أمانى مسعد - رقية (11)




رقية (11)


رواية بقلم: أمانى مسعد الفلاحة


توجها إلى زيارة المدينه .. كان الأكروبولس أول محطات زيارتهم .. شعرت رقيه أثناء صعودهما التله التي ترتفع لمائه و خمس و ستون مترا ببعض الإرهاق لكن معالم المكان من مسارح و معابد كانت ممتعه و عند بلوغهم أعلى نقطه في الأكروبولس كانت أثينا كلها تحت ناظريهم من جميع الإتجاهات .. لاحظ طارق علامات الإجهاد باديه عليها ..
_ إنت كويسه ، تحبى نرتاح شويه .
لا لأ .. أنا كويسه ، ما تخافش .
تجولا في المكان لساعه ثم إتجها لزيارة تل الكافيتوس ، كان الإختيار بين صعود التل من الممشى المخصص لذلك أو عن طريق ركوب القطار الكهربائى محسوما ، فرقيه لا يمكن أن تقطع طريقا صاعدا لأكثر من ألف متر .. 
في رحله سريعه لمدة دقيقتين وصلا إلى قمة الكافيتوس .. كان المشهد رائعا من هذا الإرتفاع .. المدينه بأبنيتها المتراصه يقف على جانبيها الجبال و يحتضنها من الخلف البحر بمياهه الفيروزيه ، كان المنظر ساحرا فوقفا يتأملانه بصمت ليجد طارق رقيه تسقط بغته مستقرة عند قدميه .. حملها طارق بسرعه متجها إلى كنيسة أجنوس جريجورس القابعه فوق التل ، مددها على مقعد في الكنيسه واضعا حقيبتها تحت قدميها و أخذ يضرب برفق على وجنتيها مناديا و قلبه يوشك على التوقف من الرعب ..
_ رقيه .. رقيه .. ردى عليا يا حبيبتى .. رقيه .. رقيه .. ردى عليا أرجوكى .. رقيه ..
خبطت على كتفه سيده ممسكه فى يدها منديلا ليفسح لها فتحرك قليلا و هو ممسكا بيد رقيه فوضعت السيده المنديل تحت أنف رقيه لتستنشقه ، بعد لحظات فتحت رقيه عينيها بإعياء فتنفس طارق الصعداء و ركع بجوارها ممسكا برأسها ..
_ حبيبتى .. رقيه ، سامعانى ..
أومأت بضعف ..
_ هو إيه الى حصل ؟
_ أغمى عليكى فجأه ووقعتى قلبى .
همت أن تجلس فوضعت السيده التي أفاقتها يدها على صدرها لتوقفها عن النهوض فنظرت لها مستغربه ، قال طارق ..
_ ماتقوميش .. خليكى شويه علشان ما تدوخيش تانى .. على فكره الست دى هى الى فوقتك .
نظرت إليها رقيه و شكرتها بالإنجليزيه ، أخبرتهم السيده أنها طباخه في المطعم بأعلى التل و نصحتهم بأن تظل رقيه متمدده قليلا بعد وهى ستكون في المطعم إذا إحتاجاها .. شكراها مجددا قبل أن تنصرف ..
جلس طارق بجوار رقيه و رفع رأسها  ثم أراحها على رجله وداعب شعرها بحنان ..
_ حرام عليكى ، نشفتى دمى .. ليه ما قولتيش حاجه لما حسيتى إنك تعبانه ؟
_ أنا دخت فجأه و أنا واقفه و معرفش إيه الى حصل بعد كده .
_ الحمد لله جت سليمه .. إنت أكيد دختى علشان ما فطرتيش .. أنا آسف انا الى إقترحت إننا نفطر في أثينا وبعدين نسيت و الجوله أخدتنا ، بس إحنا فيها ، نروح نفطر في المطعم عند صاحبتنا دى و نرجعلها منديلها بالمره .
أمسك المنديل المعقود بجوار رقيه و قربه من أنفه ليجد رائحته عطريه نفاذه ، فتح المنديل فوجد حفنه من أوراق إكليل الجبل معصوره داخله فوضعه أمام رقيه لتراه ..
_ شفتى ، هنا بيفوقو المغمى عليه بالروزمارى ، واضح إن فكرة البصل بتاعتنا ما وصلتهمش .
ضحكت و استقامت جالسه لدقيقه ثم حملت حقيبتها و توجها إلى المطعم ، لم تعد تشعر بالدوار لكنها لا تزال تشعر بالضعف .. أفطرا و تناولا القهوه و ظلا قرابة الساعتين في المطعم حتى شعرت رقيه أنها تحسنت ثم أخذا القطار نزولا من التل .. بعد زيارة متحف الآثار الوطنى ذهبا إلى حى بلاكا حيث الحركه لا تتوقف .. مابين محلات و مقاهى و مطاعم وصلا إلى شارع مونتيستراكا ، مشهد المحلات العديده التي إصطف أمامها الباعه الجائلين كان أقرب ما يكون لشوارع وسط البلد في القاهره .. جلسا على أحد المقاهى ليستريحا ، نظر طارق إلى رقيه ..
_ هنطلع من هنا على الباخره ، كفايه كده لف إنهارده .
لم تستطيع رقيه أن تجادله كانت حقا ترتاح للراحه .. أومأت برأسها موافقه فربت على يدها بحنان مبتسما ..

أثناء مغادرتهما للمنطقه وقفت رقيه أمام واجهة أحد المحلات التي تبيع التحف و الهدايا التذكاريه ثم طلبت من طارق أن ينتظرها مكانه لدقيقه و دخلت إلى المحل تشترى شيئا ثم خرجت بسرعه مبتسمه ،  وقفت أمام طارق و مدت يدها بعلبه في حجم الكف قائله ..
_ إتفضل .
مد يده ليأخذ العلبه متسائلا ..
_ إيه دى ؟
فتح العلبه ليجد تمثالا نصفيا من البرونز لأبوللو إله الفنون عند الإغريق ..
_ جميل أوى يا حبيبتى .. شكرا .
_ دا إله الشعر ، إعتذار منى إنى قلتلك إن الشعر مش لايق عليك .
نظر طارق إلى التمثال مره أخرى و قهقه ضاحكا و أحاط كتفها بذراعه و مشيا مكملان طريقهما ..
_ تعرفى أبوللو إله إيه كمان عند الإغريق غير الفنون ؟
هزت رأسها نافيه ، فأجابها ..
_ إله الشفاء .
نظرت رقيه للعلبه في يد طارق و كأنها تتنتظر من أبوللو أن يأتي لها بمعجزه تشفيها ..


نامت رقيه حتى موعد العشاء بلا حراك ومع ذلك إستيقظت وهى لا تزال تشعر بالتعب لكنها قررت الخروج للعشاء حتى لا تقلق طارق ، رغم أنها لا تشعر بأى شهيه للطعام ..
لاحظ طارق شهيتها الضعيفه و ذبولها فقال لها قلقا ..
_ رقيه .. إيه رأيك نروح العياده علشان الدكتور يطمنا بس ، إنت لسه تعبانه من الصبح .
_ لأ مش مستاهله .. أنا هستريح و هصحى الصبح كويسه إن شاء الله ، أنا حاسه إنى مرهقه بس .
_ مش هنخسر حاجه حتى يديكى فيتامينات ولا حاجه .
_ لأ مش محتاجه صدقنى أنا كويسه .
ضم شفتيه غير مقتنع بكلامها لكنه لم يلح أكثر ..
_ طيب يلا نقوم علشان تنامى على الأقل .
_ ماشى .. يلا نقوم .

مشيا معا حتى باب غرفتها فقبل يدها متمنيا لها ليله سعيده و إنتظر حتى أغلقت باب غرفتها و أنصرف ..
كان القلق يتآكله فرقيه لم تكن على ما يرام .. لكن ما كان يريحه قليلا أنها لاتبدو متألمه بشده .. قد تكون وعكه خفيفه لا علاقه لها بمرضها أو ربما هي فعلا مرهقه .. كان يحاول أن يطمئن نفسه فالشعور الذى إعتراه اليوم حين رآها ترتمى على الأرض بلا حراك كان مؤلما لدرجه قاتله ، لم يكن يريد أن يفكر في الأسوء .. لا .. سترتاح الليله و غدا صباحا ستكون بخير إن شاء الله ..

أفاقت رقيه من نومها بعد منتصف الليل فجأه عندما داهمتها نوبه من القئ أخرجنها من فراشها راكضه إلى الحمام .. إنهارت على أرض الحمام جالسه غير قادره على العوده إلى فراشها لأكثر من نصف ساعه حتى إستطاعت بصعوبه أن تستلقى على سريرها و جسدها يرتجف بضعف ..

سحبت نفسها بصعوبه من الفراش صباح اليوم التالى و قضت حوالى ساعه لتحاول إخفاء آثار التعب الباديه على وجهها بمساحيق التجميل ، لكن ما أن رآها طارق حتى عرف أنها ليست بخير،بعد الإفطار قال مقترحا ..
_ إيه رأيك نقضى إنهارده في الباخره و بلاش ننزل في أفيسوس ؟
_ لأ طبعا ، مغقول نبقى في تركيا و نفضل قاعدين في الباخره ؟
_ إنت لسه تعبانه و الدنيا مش هتتهد لو مازرناش تركيا يعنى .
_ لأ أنا مش تعبانه ، أنا بس كسلانه شويه أول ما نخرج هفوق على طول .. يلا بينا .
_ طيب، ننزل بعد الظهر تكونى فوقتى وبقيتى أحسن .
_ يلا يا طارق بلاش كسل بقى .. قلتلك أنا كويسه .
مشت أمامه بإتجاه الخروج فتبعها قلقا بصمت ..
وصالا إلى معبد أرطميس ، أخذت رقيه تلتقط الصور لأطلال المعبد الذى لم بتبق منه إلا عمود واحد .. حاولت أن تتظاهر بالنشاط و الحماس لكى لا يقلق طارق لكنها في الحقيقه لم تكن تحتمل المجهود الذى تبذله، نظرت لطارق فوجدته يتفحصها متوترا و قلقا ..
قالت محاولة إلهائه عن أفكاره ..
_ يعنى مش حرام الى الإنجليز عملوه في المعبد ده .. لأ و الأدهى إنهم يحطو الأعمال الفنيه الى أخدوها من المعبد في المتحف البريطاني ، حاجه تغيظ بجد ..
لم تستطيع ملاحظتها أن تخرج طارق من أفكاره فأجاب شاردا ..
_ آه ، فعلا .

بعد المعبد إتجها إلى لزيارة مكتبة سيلسس .. وقفا أمام بقايا المكتبه يتأملان البناء البالغ أكثر من الفين عام حين قال طارق ..
_ إحنا مش هنروح كنيسة القديس يوحنا .. تحبى تتغدى قبل ما نرجع ولا نتغدى في الباخره ؟
همت رقيه بالإعتراض فوضع طارق سبابته على شفتيها ليسكتها ..
_ رقيه .. إنت تعبانه ومش هنلف أكتر من كده إنهارده و إلا هتقعى زى إمبارح .. أرجوكى يلا نرجع .. إرتاحى إنهارده و لما نوصل كرواتيا هنقضى اليوم كله نلف في سبليت لحد ما تزهقى ، لكن إنهارده الجوله خلصت لحد كده .. ده آخر كلام .. تحبى نتغدى هنا ولا في الباخره ؟
رغم أنها لم تكن تملك أي شهيه للطعام لكنها لم تكن تريد أن تضيع عليه يومه كاملا فقررت أن يتناولا غدائهما في المدينه قبل العوده ..
على الرغم من أن " الكومبير " أو البطاطس المشويه المغطاه بالسلطات و المايونيز كانت لذيذه ، إلا أن رقيه ما أن بدأت تناول الطعام حتى شعرت بالغثيان فلم تستطع أن تأكل ، توقف طارق أيضاً عن الأكل وهب واقفا ليغادرا المطعم  فورا إلى الباخره دون أن يتكلم أيا منهما كلمه واحده ..


الإبتساماتإخفاء