د. محمد يوسف - وِحْدَة



وِحْدَة

د. محمد يوسف 

أنا والليل غريمان .. يتصارعان حول حكايةِ المساء .. الليل يحب القراءة وأنا أعشق الشفاهة .. تبادلنا الأدوار لوقتٍ محدودٍ .. فكتبت أنا ما أملاه الليل عليّ فلم نعد غريمان بل شريكان يتقاسمان تركة البداية لكننا افترقنا قبل النهاية.

الأسفلت طريق طويل قد يبدأ ولا ينتهي أو ربما أنتهى دون بداية محددة  الأعمدة المحيطة به على جانبيه تحاصره بسياج معدني يلمع في الليل يُشاطِرُ لَمباتهِ نَزيفَ الذكرياتِ المُتدفِق ..الذكريات ليست كُلها للبشر للأشياء حِكاياتُها وأروِقَةِ مسامرتها ..لِلحوانيتِ والمقاهي أَشكالها وأَسباب سَعيها وَنشاطها .أشكال ثابتةٌ وجامدة لا تتغير إلا بتحريك زاوية النظر إليها والادعاء بأن شيئًا ما قد تغير ..عُمَّالٌ يَرصُّون بَضائع .فناجين قهوة تسكب في أفواه عجوزة وشابة ..الليل يهجع في المدينة لكنه هنا في هذه البقعة يرسم للمدينة حدًا فاصلًا بين نهار مضى وليل صاخب يوقع حضوره .سكان الليل ليسوا بأكثر روعة من مخلوقات النهار الدؤوبة هي نفس الكائنات تشبه الأشياء لكنها ربما اكتسبت مزاجًا رائقًا يخفف قليلًا من التماعها النهاري .لكل فم مفتوح في الليل قصة يرويها ولكل فم معقود قصة محتملة .ليست كل القصص جديدة وليس من اللياقة أن تقابل النكتة القديمة باستهجان لعل ضحكتك عليها تحول ملل إيقاعها المتكرر إلى صفاء مألوف يعيد ترتيب علائق البشر كمكعبات الدومينو المرصوصة على طاولات المقاهي ..من حسن الحظ أن الشمس لا تغيب عن الأرض في وقت واحد فمن العدل أن يمرح نصف سكان الأرض في حين يسعى النصف الآخر وبين المرح والسعي والنوم واليقظة هناك من لا يشاطر أهل الأرض عاداتهم الجميلة ليحتفظ بأوصاله مجمدة في صقيع الحياة ولم لا وكل شيء يشبه الآخر والآخر كمثل الآخر وحتى هذه اللغة الواصفة الرتيبة التي تصف الرتابة بعينها هي إحدى الأشياء التي تدور في فلك الأشياء لا جديد غير أن نعود مضطرين إلى بطلنا هذه الليلة التي رغم كل ما فات من أمور اعتادها بكل أريحية بات يشعر بالوحدة تأكل بيارق خياله الذي يطارده ..وللظل سكن يؤنس أحيانًا و يضايق أحيانًا أخرى ..وفى ليلته هذه بالتحديد أصيبت أغلب الأضواء بحمى الأفول فارتاح من تعقب ظله مؤقتًا ..لم يعد يطيق هوايته الاثيرة-الوحيدة في تفحص الأحرف الأولى من الأسماء داخل القلوب المرسومة على أعمدة الإنارة ..قصص العاشقين أصبحت تتعبه حفظ كل الأسماء تقريبًا ..بماذا تفيد وليس من ضمنها اسمه ..إعلانات الأطباء والأحزاب والانتخابات ازدحمت بها الحوائط وأسوار البنايات وفشلت في أن تهدئ من أحساس وحدته ..العابرين والحافلات كل يسير في حاله ولا يعيره بالا ..فتش في ذاكرته لعله يجد حدثًا أو شخصًا يقيم معه حوار لكن دماغه أضحى خاويًا من التفاصيل المثيرة وغير المثيرة ثم تذكر فجأة أنه جوعان ..إنها رائحة بعض المشاوي والأطعمة المنطلقة من مراجل المطاعم سيلت لعابه دلف لأحداها أسلم جسده لأريكة تمتص قلقه ..ومدد راحتيه على الطاولة ونادى على الجرسون..

- سباجيتي بالمفروم من فضلك و ..أتوصى بالصوص

في انتظاره للوجبة سرحت عيناه في المكان موائد .صحون .ملاعق يعلق على حوافها الكلام .عاشقين وعاشقات .أصحاب .عزائم .حوارات .نميمة .عتاب .خصام وصلح .أصوات زاعقة وأخرى ناعمة وروائح متعددة بتعدد ألوان البشر واطيافهم صفقات تعقد .قرارات تؤخذ زواج .طلاق ومشاريع مؤجلة وأخرى جاهزة للتنفيذ 

حساء من لحاء المطعم تشكل أمامه ومنحه شيئًا من أنس في أوجه رواده وزبائنه ..عندما وقعت عيناه على طاولة أمامه لا يجلس على كرسيها إلا شخص واحد ..ابتسم وقال في نفسه

-لست وحدى الذي أتي إلى هنا بمفرده ..لست المفرد الوحيد في هذا العالم .

لم ينتبه إلى صوت الشوكة وهى تصطدم بالطبق الصيني الفارغ وترتفع إلى فمه خالية من أعواد المعكرونة اللذيذة  هناك علاقة ما بين الوحدة والطعام نادى على الجرسون مرة أخرى ليطلب وجبة أخرى ..وحين بدء الشبع يظهر علاماته فوق حزامه خبى فضوله في تفحص الوجوه لكنه تسمر في اتجاه واحد حيث لاحظ أن الطاولة التي أمامه تراقبه ..وجه متخفي في نظارة سوداء ومتشبث بأناقة فوق رابطة عنق فوسفورية فاقعة اللون ..لم يبالي وحاول ألا يشغل باله بظنونه الواهمة .حدث نفسه قائلًا:

-نظارة سوداء وداخل مطعم في المساء لما كل هذه الجليطة وكيف لم أنتبه إلى هذه النظارة حين رمقته للوهلة الأولى 

أنهى وجبته الثانية ..طلب مشروبًا ..لكنه فوجئ بالآخر يطلب نفس المشروب.

هنا بدا الظن في التحول إلى شبه يقين خصوصًا وأن الوجه ذو النظارة السوداء لم يرفع عينيه عنه حتى في تلك اللحظات الخاطفة التي يرشف فيها مشروبه البارد فإن عينيه لم تتركه أبدًا. بدأ الارتباك يضخ بعضًا من الدماء المحملة بالأدرينالين في عروقه ..تظاهر بالوقوف فإذا بالآخر يقف مثله أدخل يده في جيب بنطاله فحدث نفس الشيء أمامه ..إن ذاكرته تومض الآن لأول مرة منذ أمد ليس بالقصير لكنها تفزعه ترى ماذا يريد منه ذلك المتحذلق الماكر.

أيكون هو هل يعقل أن يكون هو بالفعل وقبل أن تأتيه الإجابة لمح ذلك المسدس في أحدى يديه أسفل الطاولة.

المسدس موجه نحوه وشذرات الشر أحاطت بالنظارة السوداء فأكسبت وجه الآخر ملامح القسوة 

لابد أنه أحد أتباع ذلك المجرم الذي شهد ضده في إحدى القضايا ولابد أنه قد أوكل إليه الانتقام منه نيابة عنه .

راسه تكاد تنفجر تلك التي كانت خاوية الذكريات منذ قليل .

اصبح كل ما يشغله أن يفكر في طريقة مهذبة للخروج أو الهروب لكن الآخر لم يترك له مجالًا فكل حركاته مراقبة بدقة وكأن النظارة السوداء تخفي وراء تمويهها رادارًا يسد عليه كل منافذ الخروج .

طلب مشروبا آخر تجرعه دفعة واحدة 
ازدحمت مائدته بالكؤوس الفارغة 

لا مفر إذا من المواجهة ..فالتخرج رصاصة الرحمة وتريحه من عذاب انتظار البلاء لا يوجد قانون لدى هؤلاء ..فقانونهم ألا قانون يحاكم من يشهد ضدهم إلا القتل 

نكس راسه للأسفل وأغمض عينيه واستسلم لمصيره 

لكنه ما لبث أن صرخ صرخة الحياة 

حين سمع صوت الجرسون يحيي شخصًا آخر دخل المطعم للتو ويخبره بأن مضيفه في انتظاره 

فتح عيناه ..ونظر باتجاه الأمام ليرى روحه وقد عادت إليه مع ميلاده الجديد 

أمسك الضيف بيد مضيفه وأخذ منه المسدس ليشعل لفافة تبغه شاكرًا إياه على هديته اللطيفة ومعتذرًا له على التأخير في حين أخذ من الجرسون العصا الآبنوسية المذهبة قبضتها والتي سوف تساعد مضيفه الأعمى على الخروج من المطعم بعد أن ينهيا لقاؤهما .

تنفس الصعداء ..دفع الحساب ..وخرج من المطعم

لديه الآن فرحتان وحسرة فأما الحسرة فلأنه أكتشف أنه حتى الذي ظن إنه بلا صاحب في المطعم لديه صاحب بالفعل وأما الفرحتان ..ففرحة روحه التي أنقذتها الصدفة وفرحة أنه اصبح أخيرًا يمتلك خبرًا يمكن أن يحكيه لأحد أي أحد

لكن عليه أولًا أن يفتش عن أحد يسمع منه ليمكنه في المقابل أن يحكي له .عاد لأسفلت الطريق ..سار في عكس اتجاه طريق أحادي الاتجاه ..اشتعلت أضواء الأعمدة المعدنية ..وعاد ظلله للظهور ..وجد أمامه لافتة كبيرة علقت بين عمودين كتب فيها :حمد لله على سلامتك لكن في المرة المقبلة أحذر من السير وحدك في سكة اللي يروح ولا يرجعش .





الإبتساماتإخفاء