بهاء أنور يكتب - "رسائل إلى الشمس".. تنتظر الرد


"رسائل إلى الشمس"....تنتظر الرد
ديوان د. محمد عبد العزيز أبو المجد
بقلم الناقد: بهاء أنور

من يجرؤ على إرسال رسائل إلى الشمس، ناهيك عن انتظار الرد، سوى الشعراء؟ فهم من لا يصيبهم اليأس من تقدير المسافات، وحساب الحسابات، وهم سابقون بخيالهم، يتسع أفقهم أعظم مما يراه البشر، ويظل يتمدد إلى ما لا نهاية.

هذه الرسائل إلى الشمس أو إلى المستقبل أو إلى الغد الجديد المنتظر دومًا، هي الحالة التي تسيطر على هذا الديوان، فحالة رفض الواقع يقابلها حالة استشراف شمس جديدة.
إن كلمات مثل: (رسائل/برقية/لقاء/انتظار/إبحار) تفترض حالة من التوقع، ويستمر الأمل حتى مع أنه لا يجيء، وذلك مقابل كلمات مثل: (بلد الأشباح/توبة/دين جديد/عمر قصير/أمن دولة/فانتازيا الأحلام/بكائية/ومضى ربيعك/حلم مفقود) وهي ما يفترض رفض الواقعوالذي تغلب عناصره الكلمات المؤلمة نحو الآتي من حيث النسبة العددية.

بالطبع فإن ما يتبع ذلك هو سيادة الشجن والتي يهديها الشاعر لبراءة إنسان قد يتلقفها بشعور مشابه فتخلق حالة من التوحد أو تحدث شيئًا من الألفة وأنك لست وحدك ولنتشارك الحلم.

ولعل تأكيد الشاعر المستمر لفظيًا يفيد تكرار النداء أو زيادة التنبيه كما في (سحيق سحيق/ ألهث ألهث/ البعيد البعيد) إلى تكرار السطر كاملاً مثل: (فأرجع أسيرًا إلى منتهاه) إلى تكرار تنويعات على: (وحدي/وحيدًا/وحيد/الوحيد) وهو ما يعيد القارئ إذا ما تغافل أول مرة أو ثاني مرة للانتباه، بل هو يعيد أسماء القصائد: (في بلد الأشباح وحيدًا  رسالة من بلد الأشباح- رسالة أخرى من بلد الأشباح) وهكذا.

(فكتبت في شمس الأصيل
تسعين أغنية لعينيها
وللنخل البقية)

كم تكون تلك (البقية)؟ لم يحددها الشاعر، وإذا كانت باقي الأغنيات للنخل فقط، فلابد أن منظره قد تسيّد المشهد، بحيث لا يمكن إغفاله مقابل عناصر الصورة الأخرى، ومن اليسير تخيل مشهد نيلي ساعة الأصيل حيث تذهّب الشمس خوص النخيل، والناي يغني على الشاطئ والقدود تميل.

الوطن بعناصره المكانية وحالته الروحية هو الحاضر الغائب في ثنايا الكلمات والتي هي شأن كل شعر جميل يختلط فيها الحب والوجد والتصوف بالعشق والشبق، فلا تدري أهي كلمات في حب الوطن أم المرأة أم الله. والشاعر يتركنا عامدًا على كل هذه التخوم، لا يحاول أن يقتحم أي منها إلى منتهاها، بل يلمس لمسًا خفيفًا وقبل أن نتيقن من مقصده، يزوغ سريعًا نحو أفق مختلف بتحريك بسيط في المقام الموسيقي.

ويأخذنا نحو: (المدى/أودية الصدى/فراغ الفراغ/أبد الأبد/داخل داخله/خارج داخله) ليطوحنا في أعماق سحيقة ويتركنا نتلمس طريق العودة وحدنا.

(ألا تذكرين ابتهاج الوجود بموت الفؤاد على صخرة الوهم بين الحفر؟)

سؤال آخر يناظر عديدًا من الأسئلة التي لا تكاد تخلو منها قصيدة، غرضها يتخلف ولكنها تتواجد بكثرة، وهو ما يفترض من التكرار إثارة الانتباه وهو ما يسعى إليه الشاعر منذ البداية. ولكن لماذا يبتهج الوجود بموت الفؤاد؟ فالوجود لفظه اعتبارية لا يفترض أن يبتهج أو يبتأس أو ما شابه شأن البشر، ففي حين أن تجسيد "الوهم" بصخرة مقبول، فإن تشخيص الوجود هنا غير مقبول لأن الوجود  فرضًا- محايد تجاه البشر. وقد أعاد الشاعر ذات المشكلة في قوله "ارتعاد الشواطئ"، ولا أدري ما الذي يمكن أن يحل محل ذلك ليعطي المعنى الذي أراد، ولكن ما أعرفه هو أن ثمة ما يقف حاجزًا فيما انتهى إليه من كلمات وبين ما أراد من معنى، والأخطاء المطبعية قد تزيد من هذه المشكلة كما في ص 7، 13.

(يا أرضي...
عودي كي تنسحب نساء العهر
ويرجع للقلب حنانه
كي أسمع آيات الله وأسكن جنته)

لقد جعل الشاعر عودة الأرض سببًا لدخول جنة الله، وهو استحياء لعقيدة المصري القديم الذي كان يرى بلاده هي الجنة وأن "يارو" أو جنة الرب ما هي إلا أرض بلاده يعيش فيها مخلدًا، ولكن عندما يغلب اليأس (ما نفع بقائي ميتًا في تلك البلدة؟) ولكن حتى في هذه الحالة يأتي السؤال الاستنكاري بين قوسين علامة على احتمال إلغاءه ويبقى الحب، لأن المشكلة أن "العالم دونك لا يكفيني" فأين أذهب؟ ورغم أن الرسالة  صادرة من بلد الأشباح إلا أنه معها لا يعرف معنى الأحزان وهي "واحة أحلامه" و"أجمل صبح" و "نهر حنين" و "أول من خلق الله".

وإذا كان لا بد أن "لا يكون" أحد فليكن هو لا هي لأنها الحلم والقمر والنور والأكثر أنها الوحيدة التي تبادله الحب قبل الحياة وقبل الوجود، "ورغم جميع العواصف" و"رغم الجليد" كما يأتي في ردها على رسائله في برقية قصيرة ليتوب بعدها ولا يعود إلى عاشقًا فقط وتصبح هي "إيمانه ودينه" ويعتذر بين ذراعيها. ويحدث اللقاء ثانيًا ولا يعد للحب "مد طالما مات ابتداه" ويتساءل متعجبًا من نفسه: "كيف فكر في الرحيل يومًا؟"

(لماذا سألبس ثوب ارتحالي
وما هان يومًا عليّ الوطن؟)

ويظل يحبه رغم "المحَن"... والعاشق حقًا يرى الأدعياء بعين الحقيقة ولا تخدعه ممارسات وطقوس العبادة الظاهرية الخالية من قواها الروحية، والعاشق حقًا يغضب لإهانة رمز العشق وتسيّد من لا يعرف معنى العشق، ولكن كعادة العشاق فإن بعضهم يعبر الخيط الرفيع بين الحب والتملك دون أن يشعر ليرى نفسه أنه الوحيد العاشق.

(إن كنت حقًا أنت عاشقه الوحيد
فلمَ انسحابك في تلافيف المدى؟)

وقد يصل به الحال للكفر بهذا المحبوب إذ أنه ما عاد يرى سواه جديرًا به، ويمحو كينونة الآخر وحقه في أن يحب من يريد، فحتى إذا كانت المحبوبة أنثى مجسدة فإن لها الحق في أن تحب من تريد، وإذا تحول القلب فلا مجال لفرض الحب، لا مجال أن تقتلني وأنت تعلن حبك أو أن تفرض طريقة حبك على الآخر وتطالبه بالتزامها بدعوى أنك تحبه جدًا، فلم تفترض أنه عاد مؤمنًا بك أصلا؟ قد يكون المحب أعمى لا يرى سوى صدق وقوة حبه، ويفترض أنه بناءًا على ذلك فلا بد أن تبادله الحب بنفس الطريقة، فتمهل.

المثالية في الحب كالنقاء الثوري، كلاهما خطر، لأنها تعطي المثل والمبادئ قيمة غير واقعية، وتفصلها عن تاريخها وتلزم البشر بالالتزام الصارم، وهم ليسو ملائكة، وترفض أدنى خروج أو تغيير فيها، وهو ضد سنة التطور والارتقاء، ويصيب أصحابها الصدمة في الكبار إذا خرجوا عن المبادئ لأنهم النبراس، ونسوا أن هؤلاء الكبار ما هم إلا بشرًا، بل وكثيرًا ما يكونوا انتهازيين، ومستغلين لسذاجة وبراءة هؤلاء المثاليين، ويتلاعبون بأحلامهم، ويرسخون فكرة "قداسة" المبادئ، وهم بعد المتحدثين باسمها، فإذا ما سقطوا لا تسقط فكرة القداسة وتحيا ليستخدمها آخرون وهكذا.

إن هذا الديوان لأحد هؤلاء الأبرياء والذي يوجهه إلى أبرياء مثله، يتلمس فيهم ما افتقده عندما اصطدمت براءته قبلاً بانتهازية الواقع فما عاد مؤمنًا وما عاد كافرًا، ولكن ناقمًا، وتلك هي مأساة الأبرياء في كل العصور.


الإبتساماتإخفاء