عامر صالح محمود - ابليس يحكم




 ابليس يحكم 

عامر صالح محمود   




المكان : احدي محطات البنزين علي طريق مصر اسكندرية الصحراوي 

الزمان : 2014

تقترب من بعيد كأنها وحش من عصور ما قبل التاريخ كأنها وحش أفاق و استيقظ و يستعد لتناول وليمته ، سيارة سوداء لا يركبها الا علية القوم، في المقدمة سائق بدرجة مدير عام يرتدي الزي الرسمي له لا اخطاء تذكر في مظهره العام و في الخلف رجل الاحلام الرجل الذي بامكانه تحويل ذرات من الرمال لا تساوي شيئأ الي حبيبات ذهب خالصة ممزوجة باللؤلؤ و الماس، مهمته الوحيدة في الحياة أن يكسب المال لا يعرف لنفسه وظيفة أخري غير ذلك خلق ليكسب. بحواره احد مساعديه بشكله المميز بدلة و تاب ماركة آبل و ساعة ثمينة ليليق بمنصب سكرتير رجل الأحلام.

السيارة تقترب في تمهل و كبرياء يتناسب مع أجولة المال التي دفعت فيها ، تركن بجوار احدي مضخات البنزين و يقوم العامل برفع الغطاء ليشحنها ببنزين 95.

انت مش بتتعلم أبدًا ، حاول تشغل مخك شوية و تأخد مني حاجة تنفعك في حياتك

يا فندم

متردش عليا لغاية لما أخلص كلامي ، انت مجتهد و شاطر بس ناقصك حاجة انا شخصيًا بسميها الحاسة السابعة ، حاسة المكسب حاسة ازاي تعمل فلوس من الهواء ، ازاي تشتري التروماي و تبيعه و تكسب فيه و كل ده بدون ما تدفع ولا مليم .

مكان زي اللي احنا فيه ده ، تتصور صاحبه بيكسب منه أد ايه ؟

يعني كتير يا افندم الموقع كويس و الشغل ليل و نهار أعتقد دي كنز بالنسبة لصاحبة .

طب يا تري لو أنا عرضت عليه يبيعها بتمن أقل من التمن اللي هو عايزه هيوافق ؟

أكيد لأ

متاكد ؟

أكيد مليون في المية

و لو اشترتها في ظرف أسبوعين 14 يوم بالظبط

بس بطرق مشروعه ؟

أنا كل طرقي مشروعه . ها تحب تتراهن

ضحك مساعده ثم قال : أنا مش قدك يا افندم

لو اشترتها انت هتتعلم و ده مكسبك

و لو محصلش

مليون جنيه مني عدًا و نقدًا .

السائق : أقفل التانك يا ابني ، ده الحساب و المائة جنيه دي من الباشا

ألف شكر يا باشا ربنا يخليك لينا ، اتفضل في رعاية الله .





اليوم الاول

السيارة تقترب من المحطة ليس بداخلها سوي السائق و صانع الاحلام تقترب السيارة من احدي مضخات البنزين التنك يمتلئ ، ثم كالعادة الحساب و البقشيش مائة جنيه .

اليوم الثاني

السيارة تقترب من المحطة ليس بداخلها ليس سوي السائق و صانع الأحلام و تقترب من أحدي مضخات البنزين التنك يمتلئ ، ثم كالعادة الحساب و البقشيش مائة جنيه.

اليوم الثالث

أحد العمال : عربية البيه قربت لما ألحق أروح أشتغل عليها

لم يكد يقترب منها حتي فوجئ بأحد زملائه يندفع ناحية السيارة و يأخذ بزمام المبادرة حتي يقوم بملئ التانك و يفوز بالمائة جنيه .

اليوم الرابع

 ما أن اقتربت السيارة حتي اندفع عدد من العمال عليها يحاولون ان يلبوا طلبات صاحب السيارة البقشيش كبير ، و الرجل كريم مع الجميع ففي أخر مرة أعطي أحدهم ساعة تقدر بثلاثمائة جنيه ثم انصرف ، مشادات حدثت انتهت بتدخل مدير المحطة و توجيه أحد العمال المقربين له بملئ التانك علي أن يقتسموا البقشيش معه .

اليوم الخامس

في نفس الميعاد السيارة تقترب و العراك المعتاد بين العمال علي ملئ الخزان ، الرغبة البشرية في تحقيق أكبر قدر من المكسب ، و الغيرة الواضحة تلك الظاهرة التي تقضي علي كل حبال المودة ، اليوم تعارك علي ملئ التانك أحد العمال و ابن عمه أسرارهم كانت واحدة لكن اللسان لا يحفظ ساعة الغضب ،فضائح متتالية خرجت من أفواهم و النتيجة : مش هتتزوج أختي أو تشم ريحتها طول ما أنا عايش

اليوم السادس

صباح اليوم السادس : طرقات خفيفة علي مكتب مدير المحطة

مين ؟!

أنا يا افندم أبو أدهم .

أتفضل ادخل

خير حصل حاجة

محصلش بس حسين أبو السيد كل يوم بيمشي من المحطة بدري انت بتروح و هو بيزوغ و بيرمي الشغل علينا و حجته الجاهزة ان مراته تعبانه .

ليه ما اتكلمتش من زمان ؟!

أنا حريص علي مصلحة المحطة و ده كان ممكن يضايق بس دلوقتي مش قادر أسكت علي كده دي فلوس ناس  و بتضيع في الهواء.

خلاص يا أبو ادهم أنا هتصرف

أمسك باللاسلكي و و نادي فيه :ابو السييييييييييييييد

نعم يا افندم

تعالي حالاً

حاضر .

ذهب اليه مسرعًا و طرق باب المكتب و دخل

أيوة يا افندم

بدون كلام كتير لو زوغت من المحطة ملكش عيش عندي .

بس انا مش بزوغ ، لم يكمل جملته حتي صرخ فيه المدير  : انت كداب أنا بتوصلني أخبارك أول باول .

حاضر يا افندم بس ممكن ابقي أمشي ساعة بدري عشان مراتي عيانه

مراتك تروح بيها المستشفي أنا مش شئون اجتماعية

خرج حسين من عند المدير يحمل آلامًا فوق ألامه ، لا يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك الدموع في عينيه و لكنه يحاول أن يحافظ علي ثباته فرجولته تمنعه من البكاء امام زملائه من العمال بمجرد خروجه تجمهر حوله زملائه يسألونه عن ماذا حدث فحكي لهم فكان الرد من أحدهم ،هو ابن الزانية أبو أدهم مفيش غيره اللي خيطك التخييطة دي .

حسن : ليه يعني

عشان بقشيش العربية اياها .

اليوم يمر و وقت قدوم السيارة يقترب أصبح الجميع بانتظارها ، النفس البشرية تطوق للافضل قابيل قتل هابيل لاجل أمرأه و النتيجة اول جريمة قتل في تاريخ البشرية ، الجميع  متحفزون الا أبو حسين ، غير موجود أصلاً في المكان

المكان : استراحة العمال غرفة أبو أدهم و حسين يتقدم للغرفة و يغلق الباب خلفه يخرج من جيبه بعض حبوب مخدرة و يضعها في الدولاب الخاص بابو أدهم ، التفتيش بعد يومين و اذا قبض عليه بهذه الحبوب سيفصل علي أقل تقدير و قد يقدم للمحاكمة بتهمة تناول حبوب مخدرة أثناء عمل يتعلق بارواح البشر .

السيارة تنتهي من التفويل و تغادر و ابو أدهم ترتسم علي فمه ابتسامة رضا ، ابنه علي وش جواز و يحتاج كل قرش ، يتجه لغرفته ليستريح قليلاً و يدبر مصاريف زواج أبنه ، يدخل و لكنه يشعر بشئ غريب ، الدولاب مفتوح علي غير عادته ، اتجه ناحيته و بدأ في التفتيش فوجد الحبوب فحملها و توجه بها 
للادارة ، في الطريق كان يحكي لزملائه فرد عليه أحدهم : مفيش غيره ابن الكلب الواطي اللي تخرج منه الحركة الوسخة دي ، هو حسين اضايق عشان انت عامل علي مصلحة الشغل .

وحياة رحمة أمي لاخيطك يا حسين

انقسم عمال البنزينه لقسمين الاول مع ابو أدهم و يرونه هو الزعيم و القائد خشية من جبروته و علاقته بالادارة و الثاني مع حسين الرجل الذي كان طيبًا حتي أخرج الشر من داخله فصار رجلأ لا يستهان به و شرا لا ينطفئ.

الادارة في مأزق الان اضطر المدير أن يتصل بصاحب  
المحطة ، حسيب بيه كما يلقبونه ، مصري عاش في الخليج لفترة و عاد محملاً باكياس من المال افتتح تلك المحطة و جعلها مصدر 
رزقه ،مشاكل المحطة اليومية جعلته يتواجد بها يوميًا و متابعتها





اليوم السابع

الاحداث تتصاعد في المحطة التي اشتعلت بنيران الحقد بين العاملين بها ، لم يعد بالامكان السيطرة عليهم و ليس أمام حسيب بيه طريقه سوء الابقاء عليهم نظرًا لخبرتهم و محاولة فرض السيطرة عليهم ثم جاءت الطامة الكبري

حسين: مراتي تعبانه يا علي و محتاجة فلوس كتير

و العيال عاملين ايه

سايبهم عند أخويا بس مراته مش هتستحملهم كتير هي كده من يومها مش طايقة حد من طرف مراتي

ربنا يكرم انهارده تلم شوية بقشيش حلوين و تجري جري تشتري الدواء

ربك كريم

في مكان آخر من المحطة يقف أبو أدهم ساندًا رأسه علي احد المكاتب

مالك يا أبو أدهم ؟! ساله أحد العمال

مفيش بس الواد لسه مش عارفين نعمل له النيش

و ايه اللي فيها انا بنتي اتجوزت من غير نيش

أنا قلت ليه من الاول دي عالم بنت مره،جعانين قعد يقولي عايزها ،من يوم لما اتهبب خطب و هو مركوب و عامل زي التيس مش فالح الا في التقفيش و البوس بس

و هي طبعًا عرفت سكته

طبعًا ،شوية تقلب عليه و شويه ترضي عنه ، عايزاه يبقي خدام ليها ، أنا مالي اللي يشيل شيله بتخر عليه خرا

ربنا يكرم انهارده تلم شوية بقشيش حلوين و تجري جري تشتري النيش .

ربك كريم.

تقدم أبو حسين من السيارة أما أبو أدهم منافسة المحتمل فشاءت الظروف أن يصاب بنوبة سكر أستدعت دخوله الحمام بسرعة قبل أن يحدث ما يفضح بسببه، المائة جنيه في يد حسين و أبو أدهم يتحسر عليها من بعيد ، لن يسكت اذا كان القدر قد عاقبه بالسكر قأقسم أن يصنع قدرًا أسوأ من قدره لحسين ،لن تهنأ بالبقشيش يا حسين،ذهب لمكتب المدير اخبره بان حسين ينوي التزويغ بحجة شراء دواء لزوجته .

الساعة الخامسة مساءًا: المدير أعلن أنه لن يغادر

الهاتف يرن : حسين موجود

موجود نقوله مين

الجماعة

أيوة يا حسنية ، مشيرة عامله ايه

بتموت يا سي حسين الحقها بالدواء .

معلش المدير قاعد هأجي علي طول

يذهب للمدير و يبكي له ان يسمح له بالذهاب دون أن يقطع لقمة عيشة فيرفض في برود .

يترك المكتب باكيًا و يجري علي أقرب أجزخانه يحضر الدواء و في نفسه نية الانتقام من أبو أدهم سبب مشاكله التي لا  
تنتهي :أصبر عليا يا أبو أدهم و حياة أمي ما هسيبك

في الطريق دموعه تنزل من الخوف علي زوجته وصل الي الحارة وجد حركة غريبة و حريم يرتدون ملابس سوداء

البقاء لله يا سي حسين ، لله الدوام وحدة ،صدمة و صمت  
رهيب ،شعر بان الدنيا تتضاءل أمامه ليس هناك حياة من غير مشيرة ، تذكر أن أبو أدهم السبب .

دفن زوجته دون أن يعلم أحد من عمال المحطة حتي لا يشمت به أبو أدهم أو هكذا تصور،مشوار يجب أن يؤديه لكي يستريح ، ذهب الي المحطة و أمسك أحد جراكن البنزين و سكبه علي أبو أدهم و أشعل فيه النيران ،لولا ستر الله لكان أبو أدهم قد مات محترقًا ،المحطة تشتعل بالنفوس المحترقة من داخلها و الخراب يعم عليها ، المحطة التي كانت مصدر دخل لعائلات كثيرة أصبحت في أقل من أسبوع سببًا لحرب و جرائم يتم التحقيق فيها من قبل الشرطة، تم ايقاف العاملين بالمحطة ،و لاول مرة تتأخر سيارة الامداد عن الحضور لأربعة أيام كاملة دون عمل أو دخل يذكر .

صانع الاحلام يواظب علي مشواره اليومي للمحطة

اليوم الثاني عشر 

السيارة تقترب كالعادة في ميعادها المحدد ، ليس هناك عمال كفاية فالمحطة تموج بالغضب و الشرطة تدخلت فأصبحت المحطة مصدر تعب لصاحبها الذي أراد العودة من الغربة ليستريح في بلده و يقضي أيامًا تعوضه عن شقائه في حر الخليج و شمسه الحارقه.

يتقدم المدير الذي ارتدي زي العمال ليملأ التنك ، نظر له صانع كوابيس المحطة و تساءل : أول مرة أشوفك ، فين الباقي ؟!

كله مشي و الدنيا بقيت خراب علي الكل.

ايه اللي حصل

المائة جنيه السبب خليتهم يقطعوا بعض

طيب و المحطة هتشتغل ولا ايه الوضع

معتقدش ، صاحبها حسيب بيه بيدور علي مشتري

بس دي بتخسر مين الي يشتري حاجة خسرانه

ضحك المدير بسخرية و كأنه يلعن القدر الذي أوصلهم لهذا  
الأمر ، لا يريد الاعتراف في قراره نفسه أنهم كانوا السبب في خراب المحطة : بتخسر بتخسر هو مصمم علي البيع و انه يرجع للخليج تاني

طيب و انتو

احنا علي باب الله

طيب أنا شاري و عايزك تساعدني و مكافأتك عندي انك هتفضل المدير

اشرق وجهه بابتسامة خبيثة تدل علي فهمه لطلب الباشا

أنا خدامك يا باشا بس دي بتخسر

عشان كده هأخدها بسعر قليل ، اللي هدفعوا انهارده هيرجع بعد اسبوع و فوقيه بوسه .

نظر له المدير باستغراب لم يتوقع أن تخرج تلك الكلمة من فم رجل بهذه المكانة .

مستغرب ليه أنا فاهمك أنا من شبرا علي فكرة

أحسن ناس يا باشا .

ها اتفقنا ؟؟

اتفقنا.

اليوم الثالث عشر : لم يمر صانع الاحلام

اليوم الرابع عشر : موكب ضخم من عربات مسئولين كبار في الدولة يفتتحون أكبر محطة ستكون مخصصة لجميع أنواع المركبات علي مستوي الجمهورية ، هكذا روج صانع الاحلام لمشروعه في يوم واحد أفتتحها العديد من كبار الوزراء مع تهنئة برقية عاجلة من رئاسة الجمهورية بالتهنئة علي أحد أكبر المشاريع الاقتصادية التي ستخدم الدولة .

هنبدا الشغل أمتي يا باشا

لما تمشي من هنا

ازاي يا افندم

زي ما بعت ولي نعمتك هتبيعني لو خليتك مدير للمحطة ، احنا عندنا مصاريف بنلمها ، وصله يا ابني و اديله قرشين نهاية خدمة.

فخرج المدير و الذهول علي وجهه لم ينبث ببنت شفه من كلمة أمسك المال و خرج دون عودة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ها اشترتها و لا لأ

مش قادر بصراحة أتكلم

مش هتقدر تتكلم يا ابني انت تبص و تتعلم

بس ازاي و بالمبلغ ده

الدرس ده هيبقي اهم درس في حياتك ، الانسان مجموعة من الغرائز المختلفة منها الكويس و منها اللي بيودي أصحابها في داهية ،أنا كانت كل مهمتي اني اصحي جواهم الغرائز السلبية الجشع ، الطمع ، الحقد ، السرقة و غيرها و غيرها ، اذا قدرت تصحي فيهم الاحاسيس دي اتركهم يقومون بما كنت تتمني و أكثر

نظر له سكرتيره في ذهول غير مصدق ما حدث تصور انه ضغط علي صاحب المحطة لكنه كان يعلم أن مثل تلك الفكرة لن تفلح

نظر له صانع الاحلام و ضحك بشدة و هو يقول :

أنا اللي علمت اليهودي ازاي يبقي يهودي .

















الإبتساماتإخفاء