقها .. بعد أن إلتقط لها عدة صور تفاجأ طارق برقيه تطلب من سيده تقف بالقرب منهما أن تلتقط لهما صوره معا ، أمسك يدها ليقبلها فالتقطت لهما السيده صوره على هذا الوضع ، ضحكا و أشارا لها أن تلتقط صوره أخرى ، وقف طرق بجوار رقيه محيطا كتفيها بذراعه مستندا بوجنته إلى رأسها ..


الإبتساماتإخفاء