جيل بين رفض الواقع ورغبة في التمرد في "شكلها باظت"





كتاب "شكلها باظت" لعمر طاهر: جيل بين رفض الواقع ورغبة في التمرد



بقلم: عبد القادر كعبان*

لقد استطاع الكاتب المصري عمر طاهر أن يتميز في مؤلفاته بأسلوبه الساخر ليترجم حاجة روحية للمجتمع المصري يعيشها الجميع، وبما فيهم فئة الشباب الذي لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن الحياة السياسية التي أصبحت محركا للبيئة الفكرية في وطننا العربي بشكل غير مباشر.

تعبر الكتابات الساخرة للمبدع طاهر عموما على فلسفة متميزة، ورؤى نابعة من روحه ونظرته الخاصة لمجتمعه المصري كما يبدو ذلك واضحا بشكل مباشر في كتابه الموسوم "شكلها باظت" -ألبوم اجتماعي ساخر- (2005)، أين تختلط ملامح السخرية بالمزاج في حديثه عن تلك المتناقضات التي يعيشها ويعايشها المصري في يومياته، ويضاف إلى هذا نزوع شاسع إلى المغامرة في عملية الإبداع الساخر.

إذا تأملنا تأملا عميقا خلال قراءة "شكلها باظت"، سنلاحظ أن عمر طاهر يحاول جذب انتباه جيل الشباب العربي عموما والمصري تحديدا نحو فرصة جديدة للاغتراف من بحور المعرفة المتنوعة والمتشعبة، التي تستلزم إعمال العقل المطعم بالعلم والعقل والصبر والأمل من أجل تحقيق الهدف المنشود، وذلك من خلال طرح الأسئلة والبحث المستمر عن أجوبة عنها.

لقد وجد عمر طاهر ضالته في عالم الكتابة الساخرة يتلاءم ومعطيات الحاضر الذي تشوبه التناقضات في مختلف المجالات، بغرض تدوينه وتوثيقه في قالب لا يخلو من النقد والاعتراض.

وقد نرى أن الأسلوب الذي استخدمه طاهر في "شكلها باظت" لا يخلو من اللكنة العامية المتداولة بين المصريين عامة أدرجها في شكل نقاط تندرج هي الأخرى تحت عنوان فرعي ركز على العديد من المواضيع، وهنا نذكر على سبيل المثال: عظيمة يا مصر، الوظيفة في مصر، الثقافة الجنسية للمصريين، مسألة الزواج في مصر، التدخين في عيون المصري، وزارات مصر، اختبارات كشف الجيل المصري...

ولا يمكن المرور دون التوقف عند كل سؤال يطرحه المبدع عمر طاهر بطريقة لا تخلو من التهكم أحيانا، حيث تمنحنا صورا واضحة عن كل قضية يعالجها كتاب "شكلها باظت"، كموضوع الوظيفة التي أصبحت الشغل الشاغل لكل شاب عربي متخرج من الجامعة وجاء السؤال كالآتي: - لماذا أصبح المصريون يكرهون الوظيفة؟! حتى أن الكاتب يرى أن الكثير من أهل بلده يفضل السجن على الوظيفة حيث يقول: (• يمكنك الالتحاق بالسجن في أي وقت بإرادتك وبمجهودك الشخصي.

• بينما الالتحاق بالوظيفة يحتاج إلى "واسطة" بالأساس.

• في السجن.. إذا كنت ملتزما تتم مكافأتك بتقليل المدة التي تقضيها..

• في الوظيفة إذا كنت ملتزما تتم مكافأتك بالمزيد من العمل، مما يعني المزيد من الوقت.) ص 45.

أما في ما يخص التربية وسط الجو العائلي فجاء سؤال طاهر كما يلي:

- إزاي تعرف إنك اتربيت في بيت مصري؟

وهنا يذكر الكاتب مجموعة من الجمل المتداولة في الأسرة المصرية أصبحت مستهلكة في نظره مثل: (• كفاية رغي في التليفونات.

• ما تقعدش قدام المروحة وأنت مستحمى.

• المسلسل مش هينفعك.. قوم.

• وانت فاكر احنا مستنيين منك حاجة؟!) ص 82.

هذا الكتاب لا يخلو من تلك الأفكار الأيديولوجية الجاهزة سلفا في واقع المصري وبصفة خاصة الشباب، وكأنها وجدت في حقل اختبار لمعرفة صلابتها وقوتها في مواجهة الأسئلة التي سيطرحها حتما كل شاب مصري أو عربي كذلك، وهذا ما جاء مثلا في سؤال المبدع عمر طاهر في مجال السينما: - إزاي تعرف إنك بتتفرج على فيلم مصري؟

وقد ضرب لنا أمثلة من ما تعودنا على مشاهدته في العديد من الأفلام التي يرى أنها قد أصبحت موضة بالية غارقة في الاستسهال والسذاجة:

(• عندما تجد الحارة كلها تصر على نبذ المذنب ومعاملته بقسوة على الرغم من إعلانه لتوبته.. الأمر الذي يبرر بمرور الوقت عودته إلى الجريمة.

• عندما تكون النهاية سعيدة دوما.. وعندما ينتصر الخير بضراوة على الشر الذي ظل مسيطرا على الأحداث حتى الدقائق الأخيرة من الفيلم.

• عندما يبرر الوصول إلى المجرم دوما بعبارة يقولها الضابط بسذاجة.. "ما فيش جريمة كاملة".

• عندما يصب البطل من زجاجة المشروبات الكحولية في كوب زجاجي طويل فيمتلئ عن آخره وكأنه يصب عصير قصب) ص 32.

ربما يحاول عمر طاهر أن يبرهن على أن نقد الآخر شرط لوعي الذات بنفسها كما جاء في سؤاله: - إزاي تعرف الزوجين اللي قدامك متجوزين جواز صالونات ولا عن حب؟

هنا يرى أن الناس تحكم دوما على الزوجين، ولكن لكل نوع من الزواج عيوبه ومميزاته في نظر الكاتب:

(• زوج الصالونات ترعبه كلمة خيانة وتوتره.. المتزوج عن حب تضحكه كلمة خيانة.

• زوج الصالونات تسمع منه دوما جملة "حماتي عندنا" المتزوج عن حب تسمع منه غالبا جملة "أنا عندي حماتي".

• أزواج الصالونات ملتزمون بالمواعيد.. المتزوجون عن حب يصلون دوما متأخرين.) ص 115.

وما يمكن استخلاصه من هذا الباب، هو أن وعي الذات في نظر الكاتب هو نفسه شرط لاكتساب القدرة على التعامل النقدي الواعي مع الغير.

إن للغرب ثقافة جنسية تختلف عن ثقافتنا الجنسية كعرب ومسلمين، حيث يشير إلى ذلك المبدع طاهر من خلال متابعة المصريين لثقافة الجنس عبر الصحف تحت ظلال لون واحد ألا وهو "الأحمر الفاقع" الذي قد يعيد إلى أذهاننا كليب اللبنانية نانسي عجرم الأخير "ما تيجي هنا" الذي لا يخلو من السوقية والابتذال في رأي النقاد، أين حاولت عجرم تقليد اللبنانية "هيفا وهبي" وهذا كما عبر عنه الفيسبوكيون: "الجميع يربط بين هيفا ونانسي، ولكن لكل واحدة ستايل معين؟ لربما تريد نانسي أن تخوض مستقبلا تجربة التمثيل كهيفا في فيلم دكان شحاتة؟!"

هنا نلاحظ أن شباب هذا الجيل له وعي خارق للعادة، فقد لاحظوا تشابه بين الفستان الأحمر الذي ارتدته هيفا في الفيلم -فستان أحمر فاقع اللون- والذي ارتدته نانسي هي الأخرى في الكليب الذي أخرجه المثير للجدل جو بوعيد، ولكن السخرية تمثلت في سؤال أحد المارة في كليب "ما تيجي هنا" للنجمة عجرم إذا كانت هي نانسي لكنها نفت ذلك.

هذا يعيد طاهر في هذا الباب للتحدث عن تجربة مشاهدة الفيلم الجنسي الأول بكل ما تحمله من صدمات دمرت معظم أبناء هذا الجيل حيث يقول: (أخطر ما في الموضوع أن يتم التعرض لهذه الصدمة بشكل جماعي وفي مكان عام، فقد انتشرت في تلك الفترة المقاهي الجنسية التي تغلق أبوابها على الرواد من الداخل لعرض أحد هذه الأفلام في "الفيديو بتاع المعلم" مقابل جنيه يتم تحصيله من كل زبون... وما أن ينتهي عرض الفيلم ويتم رفع الأبواب الصاج للقهوة حتى تجد بوكس الشرطة واقف ومدى ضهره للقهوة حتى تصعد إليه مباشرة وفي القسم يتصلوا بأبوك علشان يجي يضمنك، وهو نفس ما يحدث معك عندما تدخل سينما على بابا لمشاهدة فيلم لبناني قديم.) ص 101-102.

قد يصطدم الشاب بظاهرة غير سوية لكنها في نظر الكثير من الناس مباحة كما جاء في عنوان "نعم للتدخين" باللغة الانجليزية حتى يصبح الدخان والسيجارة في ما جاء به هذا الكتاب من اكسسوارات الشاب المصري وحتى الشاب العربي أيضا: (خذ بالك.. لا تستهين بجزئية إشعال السيجارة.. "رجاله بشنبات" انهارت أعصابهم بعد منتصف الليل وهم جالسين أمام علبة سجائر "بقفلتها" يحلمون ولو 'بحجر من سجيل' لإشعال سيجارة واحدة بعد أن نفذ الكبريت وفضيت الولاعة!) ص 157.

حتى هناك أسماء ذكرها المبدع طاهر تعلق بها الشباب المصري عبر الشاشة السينمائية والتلفزيونية حتى أصبحت موديلا للتقليد الأعمى في التدخين كرشدي أباظة، أحمد زكي، عمرو دياب، أحمد السقا...

مما يبعث على الدهشة هو الباب الذي يشير إلى الأقنعة التي يتوارى خلفها المصريون في عيون الشباب، وكأن الجميع أصبح يحترف التمثيل في مصر المحروسة حتى أن الكاتب يشير إلى ذلك في قوله: (ينزل المواطن "من دول" إلى الشارع-أيا كانت مهنته أو شخصيته أو وضعه المادي. وهو جاهز لأداء دوره في أي مسرحية تفرضها عليه الظروف، يستخدم الماسك المناسب لدوره والذي يحقق هدفه الأوحد وهو أن تصدقه الجماهير وتتأثر به وتصفق له.. والجمهور عندنا حساس جدا وبيحترم اللي "يثبته" جدا جدا.) ص 177.

في الختام، استطاع المبدع عمر طاهر أن يعبر عن مفارقات في المجتمع المصري أصبحت مرفوضة من جيل الشباب، بل باتت تحرضه بشكل غير مباشر على التمرد وجاءت بلكنة عامية في العموم، لا تخلو من السخرية الممزوجة باليأس والأمل في غد أفضل.



المصدر

(1) عمر طاهر: شكلها باظت، أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، 2005.

   *كاتب وناقد جزائري


الإبتساماتإخفاء