يحيى نبيل يكتب: زمن الشيزوفرينيا


زمن الشيزوفرينيا
بقلم: يحيى نبيل

هل سمعت من قبل عن مرض الشيزوفرينيا أو ما يسمى بانفصام الشخصية؟ يؤسفني أن أبلغك يا عزيزي بأنك مريض شيزوفرينيا!!

كل واحد فينا في لحظة ما ومن غير ما يحس، بيلاقي نفسه بيتعامل بـ "double standards"، يعني بازدواجية في المعايير، ودي حاجة بيعملها من غير ما يبقى واخد باله أصلا، ومش كده وبس، بيبقى عنده مبرر، والمبرر ده سبحان الله في مواقف تانية شبيهة بيختفي يعني الراجل اللي شايف إن ابنه عادي ممكن يسلم على بنت ويبوسها بوسة أخوية (زي ما هو بررها لنفسه) هو نفس الراجل اللي لو بنته سلمت على ولد وباسته برضو بوسة أخوية الدنيا هتقف وهتبقى نهاية العالم، الموقف واحد، والفعل واحد، والمبرر كان ممكن برضو يبقى واحد، بس المعايير تغيرت، وفجأة ما بقاش في حاجة اسمها بوسة أخوية، مش بس كده، ده أنت كمان ممكن تلاقي الشخص اللي طول النهار ينادي بالمساواة وإن كلنا ولاد حوا وآدم ولا للعنصرية ولا للطبقية، هو نفس الشخص اللي بيرجع  بيته يفطر في رمضان وسط عيلته وأهله وحاطط أكل للست اللي بتنظف البيت (الخدامة) في المطبخ عشان ما ينفعش تبقى قاعدة معاهم على نفس السفرة تاكل، عيب! لكن تغسل له ملابسه الداخلية وتنظف له الحمام ويتهد حيلها في الشقة عشان ملاليم ده مش عيب! طبعا هو ما فكرش في إحساسها إيه وهي بتاكل لوحدها في المطبخ، وطبعا هو مبرر ده بـ إنه سايبها في المطبخ عشان تبقى براحتها وما تتكسفش، بدل ما يجيبها تاكل معاهم ويحاول يخليها ما تتكسفش!

نفس الكلام، الناس اللي بيبقوا واخدين معاهم جليسة أطفال ورايحين مطعم أو خارجين، ولما ييجي الأكل يخلوها تقعد على ترابيزة لوحدها، أو تاكل بره أصلا.
نفس الأشخاص دول لو حسوا بـ سنة طبقية من حد أعلى منهم في المستوى الاجتماعي ممكن ما يناموش بالليل.

لما ولد صغير لسه مطلع بطاقة واخد واحدة صاحبته ورايح يعزمها على غدا بره، ويجيله الـ "waiter" اللي قد أبوه، ويبقى بيكلمه وهو حاطط رجل على رجل، هو نفس الولد اللي لما بييجي صاحب أبوه يكلمه بينزل رجله؛ لأنه عارف معلومة إن دي حاجة عيب، لكن في موقف الـ "waiter" المعايير برضو تغيرت.

الراجل والست اللي شافوا إن ما ينفعش جوز بنتهم يمد إيده على بنتهم أو يزعق لها مهما كان السبب، هما نفس الأشخاص اللي لما ابنهم اتجوز ومد إيده على مراته أو زعق لها، كان عنده حق لأنه عمل كده لسبب ما، سبحان الله بعد ما كان مفيش سبب يخلي واحد يعمل كده!

أمثلة كتير وحاجات كتير بنعملها فيها ازدواجية في المعايير، ومش فارق معانا ولا هاممنا، طالما بعيد عننا ومش إحنا اللي متضررين.

ممكن حد ييجي يقول لي إنه مش بيعمل الأمثلة اللي أنا قلتها دي، فـ كده هو في السليم، عادي، أنت ممكن تكون ما بتعملش دول فعلا، بس دور كويس هتلاقي حاجة في حياتك فيها شيزوفرينيا أكيد.

اللي عايز أقوله إن إحنا محتاجين فعلا نراجع نفسنا في حاجات كتير قوي بنعملها، ولازم نبص لـ أي موضوع من كذا ناحية؛ عشان يفضل اسمنا بني آدمين، وما نفقدش نعمة الشعور والإحساس ونتحول لكائن عايش بياكل ويشرب بس.

بلاش تبرر لنفسك كل حاجة وتقول مفيش مشكلة، لأن إحنا فعلا بقينا في زمن الـ "double standards"، وأول طريق للعلاج من مرض هو الاعتراف بيه، فأبشر يا صديقي، فكلنا مرضى شيزوفرينيا!!


الإبتساماتإخفاء