ضياء فتحى موسى - اذن رشيدة




أُذُن رَشِيدِي

ضياء فتحى موسي 

لامَ الزوجُ زوجتَهُ التي تأخرت في إحضار الطعام, وكان قد رجع من عمله جائعًا منذ لحظات ويريد أن يملأ معدته الخاوية, فطالبته بالهدوء, وأنّ يخفض من صوته حتى لا يسمع جدالهما الصبي المزعج. لم يكن صوت الزوج مرتفعًا, لكنّها تعرف أنّ الصوت يجب أن يكون منخفضًا إلى أدنى درجة, لأن كثير من الأمور التي تحدث في البيت يعرف بها الناس في الخارج, لأنّ هذا الصبي, الذي يسكن في ذات الشارع, يسمعها ثم يخبر بها كل من يقابله.
 مشى الزوج على أخمص قدميه إلى النافذة, نظر من خلالها يمنة ويُسرة بحذر شديد, كان البيت في الطابق الأرضي, لذا النافذة قريبة من الأرض, يُمكن للمار إذا أطلّ برأسه رؤية كل شيء في الداخل.
 سألت الزوجة زوجها بصوت هامس: هل رأيته؟ هل هو عندك؟ قال: لا,  قالت: هذا غريب! من المفترض أن تجده أمامك! قال: ربما مريض, قالت: إنه مريض حقًا, لأنّه متجسس,  يتلصص على الناس في كل وقت وينقل أسرارهم, يجب أن يُعاقب هذا الصبي بشدّة لأنّه يضر غيره بعادته السيئة تلك.  
كانا يتحدثان عن رشيدي, لا بد أنّه يلصق أذنه على باب أو نافذة أو مكان ما ليسترق السمع, عادته التصنّت, عادة سيئة. جيرانه وأصحاب المحلات التي في الشارع, جميعهم يشتكون منه, ويعرفون أنّه سيء, لأنّه دائمًا يريد أن يسمع ماذا يقول الناس, حتى لو كان الكلام الذي يقولونه يخصهم وحدهم.
لو كان الزوج أثناء ما كان ينظر من النافذة, قد التفت أقصى ناحية اليسار, لرأى أذن رشيدي الصغيرة تلتصق بالجدار!
رجلان في الطريق يتكلمان في مسألة, يبدو أنّها سرية للغاية, وقفَ رشيدي بينهما بجسده الضئيل ليسمع ماذا يقولان, عرفَ أنّهما شرطيان يرتديان ملابس عادية حتى لا يعرف أحد أنّهما من الشرطة, وعرفَ أنّهما جاءَ إلى شارعه ليقبضا على لص مختبئ في أحد البيوت, فذهب من فوره وجمع أصحابه وأخبرهم بالذي سمعه, فانتقل الخبر بسرعة إلى كل مكان, حتى وصل الخبر إلى اللص نفسه, فهرب قبل أن تصل إليه الشرطة. 
وعندما عاد رشيدي إلى منزله, وجدَ أباه غاضبًا, لأنّ لصًا اقتحم الشقة وسرق أشياء ثمينة, سرقَ "اللاب توب" ومجوهرات الأم ونقود. ولم يستطع الهروب من المدينة فاختبئ في شقة, لكنه هرب في النهاية بالأشياء التي سرقها.
حكّ رشيدي أذنه بيده.. أدرك أنّه تسبب في هروب اللص بإفشائه سر الشرطيين, مما تسبب في كارثة أغمت وجه أبيه من الحزن, أمّه أيضًا ظهر على وجهها حزن عميق, حتى أخيه ذات الأربع سنوات لم يتوقف عن الصراخ.
حكّ أذنه مرة ثانية, في الأيام الأخيرة, راودته رغبة في حك أذنه بشكل غريب,  اعتاد أن يشعر بسخونة شديدة في أذنه, ثم, في أقل من دقيقة, يشعر ببرودتها كأنّها وضعت في ثلج.
دخل غرفته, وقفَ أمام المرآة, نظر إلى أذنه الحمراء مثل ثمرة الفراولة, حكّها بيده, فاشتدت احمرارًا, كان الأمر مزعجًا جدًا بالنسبة له, من الممكن أنّه يعاني من مرض جلدي, قرر في الصباح  أن يخبر أمه.  فتح نافذته التي تطل على الشارع, يسكن في الطابق الرابع, وأمام نافذته عماريتين كبيرتين, لا يفصلهما عن نافذته سوى مسافة قصيرة.  في الليل يكون صوت الجيران مرتفعًا, أرهفَ السمع, النوافذ الكثيرة المفتوحة تبعث إلى أذنه أصوات الجيران, راح يمرّغ أذنيه في الهواء ليلتقط الأصوات المحمّلة بالكلمات, ولأنّ ذاكرته ضعيفه, أخرجَ ورقة وقلم وأخذ يكتب كل ما يسمع, حتى يخبر أصحابه بكل كلمة!
وكانت أمّه تعرف عادته السيئة, فاجتمعت به في مرّة وقالت:
- الكثيرون يشتكون منك يا رشيدي, لا تكن مزعجًا حتى لا يكرهك الناس, لا تتجسس, ماذا لو كان رجلٌ غريبًا لا يفارقكَ في كل وقت, تذهب إلى غرفة نومك فيذهب وراءك, في المدرسة والشارع وفوقَ سريرك وفي أحلامك وعندما تذهب لتلعب وعندما تجلس لتستريح, ماذا لو وقف هذا الرجل أمامك وخلفك وعلى جانبيكَ في كل هذه المواقف, ونقل كل كلمة تقولها أو فعلًا تفعله إلى الناس, ماذا كنت ستفعل, هل كنتَ ستسمح له؟
- لا يا أمي, لم أكن لأسمح له.
-  هل تريد أن ينظر إليك هذا الرجل الغريب وأنت جالس في الحمام!؟ 
- لا يا أمي لا أحب ذلك أبدًا
- إذن لا تحاول أن تسمع ماذا يقول الأخرين إذا كانوا يتحدثون في أمور تخصهم, لأنّك بذلك كأنّك تنظر إليهم وهم في الحمام, لا تجهد نفسك في معرفة أسرار الناس يا بني ما داموا لا يريدون لك أن تعرف, لأنّك تكون قد اعتديت عليهم مثلما يفعل المجرمون.
لكن رشيدي لم يطع أمه, وظلّ يفعل ما يحلو له, حتى بدأ الكثيرون يتجنبون الاقتراب منه أو الحديث معه, وقلّ عدد أصحابه, لكنه كان مستمرًا في عادته السيئة. 
بعد أيّام, وقفَ أمام المرآة يسأل نفسه: هل أذني صارت أكبر حجمًا! أم أنّه مجرد شعور خاطئ, الطبيب أخبرني أنّ الأمر يسير, وليس هناك مشكلة خطيرة, لكن أذني صارت أكبر حجمًا بالفعل!
قرر أن ينَم وينس كل شيء, في الصباح ربما ستعود أذنه إلى حجمها الطبيعي مرة أخرى. 
أثناء استلقاءه على السرير, قبل أن يغوص في النوم, سمع صوت جار له, لم يكن مفهومًا من الصوت شيء, مجرد همهمات. من فوره ترك سريره وذهب إلى نافذته التي كانت مواربة, في معظم الأحيان يبقيها مواربة حتى تدخل الأصوات إلى غرفته في كل وقت ولا يفوته شيء.
 نظر إلى شقة في العمارة المجاورة, صوت ينبعث من هناك, الأستاذ إبراهيم جارهم يوبّخ ابنه عصام بشدة, هل سيضربه, لكن عصام طيّب ولا يستحق الضرب, وما السبب في كل هذا يا تُرى..
في هذه اللحظة, نظر الجار إلى رشيدي نظرة قاسية, قبع رشيدي رأسه بين كتفيه من الخجل, وجّه الجار الغاضب كلامه إلى رشيدي: أيّها اللص الصغير, أيها الفأر الصغير, أغلق النافذة وعد إلى سريرك, سيكون عقابك شديد. 
ثم أغلق الجار نافذته بعنف, وفي الوقت نفسه, خرج الجيران على صوت الجار الغاضب, ووجهوا نظرات مشمئزة نحو رشيدي, ثم بدأوا في إغلاق نوافذهم بذات الطريقة العنيفة التي أغلق بها الجار نافذته. 
نام رشيدي هذه الليلة حزينًا, في الأوقات السابقة كان يتعرّض لمثل هذه المواقف المُحرجة, ولم يكن يهتم بتوبيخ الناس له ونفورهم منه, لكنه الآن بدأ يشعر بالضيق من نظرات الناس له, وستستمر هذه النظرات إلى أن يقلع عن عادته السيئة.
في الصباح, كان رشيدي لم يزل في سريره, يحاول الاستيقاظ, أحسّ بتعب في جسمه, شعر بثقل رأسه, كأنّ شيء ما مربوط في رأسه , لم يكن مرتاحًا, قام من سريره, مشى خطوات في غرفته, مرّ بالمرآة الكبيرة وهو ينظر إليها نظرة خاطفة, تخطى المرآة, لكنه توقف في مكانه, بلع ريقه بصعوبة, شيء غريب ظهر في المرآة, رجع ليقف أمامها مرّة أخرى, حينها, عندما وقف أمام المرأة ونظر إلى صورته المعكوسة أمامه, شعر بصدمة شديدة, لأن صورته كانت مخيفة, رأى أذنه وقد صارت كبيرة, كبيرة جدًا جدًا, أكبر من رأسه, تحسس أذنه في دهشة وعدم تصديق, سأل نفسه عن الذي يحدث, كيف ولماذا صارت أذني بهذا الشكل المرعب, ضخمة مثل أذن الفيل, كبيرة وتنسدل على كتفيي!
ما الذي يجب أن يخبر به أسرته الآن, كيف سيخبرهم بالذي حدث!
 وضع فوق رأسه منشفة كبيرة, ونزل السلّم, حيث عائلته على مائدة الطعام, ذهب إلى مقعده بجانب أخيه..
 شدّ أخيه المنشفة..
 صراااااخ يملأ الشقة..
كانت أذن رشيدي يكبر حجمها كل يوم, ولم يستطع الأطباء تحديد السبب, قالوا أن الأمر غريب, لم يصادفوا حالة مثل حالته من قبل. 
البعض قال أنّ الذي تسبب في ضخامة أذن رشيدي, أنّ أبيه كان يصحبه إلى المعمل الذي يؤدي فيه تجاربه, لأنّ أبيه كان طبيبًا وباحثًا في علم يُسمى الكيمياء, ولعلّك تعرف أنّ الكيمياء علمًا غريبًا وعجيبًا, أغرب وأعجب من قصص السحر التي تعرفها, كذلك علم الفيزياء علمًا مُدهشًا..
 وفي مرّة أراد رشيدي أن يتصنّت على والده وهو يتحدّث إلى بعض زملائه, فاختبئ في مكان داخل المعمل حتى لا يره والده, فسقطت على أذنيه قطرات من زجاجة كانت موضوعة على المنضدة التي يختبئ تحتها, وهي بكل تأكيد التي أدّت إلى ضخامة أذنه.   

لم يكن من خيار سوى أن يظل في بيته, لا يخرج إلى الشارع أو المدرسة أبدًا, يجب ألا يره أحد.. 
اشترت الأم ملابس واسعة مزودة بقبّعة فضفاضة حتى يتمكن رشيدي من اخفاء أذنه داخلها في الأوقات التي يأتي أحد الأقارب للزيارة,  لكن في كثير من الأحيان تفشل كل الحيل في إخفاء الأمر عن الضيوف, واكتشف الجيران الأمر عندما رآه أحدهم من نافذة غرفته, ثم بدأت الناس في أرجاء المدينة يتحدثون عن رشيدي وأذنه الكبيرة جدًا, وأقبل الكثير من أصدقائه على زيارته, كانوا يقولون : رشيدي المسكين, انظروا كيف أصبحت أذنه, لقد صار مُخيفًا, لا أحد يريد أن ينظر في وجهه, كل ذلك ذلك حدث له لأنه كان يزعج الناس بتلصصه عليهم.
 وكانت الأم تسمح لهم برؤيته حتى يخففوا من الألم الذي يشعر به, وتظل معهم حتى ينصرفوا. وكانت تتأكد من أنً أحدًا من الذين يأتون لزيارته لا يملك هاتفًا محمولًا, أو أي جهاز يُمكنه التقاط صور لرشيدي, حتى لا تنتشر صورته في كل مكان. وفي احدى الليالي, أثناء ما كان يستعد رشيدي للنوم, دخل أبوه غرفته, وقال: 
- يقولون صارت أذنه كبيرة لأنّه كان يتصنّت على الناس
- أسف يا أبي, يبدو أنّ كلامهم حقيقيًا, لكن ماذا يجب أن أفعل حتى تصغر أذني,  أنا شديد الندم
- أصدقك
- نعم, لن أتصنت على أحد, هذا وعد 
- أعرف طريقة يُمكن أن تعود بها أذنك صغيرة
- قول أرجوك
- يجب أن تعتذر لهؤلاء الذين تسببت لهم في مشاكل كثيرة, يجب أن يعرف الناس جميعًا أنّك لم تعد مزعجًا, وأنّك نادمًا.
- لكن كيف أفعل ذلك
- لا أعرف, فقط ابحث عن طريقة
- ولماذا أنت متأكد من أنّ أذني ستعود إلى شكلها الطبيعي
- لست متأكد, فقط دعنا نجرب
 أخذ رشيدي يُفكر في طريقة يعتذر بها لجميع من تسبب لهم في مشاكل بتصنّته عليهم وإفشاء أسرارهم..  التصنّت, أو التجسس, على الناس شيء أحمق, ومقزز, وإفشاء الأسرار أيضًا شيء خطير, ومقرف..
 كان الوقت يمر, استمر في البكاء وهو يقف أمام المرآة ويداعب أذنيه الهائلتين , سينام وأذنه لم تزل كبيرة ومخيفه, لم يعد يستطع وضع رأسه على الوسادة, أذنه الضخمة تمنعه من ذلك, لذا جلس على أرض الغرفة وأسند ظهره إلى الحائط, ونام بهذه الوضعية الغير مريحة.
لا أعرف تحديدًا ماذا حدث في الصباح. البعض يقول لم يحدث شيء, وإلى الآن لم تزل أذن رشيدي ضخمة. وأخرون يقولون أنّ رشيدي, بعد مرور سنة وثلاثة شهور,  وجد طريقة ليعتذر بها, ولم يقولو شيئًا عن أذنه.والبعض يقول أنّ أذنه عادت صغيرة في الصباح لأنّه ندم بالفعل وشعر بالذنب, وأنّه تغيّر وأصبح صبيًا رائعًا يساعد جيرانه والجميع صار يحبه.
انتهت القصّة..

"يا صديقي, تخيّل أنتَ ما الذي حدث لرشيدي بعد ذلك, واسأل والديكَ عن علم الكيمياء وعلم الفيزياء, وأسألهما عن شيء جميل اسمه الضمير. واسألهما عن مشكلة وقعا فيها بسبب أنّ أحدًا قد تصنّت عليهما, أو أفشى سرّهما"














الإبتساماتإخفاء