أميرة علامة - نعم سانتظرك


نعم سانتظرك

 أميرة علامة


بيت هادئ يملؤه الملل والبرود تشعر ان قطع الاثاث بالرغم من ثمنها الباهظ الا انها تكاد تبكى او ربما تكون ميتة , الرياح بالخارج تكاد تستشيط غضبا والسماء تمطر بلا توقف ويجلس عبد الرحمن بيه على مكتبه شارد الذهن يرتدى روبا من الصوف ويمسك قلما احمر وكل ما يملأ ورقته هي دوائر حمراء يرسمها بلا معنى لا تعرف لها اولا من اخر ويستمع الى اغانى ام كلثوم التى يعشقها قلبه كما تعود منذ سنوات فهى حقا تلمس روحه بصوتها الذهبى

تدخل عليه زوجته ريهام فينقبض قلبها دون ان تدرى سببا لهذا الانقباض وذلك حين تستمع لكلمات الاغنية التى كانت كوكب الشرق تغرد بها قائلة


أَكَادُ أَشُكُّ في نَفْسِي لأَنِّي * أَكَادُ أَشُكُّ فيكَ وأَنْتَ مِنِّي 

يَقُولُ النَّاسُ إنَّكَ خُنْتَ عَهْدِي * وَلَمْ تَحْفَظْ هَوَايَ وَلَمْ تَصُنِّي 
تحاول ريهام التحكم فى تفكيرها وابعاد اى افكار غريبة تطاردها وتستكمل طريقها الى عبد الرحمن قائلة له :

ايه يا حبيبي حتى ف يوم ميلادى هتسيبنى وتاعد تسرح مع ام كلثوم بردو
ليرد عليها عبد الرحمن مشاكسا :

اول مرة اشوف ست بتغير من وحدة ميتة
ماهى الميتة دى لها نصيب فيك اكتر منى انت مش واخد بالك انك طول ماانت ف البيت اعد فى المكتب وبتسمع الست
هههههههه مالك بتقولى الست من تحت ضرسك ليه كدة ؟ عامة حاضر ياروحى اطلعى انتى وانا خمس دقايق وهجيلك
ماشي ياحبيبى
تستدير ريهام وتتجه للباب ليوقفها صوته وقد تغيرت نبرته لتصبح اكثر قوة وصرامة

ريهاااااام هو علاء رجع من برة ؟
ترد ريهام وقد تضايقت من تغير صوت زوجها ونبرته قائلة :

لا يا حبيبى لسة مرجعش انت عارف النهاردة الخميس وهو بيحب يسهر مع اصحابه
اممممم هو اصلا كل الايام عنده خميس حسابه معايا تقل اوووى ماشي يا حبيبتى اتفضلى انتى وانا جاى وراكى
تتركه ريهام وقد انقلبت ملامح وجهها العشرينى حزنا ونكدا فهى تعرف جيدا مايدور بداخل عقل زوجها !! 

يمسك عبد الرحمن هاتفه ويتصل بابنه علاء عدة مرات ولا يتلقى اى اجابة فيزداد غضبه ويضع الهاتف فى جيبه ويصعد لزوجته ريهام كما وعدها ..........

يجلس علاء مع صديقه المقرب فريد على شاطئ الانقوشي بالاسكندرية بداخل مركب صغير تهالكه الزمان حتى اصبح مجرد خردة يلعب فيها الاطفال نهارا وتكون ماوى لذوى القلوب المنهارة ليلا , مازالت الامطار تتساقط بشدة وتكاد الرياح ان تطيح بالمركب القديم وبمن داخلها لولا ان جزءا منها غرس ف الرمال منذ زمن بعيد مما زاد ثبوتها ضد الرياح الهوجاء .....

يندمج المطر مع دموع علاء التى تكاد تخرج حمراء اللون كلون عينه الذى تحول من كثرة الحزن والدموع من اللون الاخضر المميز للاحمر الدموى حتى ان من يراه يكاد يجزم انه اما مدمن او مصاص دماء من شدة حمارهما , فقط يجلس صامتا لا حول له ولا قوة ولا يملك شيئا سوى البكاء ليقول له صديقه فريد للمرة المائة :

يا حبيبى اهدا بقا خلاااااص يابنى عينك باظت وصحتك تقريبا انعدمت من كتر العياط تقدر تقولى اخرة ده كله ايه ؟
يا فريد انت مش فاهم حاجة انت مش عارف هى كانت ايه بالنسبالى ........وينفجر باكيا بحرقة قلب لا يعرفها سوى المحب الذى فقد حبيبه !!
طاب يا علاء انت قلت بنفسك كااااانت كااااانت عارف يعنى ايه كانت يعنى خلاااااص مش موجودة ف الحاضر ولا فى المستقبل يبقى لزمته ايه بقا كل العياط ده ؟
يا فريد عارف يعنى ايه يكون عيد ميلادها النهاردة ومش من حقى حتى اقولها كل سنة وهى طيبة ومش من حقى اجيبلها هديتها اللى اعدت سنين بجيبهلها ويعلو صوت الرعد مشاركا اياه حزنه ولوعته ويستكمل كلامه باكيا, عارف يعنى ايه ان حبيبتى اللى عشت طول عمرى اتمناها تكون فى حضن واحد تانى غيرى وحظى الاسود ان الواحد ده يكون ابويا .....
يا علاء الوضع ده بقاله 5 سنين ارحم نفسك بقا يااخى
ايوة بقالهم 5 سنين متجوزين لكن انا معرفتش غير من سنة واحدة لما رجعت من السفر عشان اتقدم لحبيبتى اللى خفت اكلمها واتقيت ربنا فيها عشان تكون من نصيبى فى الحلال لكن يا خسارة الحلال رحلها اسرع منى مع ابويا وصرخ باعلى صوته ليختلط صراخه بصوت الرعد والرياح ويسقط مغشيا عليه ............
لا يجد فريد من يستغيث به سوى عم رافت صاحب كشك الشاي الصغير الذى يقضى نهاره فى عمل الشاي لرواد الشاطئ والصيادين بينما يقضى ليله سارحا فى البحر والسماء مستانسا بالراديو واغانى عبد الحليم وروادى الشاطئ ممن لم يجدوا ونيسا لوحدتهم الليلية سوى البحر ورائحة المراكب القديمة امثال علاء وفريد , قام عم رافت متجها ناحية صوت فريد وهو ينادى عليه مستنجدا به ليقوما بحمل علاء ووضعه ف سيارة فريد وهم لا يعرفان ماان كان مازال على قيد الحياة ام فارقها كما يكاد ظلام الليل ان يفارق هذه الليلة فقد كان الفجر على وشك الاذان ليعلن عن بداية يوم جديد .......

وقف فريد امام اقرب مستشفى بالمنطقة وهى مستشفى الملكة نازلى وبرغم علمه انها متخصصة فى مجال الاطفال الا انه لم يكن بيده حل اخر لانقاذ زميله فعلى الاقل سوف يقوموا بعمل الاسعافات الاولية له هذا وان كان مازال به الروح !!

وبالفعل قام احد الاطباء الموجودين باسعاف علاء وتعليق بعض انابيب المحاليل له وطلب من سيارة الاسعاف الخاصة بالمستشفى سرعة نقله لمستشفى العصافرة حيث يستطيع ان يستقبل العناية المناسبة هناك وتحت اشراف طبى جيد وذهب وراءه فريد فى سيارته وهو منقبض القلب فلا يعلم ماحالة صديقه وهل سينجو ام لا ففريد يتيم الاب والام وليس له اخوات وترك له والداه ارثا ضخما ومنذ الصغر ويعتبر علاء صديقه الوحيد ولم ينفصلا سوى منذ 6 سنوات عندما قرر علاء السفر للخارج ليكون نفسه مثل باقى شباب جيله فهو كان يعلم ان جلوسه فى مصر لن يجلب له سوى اليأس وقلة الرزق وكان هدفه الاول والاخير ان يدبر المال الكافى ليستطيع الزواج من محبوبته ريهام التى لم يعرف قلبه الحب الا عندما رآها وهى فى عامها الاول من الكلية بينما كان هو فى العام الثالث واكتفى بارسال جواب لها قائلا :

لا اريد منك سوى ان تنتظرينى حتى ادبر مالا كافيا يليق بالزواج من ملكة مثلك وسابذل قصارى جهدى حتى يكون هذا الوقت قصيرا ولكن لن اتحدث معكى فانا لا اعتبرك مجرد زميلة ولكن انتى من يدق قلبى كلما سمع اسمها او راى طيفها انتظرينى واعدك فى المقابل ستحصلين على قلب لم ولن يحب احدا سواك وساعيش فقط لكى تكونى سعيدة وملكة لهذا القلب المشتاق ....... علاء
لم يحدثها علاء واكتفى بردها التى كتبته على احدى اوراق المحاضرات ( نعم سانتظرك ) وكان فى كل مناسبة عيد او يوم ميلاد او يوم الحب يرسل لها اروع الهدايا مع كارت يحتوى كلمة واحدة ( انتظرينى ولن ارضى بغيرك بديل يا ...... ) وكان يترك النقط فارغة فى كل كارت ويترك خيالها يضع فيه اللقب الذى تحب ....... انتبه فريد من ذكرياته عندما وصلت سيارة الاسعاف للمستشفى وقام بتسجيل البيانات ودفع المصروفات بينما اخذ الاطباء علاء الى غرفة العناية المركزة كما اوصى دكتور مستشفى الملكة نازلى فى تقريره .

انتظر فريد امام غرفة العناية حتى خرج الدكتور الذى اخبره ان يدعى لصديقه فحالته خطيرة حيث اصيب بانفجار فى الاوعية الدموية بالراس مما سبب له نزيفا كاد يقضى عليه لولا المحاليل التى علقها له دكتور مستشفى الملكة نازلى .

لم يجد فريد مفرا من اخبار والد علاء فهو لن يسلم من العتاب لو حدث لعلاء مكروه دون علم والده وبالفعل قام بتشغيل هاتف علاء وبحث عن اسم والده واتصل به وكانت الساعة الثامنة صباحا رد عليه عبد الرحمن بصوت غاضب :

مالسة بدرى يابيه وجاى على نفسك وبتتصل بيا ليه ماكنت تكمل بيات برة من غير ماتتصل و .....
قاطعه صوت فريد الباكى قائلا :

انا مش علاء يا عمو انا فريد صاحبه , علاء تعب شوية امبارح ونقلته على المستشفى .
انصدم عبد الرحمن فيما سمعه وتمنى لو كان ماسمع لم يكن حقيقيا فهو يحب ابنه جدا ولكن منذ رجوع علاء من السفر وهو يشعر بحالة من التوتر لا يعرف وضع نهاية لها وخاصة مع تطور الاحداث بينهما وصدمة علاء عندما علم بزواج والده الذى عاش محبا لزوجته فى حياتها مخلصا لها بعد وفاتها حتى قرار علاء المستميت بالسفر والبعد عنه ورفضه اى مساعدة منه فشعر حينها بالوحدة القاتلة وقرر ان يعمل بنصيحة اصدقائه وان يتزوج وقد رشح له احدهم ريهام الفتاة الفقيرة التى يملك والدها خمس فتيات غيرها ولا يستطيع تحمل نفقاتهم وسيوافق على اول عريس مقتدر يدق بابه وبالفعل تزوج من ريهام ولكنه لم يخبر علاء فى غربته خوفا عليه من الحزن فى الغربة وحيدا ..........

وصل عبد الرحمن الى المستشفى التى يرقد بها علاء بين الحياة والموت فهاهو على سرير العناية لا يشعر بما حوله يزداد لونه صفارا يتعرض لحالات نزيف مستمرة لا يستطيع الاطباء السيطرة عليها حيث تزداد سوء حالته بسبب انهيار اعصابه وماتعرض له من ضغط نفسي شديد الفترة السابقة , لم يستطع عبد الرحمن رؤية ابنه فى هذه الحالة وجلس على الارض امام غرفة العناية يبكى ابنه الذى لم يكمل عامه الثامن والعشرين وقد انهكه المرض وسرق منه نضارة شبابه والله وحده يعلم هل سيعيش ام ستكون اخر انفاسه بهذه الغرفة ؟

حاولت ريهام اقناع زوجها بالذهاب معه ولكنه لم يوافق فهو منذ زواجها به منذ خمسة اعوام لم يجعلها ترى الشارع او ترى اهلها الا ان اتت والدتها اليها وهذا لم يحدث سوى اربعة مرات على اقصى تقدير فعبد الرحمن فى الخمسينات من عمره وريهام مازالت فى عقدها الثانى وتتمتع بجمال يلفت الانتباه فهى متوسطة الطول شديدة البياض عينها العسلية لامعة لا تعرف هل لمعتها فرحة ام دموعا اخفاها الزمان تتميز بشعر اسود ناعم طويل يكاد يصل لاسفل ظهرها من يراها لا يستطيع ان يبعد نظره عنها وعن هدوئها ونظراتها البريئة ولذلك كان عبد الرحمن يغير عليها بشدة ويحبسها فى منزله وكانها احد مقتنياته الثمينة لم يفكر فيما تحتاج وهل هى سعيدة ام لا فكيف لا وهو من وجهة نظره يوفر لها الماكل والمشرب والملابس وياويها فى فيلته الصغيرة التى لم تكن تحلم يوما بدخولها , ظلت ريهام شاردة الذهن تتذكر علاء واول لقاء لها معه فى الكلية حيث اتى اليها وهى تقف مع احدى زميلاتها والقى السلام واعطاها ورقة واختفى وكانه لم يكن موجودا قراتها مئات بل الاف المرات وهى تطير من فرحتها فهاهى المرة الاولى التى تقابل فيها انسانا يريدها فى الحلال دون ان يحاول استغلال فقرها ومحاولة الايقاع بها او عرض ان يصبحا اصدقاء الا ان يشاء الله بل انه هو علاء الذى يريدها حلالا له ويخاف الله فيها كتبت له الرد بدون عمل حساب لافاعيل القدر ( نعم ;سانتظرك ) لم تكن تعرف ان والدها سيبيعها لاول من يدق بابه وانها ستعيش بين هذه الجدران الميتة وستدفن شبابها مع هذا العجوز ولم تكن تعرف عن علاء اى شئ غير انه سافر احدى الدول العربية ولا تعلم متى سيعود او هل مازال على وعده معها ؟! لم يكن بيدها قرار الرفض فهاهى ترتدى جيب ابيض وبلوزة بيضاء وتزف الى رجل فى عمر ابيها حتى ان حلمها بالفستان الابيض قد مات ولم يعد له وجود مثله مثل باقى احلامها .......

كانت الصدمة الكبرى يوم رجوع زوج ابنها من السفر لم تكن تعلم عنه شيئا فحتى غرفته من المحرمات عليها داخل الفيلا ولم يذكر زوجها اى شئ عنه حتى ولو مجرد اسمه , ليظهر امامها فجأة علاء وقد خسر جزءا كبيرا من وزنه وبرزت عضلاته بشكل اكثر جاذبية وتاثرت بشرته من شمس الخليج لتعطيه اطلالة مميزة ارتعد لها قلبها ولم تشعر سوى بعبد الرحمن يرش الماء على وجهها ويجعلها تستنشق احد العطور لتفيق متمنية ان يكون مارأته مجرد حلم او بالاصح كابوسا واخبرته انها بخير وانما مجرد ارهاق من اثر الترتيب والتجهيز على شرف حضور ابنه من السفر , طيلة عام كامل تظل حبيسة غرفتها طالما كان علاء موجودا بالفيلا وتظل حبيسة رغباتها وقلبها طالما عبد الرحمن مازال يتنفس بجوارها انه العذاب عذاب الروح الذى لا نعرف له علاجا ولا طريقا للهروب منه , ظلت هكذا عام كامل تهرب من نظراته الحارقة تراه يتدمر يوما بعد يوم لا تستطيع مواجهته وتعلم جيدا انها بلا فائدة فهى زوجة ابيه ومحرمة عليه ولكن هو لم يكن يراها سوى الفتاة الخائنة للعهد والقاتلة للقلب , ظلت تصلى وتدعى كثيرا ان يشفى الله علاء وان يسامحها ويعرف ان لم يكن بيدها حيلة وقت زواجها من ابيه وانها لم تكن لترضى ان تكون الزوجة الخائنة لابيه حتى ولو كان هو اول واخر من دق قلبه لها .

سمح الدكتور لعبد الرحمن بالدخول لابنه علاء الغائب عن زمننا ف عالم اخر يعلمه الله وحده وذلك بعد ارتداء غطاء بلاستيكى للراس والقدم , دخل وجلس على كرسي بجانب سريره ومسك يده وظل يبكى فترة ثم قال له :

سامحنى يابنى انا عارف انى ظلمتك واللى انت فيه ده كله بسببى , انا خبيت عليك موضوع جوازى عشان مهزش صورتى قدامك وتفضل شايفنى الاب والزوج المخلص , مفكرتش فى انك هترجع وهتعرف الحقيقة , سامحنى عشان كان دايما عندى شك جوايا ان ريهام هتعجب بيك وتحبك عشان انتم من سن بعض وعشان كدة كنت بحكم عليها متطلعش من اوضتها طول ماانت موجود , سامحنى عشان كنت كل شوية اتخانق معاك عشان تغضب وتسيب البيت عشان ارتاح من انى اراقبكم , الشك عمانى ياابنى والحكايات اللى بسمعها من صحابى خلتنى انسي انك ابنى اللى مربيه على غض البصر والاحترام , سامحنى لانى كنت عاوز اجوزك بالعافية عشان اخلص من وجودك معايا انا وريهام تحت سقف واحد........ وفجأة وعندما ذكر اسم ريهام تعالت اصوات انذار الاجهزة التى تشير بتوقف القلب ليجد الغرفة امتلأت بالاطباء والممرضات وبعد عدة محاولات لانعاش القلب الحزين لم يكن بوسع الاطباء سوى الاعلان عن ساعة الوفاة وانتقال روح علاء حاملة اسرارها معها الى رب العرش الكريم , بينما ظل عبد الرحمن واقفا غير مستوعب لوفاة ابنه وكيف انه مات دون ان يسامحه







الإبتساماتإخفاء