البدراوى ثروت - صانع اللعبة



صانع اللعبة

بقلم: البدراوى ثروت 

"لك طريقك و لى طريقى ، أما الطريق الصحيح ، الطريق الوحيد  فهو غير موجود "
                                                ____________


مررت على احد الاصدقاء ، و صعدت لغرفته فى الطابق الثانى من المنزل المقابل لمنزلنا، فهو  مهتم بالألعاب الالكترونية و أنا أيضا ، و حجرته عبارة مجموعة من الاجهزة الالكترونية كانت مظلمة ورائحة عبق السجائر ، بادرت بالكلام أتريد الانتحار؟
_  قال لى انا اصنع لعبة جديدة و سأبدأ بها الان ، و سوف أريك ايها ،و جعلنى انظر تجاه الشاشة فيظهر صورة لبعض الازهار و الاشجار و مبنى صغير و أشار اليه قائلا هذا هو مبنى التحكم ، و هؤلاء هم العبيد ليبنوا قريتى ، بدأ يعطى الاوامر للعبيد و انا أشاهد فى صمت ... كان من ضمن الاوامر أن يبنى احدهم شئ لمدة 4 أيام متتالية ، و الاخرون يفعلوا أمور مشابهة ، لم أكن أتصور أننى سأنجذب لهذه اللعبة بهذا الشكل ... و بعد قليل من الحديث و جدته مشدود للعبة ، وقررت أيضا أن أصنع قرية لى و نقلت هذه اللعبة على جهازى وودعته بعدها بفترة قصيرة و ذهبت الى منزلى و بدأت أصنع قريتى  ، و مر يوم و تلاه أخر  إلى أن مضى شهر و الشعور الذى بداخلى أننى اصنع شئ يسعدنى ، كل ما أفعله هو أن ألقى بالأوامر ....
ذات يوم و بعد وقت طويل من الجلوس امام اللعبة  أردت أن ارتشف فنجان قهوة ، ذهبت إلى المطبخ و شعرت أيضا بالعطش تذكرت أننى لم أشرب منذ ان بداية اليوم  فتحت الثلاجة و أخرجت زجاجة مياه باردة و شربت ، و انا اضع الزجاجة مرة اخرى ، فكانت هناك زجاجة من مشروب كحلى و لم أكن قد جربتها من قبل ، فهى ملك لزميلى بالسكن ، قررت ان أشرب لا أعرف لماذا ؟ و ملئت كوب كبير ، فلون المشروب يميل للأصفر الغامق ورائحته نفاذه تثير الغثيان ، تجرعت كما قرأت عنه من قبل  ان أى مشروب أصفر لا يتذوق يقذف إلى المعدة مباشرة شربت و لكن الشعور لم يكن جميل و لكننى أكملت لم يكتمل الكوب و رأيتنى جالس  فى مبنى التحكم أصنع مزيد من العبيد و مزيد من العمل و مع الوقت مركز التحكم لم يعد يستوعب انتاج عبيد لأن المكان قد امتلئ ، جلست أفكر كثيرا و ثم قررت  السير فى جولة حول قريتى حتى رأيت عاملا قد أرهقه العمل و لم يعد يقدر على الإنتاج ، أتت لى فكرة أن أخرجه من اللعبة و بذلك أكون قد وفرت مكان لآخر ، و أكملت الطريق ورأيت ثلاثة اخرين و أصبح الأن مجموعهم أربعة  ، واصلت السير الى مركز القيادة و حددت مكان الأربعة عبيد و ضغطة" زر" مسح سمعت صوت ارتطام أجساد على الأرض ، لم يكن لدى شعور تجاه فقدانهم ، صنعت أربعة أقوياء ، قوتهم تفوق الجميع من حيث البنيان و صنعت لهم بعض الملابس و ميزتهم ببشرة أشبه بلون بشرتى ، وأطلقت عليهم مجموعة السلام مروا داخل القرية مكان كبير واسع كثير البنيان ومبنى التحكم موجود فى المنتصف و كل شئ حوله كأنه دائرة وصل ، وصل الأربعة كل فى مكانه ، وقفوا و لم يعرف أحد منهم ماذا يفعل! 
الجميع يعمل و لا احد ينظر تجاههم ، كنت أتابع المشهد وأنا لا أعرف ماذا أفعل الأن ؟ و قررت متابعة المشهد ، لا أحد ينظر لهم منكبون على اعمالهم فقط و حاول الاربعة تقليد العبيد الأخرين ،شرعوا فى البناء مر يوم على هذا الحال و يوم اخر حتى مر أسبوع كنت أنام و أذهب الى العمل و أعود للعبة و هم يعملون فقط فى نهاية الشهر سقط الأربعة مرة واحدة من الإرهاق ، قررت أن أتى باربعة اخرين و مع قليل من التفكير عدلت فى نظام العبيد أن تنتهى قواها كل عام و بذلك وفرت بعض الموارد لأحدث مركز القيادة وفى خلال يومين تم تحديثه ، عدلت المساحة و الشكل أصبح أطول و أبعد عنهم ، و صنعت إماء للتتنوع و بالتوسع أتت بعض الطيور و الحيوانات ، ووجد عدة اماكن أخرى فقررت أن أصنع مجموعة جديدة و سميتها الأمان ووضعت لهم ميثاق مكتوب و أعطيت كل منهم عصى و لم يرتدوا مثل العبيد ، صنعت لهم زيا مختلف و درع ، أردت مشاهدة شكلهم و مروا داخل القرية الا واحد  المكان لم يعد يحتمل فظل معلقا حتى حددت عبد متكاسل و بزر مسح سمعت صوت ارتطام جسده على الأرض ..

فى هذا الوقت سمعت صوت هاتف يرن لا أعرف أين الهاتف و أى زمن نحن فيه الأن كل ما أراه هو مركز القيادة و قررت الضغط على  أى زر أمامى وسمعت صوت صديقى يسأل عن أحوالى فرددت عليه أننى بخير ، و تحدثنا عن اللعبة و قال لى أن العبيد فى اللعبة يسجدوا له فنعته بالسيكوباتى وأستغفرت الله عما قاله و أغلقت الهاتف بضغطة على أى زر مرة أخرى  ، و حينما نظرت الى شاشة التحكم رأيت القرية قد أنقسمت لنصفين و أنا لا أعرف ماذا حدث و رأيت نارا مشتعلة فى الأشجار و استوعبت الأمر حينما نظرت الى لوحة التحكم فكل زر مكتوب عليه أمر مكتوب هنا زلزال و هذا بركان و هنا مطر وهذا ثلج و هذه رياح و أعاصير و هنا ركن الأمراض و الحروب كانت لحظة انبهار عندما اكتشفت كل هذا ... و سعادة لا توصف و تردد فى ذات الوقت و صوت داخلى يقول لى "هذه مجرد لعبة".
ولكى أطفأ النيران المشتعلة ضغطت على زر المطر و لكن النيران ظلت مشتعلة فضغطت كثيرا حتى أنطفأت تماما و لكن النصف الشمالى كان قد غرق بالمياه و أغرق فيه كل شئ ، حينها أتت لى فكرة ان احول بقايا العبيد طعاما للأسماك التى أوجدتها فى مكان مياه المطر ، و ضغطة زر أخرى لكى يطير بقايا الحريق ضغط زر "رياح " فأوجدت فى المكان هواء و ضغطت كثيرا حتى زادت الرياح قوة فخلعت بعض الأشجار من مكانها ...يزيد الشعور بالسعادة داخلى و أردت أن اضع بعض التعديلات فى نظام مركز التحكم ... 
أشعلت سيجارة و دخنتها و عندما أطفئتها تذكرت أن الغد عمل و لم يعد هناك وقت فشرعت الى النوم و قبل ان أذهب فى ثبات النوم أتت لى فكرة أخرى هو أن أسرع من وتيرة الايام فجعلت كل ساعة تمضى كأنها 100 عام  تم تعديل الوقت و تسريعه و قررت أننى لن أذهب الى العمل بالغد عندما استقظت من ثباتى تذكرت أننى روادنى كابوس وهو أن العبيد ظهر لهم وعيا !
تجاهلت كابوسى و ذهبت لكى أغتسل و بعدها أخضرت فطور أشتيهيته و ذهبت إلى اللعبة ، حينها رأيت أشياء غريبة مبانى بأشكال معمارية قديمة و دروع قوية و حصون كبيرة و حدود و تم قطع كثير من الاشجار و صنعت بعض السفن و رأيت معابد كلها تشبه مركز التحكم و لكن هناك تختلف من حيث اللون و الرمز ..رأيت احتفالات بزواج العبيد و الاماء حتى فرقة الأمان تنوع زيها و كثر عددهم .. أشياء اخرى و لكن لم يكن هناك حروب و لا هناك أمراض كل شئ يمر بسلام على شكل الفرقة الأولى ، رغبت أن تحظى قريتى بالسلام ، حتى أننى شعرت بالأمان و لم يكن هناك ما أقوم به غير المشاهدة فذهبت أقرأ كتاب ووقع اختيارى على كتاب المعلم الهندى أوشو شدنى أسم الكتاب من وسط مكتبتى "متعة العيش بخطورة" قال فى مقدمته لست هنا لكى أقدم لك عقيدة ، العقيد تجعل الفرد مطمئن و متأكد كمان أننى لست متواجد هنا لكى أقدم لك اى ضمانات للمستقبل لأن ضمان المستقبل يجعل الفرد مطمئن .. أنا هنا ببساطة لكى  أجعلك ياقظ وواعى ومنتبه ...الخ
أكملت قراءة و أنا أفكر فى كابوسى مرة أخرى ماذا لو أستيقظوا ؟ ماذا لو اتاهم وعى ؟
أغلقت الكتاب و ذهبت فى ثبات مرة أخرى وروادنى ذات الكابوس و لم يكتمل نومى و حينها قمت مسرعا و اغتسلت و ذهبت إلى الصلاة وقفت بكل الحب و الرضا أركع و أسجد و أبتهل لكى يغفر الله ذنبى و انهيت صلاتى و ارتشفت سريعا فنجان من القهوة و ذهبت أكمل لعبتى دخلت الى غرفة جهاز التحكم كان كل شئ كما تركته من مات أتى غيره فقد مر وقت طويل فمازال الوقت يمر قرون و قرون فشعرت بملل ، فنظرت للوحة كان أمامى خيارات كثيرة للإثارة منها الأمراض و الحروب و العواصف و بعض البراكين أو حتى فيضان .
أخترت الحروب  لأنها الأسرع و منها جميع الأمراض ستظهر ، فزرعت أسباب للحروب وفى خلال عشر دقائق  كان قد مات أعداد كبيرة و لم أعد أهتم بأن أصنع عبيد فهم من يقومون بذلك الأن ... لكن كان يسعدنى صوت ارتطام الاجساد فاحتفظت بهذا الحق لنفسى فقط ، كل يوم يخرج و يدخل اللعبة عبيد جدد  وظلت الحروب مستمرة و أغلقت جهازى و خرجت الى الشارع و جلست فى منتصف الرصيف لا أنوى على شئ الى أن سمعت صوت ارتطام رأسى بسيارة سريعة جزء منى ذهب ادراكه و جزء قرر البقاء حتى أستمر فى معرفة الحقيقة ... 
و مع الوقت كان هناك من يردد أسمى و ظل يردد و يردد حتى بدأت أشعر أننى فى لحظة بين الغفوة و اليقظة ظللت أردد و أقول "ما الغرض من البقاء اذا لم نشعر بلذة ما نراه". 
فجميعنا نؤدى دورا جميل أو سئ  فى يتوبيا شخص خيالى يدعى اى شئ ... لا شئ مؤكد ، ،المؤكد الوحيد هو اننا لابد أن نحيا بكل لحظة أمل قبل أن ننطفأ .
رأيت زميلى بالسكن يضع على راسى قطن و شاش كنت خائف ، و هو  يقول لى ماذا حدث و منذ متى و أنت تشرب ، حاولت أن استجمع تركيزى فكل شئ يدور نظرت حولى لأجد نفسى نائم على أرض المطبخ و رائحة كل شئ قئ ممتزج مع قطرات دماء   و ملابسى أيضا متسخة بالقئ ذهبت الى الحمام ، و انا لا أعرف ماذا حدث كل ما أعرفه هو أننى لن أكمل هذه اللعبة .


الإبتساماتإخفاء