د. باولو ساباتينى - النشاط الإقتصادي والثقافة هما منهج لنظام




النشاط الإقتصادي والثقافة هما منهج لنظام 

د. باولو ساباتينى
مدير المعهد الثقافى الإيطالى بالقاهرة

تعد إيطاليا رائدة فى إبتداع تقليد رعاية ودعم الفنون و الفنانين مادياً ومعنوياً من خلال عملية "Mecentanismo"، حيث يرجع أصل هذه التسمية إلى كلمة ”Mecente”  وهو وزير الإمبراطور الروماني أوغسطس(عام 68 قبل الميلاد/8 قبل الميلاد). 
حيث أحاط هذا الوزير نفسه بنخبة من الأدباء والفنانين والعلماء والشعراء للاحتفاء بمجده وبمجد سيده الإمبراطور.
وقد إستمر هذا التقليد أثناء عصر النهضة أيضاً حينما كان دوق توسكانا الأعظم "لورنزو دي ميديتشى" يُلقب ب"العظيم -Magnifico" لأنه كان ينفق أموالاً طائلة لرعاية الفنانين من ذوى الشهرة الخالدة. كما واصل الأمراء والباباوات هذه التقليد الحميد خلال عصر الباروك، وخلال فترات تاريجية لاحقة كان كبار المتعهدين هم ملوك شبه الجزيرة و عائلات البوربون، وسافويا. 
وعندما أصبحت إيطاليا جمهورية، كان رجال الدولة أكثر إنشغالاً برعاية الفنون. 
ويكفي أن نذكر القانون المُشجع على الأعمال الفنية رقم  717 لعام 1949، والذى بموجبه كان يتم تخصيص 2٪ من ميزانية مؤسسات الدولة لتجميل وتزويد المباني العامة بالأعمال الفنية.
ولكن في الآونة الأخيرة أجبرت الأوضاع الإقتصادية الإيطالية الجميع على إعادة النظر في أشكال وسبل العمل الثقافي بل وتقليصه بحذر.
ومن هنا تغيرت و بشكل خاص، إذا جاز التعبير، "فلسفة" رعاية ودعم الفنون والفنانين، أو التعبير الرائج الآن والذى إستعرناه من الإنجليزية: عملية التمويل. 
وقد كان الإستثمار فى مجال الثقافة  فى بداية الأمر بالنسبة لغالبية الشركات الإيطالية، يُعد شكل من أشكال الأعماله الخيرية التى تمارسها بشكل عملى أو على الأقل وسيلة لتحسين صورتها. 
لكن في الآونة الأخيرة وعلى العكس من ذلك أكثر الشركات تطورً وإزدهراً بل وذيوعاً قصرت وبشكل مآساوى عمليات التمويل الخاصة بها على الأعمال التى يمكنها وأن تعكس إستراتيجية هامة فى مجال التنافسية.
ولكن إذا كان صائباً القول بأن الثقافة هي المورد الذى من خلاله يمكن المضى قُدماً فى عصر الاستثمار لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي والاجتماعي، فمن الصائب أيضاً التسليم بأننا بحاجة إلى إرادة متجددة من جانب الجميع للعمل على الإنفتاح بل التواصل وتشجيع تبادل الخبرات والمهارات. 
وأُذعن القول بأنه بدون هذه الرؤية التشاركية الجديدة آلاف من أشكال ومصادر مقومات التنمية  على أرضنا ستواجه مصيراً  محتوماً  وهو الخفاء والتعتيم. 
ومن ثم فيجب على المؤسسات الثقافية والشركات الإقتصادية أن تجد أرضاً مشتركة  لترسى عليها قواعد حوار ثنائى الإتجاه، بل والتركيز على توقعات كل من الأطراف المعنية.
باختصار، علينا أن نتعلم كيف نتعرف على بعضنا البعض لإيجاد حلول قادرة على نقل الواقع الخاص بمجال  الأعمال الإقتصادية والواقع الثقافي بل وأن نتعلم كيف ننسج علاقات مستقرة عمادها هو أن تحقيقنا لهدف مشترك.
فى إطار هذا المنظور من النظام، تأتى مهمة المعهد الثقافى الإيطالي بالقاهرة، والذي أشرُف بإدارته منذ عام 2014، المتمثلة فى التباحث مع الشركات لتطوير المشاريع المتكاملة والمستمرة التي فيها تتربط الأعمال الإقتصادية بشكل وثيق بالثقافة، ثقافةالمحتويات القيمة، في محاولة للتغلب على منطق التمويل لمرة واحدة أو رعاية الأحداث الرائجة – مع العمل على التركيز علي عملية التواصل.
كل هذا لا ينبغي أن ينطوى فقط على الحصول على تمويل لتنظيم معرض أو لترميم آثر بل علينا أن نعمل جاهدين لإبراز هذه المبادرة كمشروع ثقافي.
فى هذا الصدد نمى إلى خاطرى جملة خالدة لهنري فورد يقول فيها: "إذا كنتم تعتقدون أن الثقافة مكلفة للغاية، جربوا الجهل" ... هذا يشكك فى مسألة الأرض المشتركة والتى بناء عليها هنا تُعد الثقافة شكلاً من أشكال الترف الذى لا يمكن أن تقدمه سوى الشركات الكبيرى فقط. 
في الواقع، أحد أروع مزايا الثقافة هو تحديداً كونها مرنة ومفتوحة. ومن ثم فهذه الميزة تمكنها من التكيف تماما تبعاً للاحتياجات الداخلية والخارجية لأي شركة من خلال مشاريع مصممة ومقننة بدقة متناهية ووفقاً لدراسة وبحث.
ويكمن مفتاح الحل هنا فى تحديد الأهداف والغايات المراد تحقيقها والتى على أساسها يتم تخطيط مشروعات متناغمة ومتماسكة.
لذا ينبغي علينا إيضاً توضيح كيف يمكن للثقافة أن تكون مفيدة على الصعيدين: المؤسسي، من خلال إثراء العلامة التجارية للشركات ذات القيم والمعايير المُعترف بها عالمياً والمشتركة، وعلى صعيد العلاقات من خلال تجويد وتوسيع شبكة العلاقات الداخلية والخارجية للشركة.
ومن ثم لا يتعلق الأمر بنظريات مجردة، بل بنواحى عملية تم إختبارها من قبل على نطاق واسع في الخارج وكذلك أيضاً في إيطاليا وإن كان بشكل أقل إستخداماً.
وفى هذا الإطار ستواصل طبعاتنا من جريدة "Progresso Imparziale" نشر مقالات لممثلي الشركات الاقتصادية و المؤسسات الثقافية، كبدائة حسنة لإستراتيجية ستشهد مشاركة جميع المعاهد الثقافية الإيطالية حول نفس الموضوع وذلك خلال إحتفالية "أسبوع الثقافة الإيطالية فى العالم" في اكتوبر. 
ومن ثم فستركز ملامح هذا العدد الذى أتمنى أن تكون نهائية على الترتيب التالى: الصفحة الأولى سترتكز على المقالات الرئيسية، الصفحة الثانية سترتكز على الوضع الثقافي الراهن فى مجالات:الفن والموسيقى والتصميم والهندسة المعمارية، والسينما وغيرها،كما سترتكز الصفحة الثالثة على علم الآثار، أما الصفحة الرابعة، وأخيراً وليس آخراً، فسترتكز على تعزيز ونشر اللغة الإيطالية والأنشطة التعليمية والأكاديمية.




الإبتساماتإخفاء