أحمد خضر أبو إسماعيل - موعد مع صديق




موعد مع صديق

بقلم : أحمد خضر أبو إسماعيل
                         الجزائر




قبل أن ترتقي روحها إلى الملكوت الأعلى وعلى فراش الوداع كان هو اللقاء الأخير الذي جمعهما تحت سماء واحدة . ابتلعت قليلا من لعابها الذي جفّ داخل ثغرها, بلت بما تبقى منه شفتيها اللتان أصابهما لونٌ لم يعتد رؤيته حينما كانت تبتسم منذ زمن لونٌ قريبٌ إلى الزرقة , كانت عيناها تلتمعان استطعت أن تكبح جماح دمعتين ثائرتين تسابقتا بعد برهة متعثرتان بتجاعيد عقود من الزمن , ياله من زمن حرمها من سواد شعرها حيث امتزجت تلك الضفائر المجهدة ببياض كئيب المعالم .

قبل أن تنطق تلعثمت بغصة استوطنت مؤخرة كلامها منذ أعوام غابرة وقالت

يابني واتبعتها ابتسامة أعادت إليها حروف الكلمة نشوة الأمومة المثقلة بالهموم : من الصحيح أني خلال عمر قضيته لم استطع أن أفك لغز الأبجدية ولم تمتلئ جدران بيتي سوى شهادة والدك في الحرب لكن تيقن أن في هذه المدرسة الكبيرة تعلمت جيداً وربما كنت من المتفوقات وابتسمت مجدداً وداعبت خصلات شعره التي انسدلت على جبهته وتابعت بصعوبة : لا أستطيع أن أطيل عليك ولربما الخالق لم يمنحني وقتاً كافياً وقالت ممازحة ثمانية عقود لم تكفني وقبل أن ينبس بحرف أرخت سبابتها على شفتيه وقالت: هي إرادة الخالق فلا تعترض , ولا تنسَ صديقك الأبدي .

مسح شيئاً من الدمع كان قد كلل وجهه ورمى بنظرة إلى صديقه الأبدي وقال : هكذا ياصاح أخبرتني قبل أن ترحل وأوصتني بك كثيراً, قالت لي منذ الصغر : إذا ضاقت بك السبل وصمت جميع الأذان عن سماع صوتك سأجدك قريباً مني تتلقف خطواتي في شوارع المدينة تسير حيث أسير وكانت تحبك جداً لأنك تشابهني في كل شيء حتى في طريقة المشي والجلوس و تابعت يومها بأنك ستتكتم على كل أسراري ولا تفشيها لأحد أياً كانت الأسباب ولا تشي بي حين أكلمك عن رموز الفساد في بلادنا ولا حتى عن تجار البشر أو تجار العقول نعم ياصاح كانت تحبك كثيراً .

ألا تذكر حين كلمتك عن أعراض سن البلوغ لم أثق حينها بأحد سواك يالها من أيام ,أرفقها بإبتسامة خجولة , وتابع قائلاً :لكن سأقول لك سر جديد قرأت في طفولتي عن المستحيلات الثلاث كان أحدها الخل الوفي وحين كلمتني أمي عنك ظننتها تهذي وابتسم الشاب حينها بشيء من الحرقة وتابع الأم لا تهذي ياصديقي أليس كذالك ؟ أعرف بأنك توافقني الرأي ونظر إلى الصديق الأبدي بشيء من الأخوة ونهض على قدميه واستدار وجهه عن صديقه الذي راح يتبع خطواته بهدوء ويستمع إلى حديث الذكريات في طريق العودة في كل زاوية من هذه المدينة تتفتح ذكرى جديدة كان الشاب  يروي قصصاً متتابعة يرفقها بضحكات عفوية والصديق كان يسير بجانبه يصغي بصمت , تبادر إلى ذهن الشاب خطا تتبعه وعكاز يقرع الطريق خلفه اعتراه شعور بالخوف اليوم وعلى غير عادته بعفوية غير مسبوقة كان يرفع صوته في حديثه بين الفينة والاخرى شعر بشيء من القلق والتفت إلى الخلف بحذر وإذ بشيخ مسن يسير خلفه وراح يرمق الشاب بدهشة عارمة باغته الشاب عفواً ياعماه لماذا تتبعني ؟

لم يجب الشيخ وتابع النظر بدهشة أكبر, اقترب الشاب بحذر أكبر وأعاد السؤال بعد أن وضع يده على كتف العجوز

انتفض الشيخ وقال ابتعد عني .

تفاجئ الشاب من التصرف وأدار وجهه عن العجوز ظناً منه أن الشيخ خرف وقبل أن يخطو من جديد

تكلم الشيخ أنت يابني : مع من تتحدث , منذ أن جلست على المقعد وأنت ترمق الأرض وتتحدث وها أنت تسير وضحكاتك مثيرة للدهشة هل تحتاج لمساعدة

شعر الشاب بشيء من الخجل وبنبرة مذعور قال أكلم صديقي

رد الشيخ : متعوذاً بالله أي صديق؟  أنت وحدك منذ رأيتك

نظر الشاب إلى الأرض وأشار بسبابته هاهو

انتقلت عينا الشيخ الغائرتان في وجهه لترمق اسفلت الطريق لكن لم يلحظ شيء

تابع الشاب هل رأيته ؟

ابتلع الشيخ لعابه بخوف ظناً منه بأن الشاب مصاب بالصرع ونهض حاجبيه إلى أعلى

وقال : لا

وأعاد  النظر إلى المكان نفسه , لكن لم يستطع أن يلمح شيئاً وضع الشاب يده على كتف الشيخ وقال: للمرة الأولى أعرف أن صديقي الأبدي لا يراه سواي انظر كيف سيتبعني ورحل الشاب تاركاً الشيخ في ذهول.

لم يك الشاب يجرر خلفه سوى ظله لم يدرك حينها الشيخ أن هذا الظل صديق كل إنسان يرافقه منذ الولادة حتى الموت فلا يفضح سراً ولا ينفعل غضباً من تصرفاتنا ولا نحتشم من كلماتنا النابية أمامه  فهو نحن  إنعكاس لأنفسنا و أرواحنا التي  ترتسم على أي شيء .
.


الإبتساماتإخفاء