عبد القادر كعبان - "عيون البنفسج" لعلاء الديب اعترافات شاب بين الوحدة والتيه


رواية "عيون البنفسج" لعلاء الديب: اعترافات شاب بين الوحدة والتيه

 



بقلم:عبد القادر كعبان
abdelkaderkaben@yahoo.fr

تبدأ الرواية الموسومة "عيون البنفسج" للمصري علاء الديب بمقدمة، تشير إلى أنها اعترافات من سيرة بطل القصة تامر فكار ابن أستاذ الجامعة السابق منير فكار والسيدة سناء فرج، أضاف إليها الكاتب بعض الأشياء من خياله الخصب.

منذ البدء يدخل هذا النص الروائي في إعلان هويته المتعلقة بجملة من الذكريات للشاعر تامر منير فكار، إذ ينهض ضمير المتكلم بصوغ المحكي كما نقرأ فيما يلي: "لو أن لي من العمر ألف سنة لما تحركت ثقيلا هكذا، فاقدا للحماس، هل هي آثار الليلة الماضية، والكيوف المختلطة والدخان الذي لا ينقطع، أم هو الثقل المعتاد والإرهاق الذي لا مبرر له الذي أشعر به كثيرا فوق قلبي." (ص 205).

إن السرد بضمير المتكلم في "عيون البنفسج" يوهم بواقعية التجربة وحقيقة الشخصيات عموما، والسارد لا يكتفي بنقل الأحداث بل يشارك في صنعها، وهذه الصيغة أتاحت للبطل تامر إمكانية البوح بأحاسيسه واستحضار ماضيه وعلاقته بالحاضر، كما جاء في المثال الموالي: "جئت إلى هذا المقهى مرة وأنا صغير مع أبي وشربت مشروبا أحمر باردا في كوب كبير، كان مكانا جميلا مفتوحا والشمس تسقط على البلاط النظيف.. ابتسم الجرسون العجوز يومها في ود وحرارة. إلى نفس هذا المقهى، رجعت طوال عمري، عندما صرت وحيدا في هذه المدينة المرعبة، رجعت إليه دائما كما تهرش في جرح قديم." (ص 206).

تعود بنا شخصية تامر فكار إلى عالم طفولته البريئة، حيث يستوقفنا مرضه وعلاقته بزملائه في المدرسة، التي لم تكن تروق له في كثير من الأحيان، كما جاء ذلك على لسان السارد: "كانوا يسخرون من لهجتي ومن نطقي لكلمات 'الدجاج' و'السيارة' ومن عدم معرفتي بألعابهم ومصطلحاتهم التي كنت أكتشفها بفرح حقيقي واهتمام. لم يسمحوا لي بمكان بينهم وأنا لم أكن أريد. سادت أيامي الأولى هنا معهم عدوانية وإعجابا بشروري الصغيرة." (ص 209).

تبدو سيمات الوحدة والتيه في حياة تامر فكار واضحة الملامح منذ الصفحات الأولى للرواية، التي تحفز بدورها القارئ الفضولي لمواصلة رحلة القراءة لتتبع مسار هذه القصة، كما هو شأن حديث البطل عن صديق والده الكاتب والرسام السيد شوقي عامر وعن شقته التي جمعته برفيقة دربه وحبيبته الكاثوليكية كارين: "في الأيام الأولى والحب مازال مترددا كطائر يتقدم ويفر هاربا.. كان كل شيء يبدو مستحيلا جاءت من بولندا تزور ثلاثة أو أربعة بلاد في المنطقة، تعد رسالة في الجامعة بعنوان 'الفنان يعمل' تكتب وتصور الكتاب والفنانين وهم يعملون، تكبرني بست سنوات، تعرف أشياء كثيرة، حضورها سحري آسر، وجودها معي بلا ثقل كأنها موجودة منذ القدم." (ص 212).

يقوم الكاتب بتحليل نفسي لشخصية البطل، كما جاء في وصفه لحالة تامر الطالب الجامعي المستهتر، حيث نقرأ ذلك على لسان السارد كالآتي: "طالب في الجامعة ولست طالبا. أشرفهم بزيارتي يوما وأنسى أمرهم لشهور. حتى الامتحانات هناك أعذار وشهادات مرضية. ليس ورائي أحد. من يعرفون أبي من الأساتذة القدامى اقتصرت علاقتنا على ابتسامات باهتة نتبادلها عن بعد وسط الزحام." (ص 216). 

وحده الشعر ما كان يواسي البطل في وحدته، وكذا علاقة الصداقة التي جمعته بطالب الحقوق حسين كاظم والتي كانت متنفسا لتوتره وأرقه المتواصل: "أسترد أوراق القصيدة في هدوء وأنا أقول الكلمات التي تقال عادة في هذه المواقف ووقع علينا صمت مريب زاد من كآبة المقهى ومن ثقل تلك الساعات الثقيلة التي تسبق العصر وتعقبه." (ص 207).

تمركزت ذات البطل تامر داخل الذاكرة، لتستعيد ذكريات ذلك الصدر الحنون، مربيته نجية التي اختفت بعدما تفككت أسرة فكار، ليعود ويجدها من جديد مثلما ورد في قول السارد: "وجدتها في بيت داخل حواري 'بحري'. بيت رفيع أبيض محشور بين عمارات صغيرة بذيئة. كأن البيت بني عليها باليد وهي بداخله. تسكن في غرفة مسروقة بين الطوابق. لها نافذة واحدة طويلة، يدخل منها ضوء بنفسجي رقيق تستقبل دوما نسيم البحر." (ص 222).

هناك انسجام واضح بين البطل تامر ومدينة الإسكندرية التي لطالما تذكره بحبيبته كارين، وهناك تسكن والدته كذلك مع زوجها هاني قبطان المليونير الذي توفي بعد زمن من جرعة هروين زائدة: "الإسكندرية في حياتي كأنها 'كارين' حبيبتي، عيون البنفسج، لها نفس اللون والضوء المستحيل. تنعش كياني ولا أشعر بثقل لها." (ص 221).

يتذكر تامر أخته لمياء بحسرة وهي تقع في نفس حماقة أمه، أين تزوجت مع التاجر الفاحش الثراء ابن الباجوري، وهي لا تزال طالبة في كلية التجارة ولم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها وكل ذلك ناتج عن فعلة هاني قبطان، مثلما يشير إلى ذلك المقطع السردي التالي: "وافقت الغبية الحمقاء. طمعت وسالت إفرازاتها الأنثوية. سحبها ابن الباجوري إلى الجحيم الجديد المكيف الهواء. عندما وجدت وقتا لكي تسألني رأيي قلت: أنت حرة.. اسألي بريد الأهرام!." (ص 224).

تسهم دقة علاء الديب في نقل ذكريات بطله وتفكيره، ليشارك القارئ في واقع يعيشه العديد من شبابنا المثقف اليوم، حيث تنقلنا شخصية تامر للحديث عن وفاة والده المفاجئ وزواجه من امرأة أخرى وما خلفته هذه الحادثة من أثر في نفسه: "أخذت أبي إلى داخلي كي أنفرد به. لم أكن أريد أن أحكم عليه أو أحاكمه. كنت أريد أن أجده. أن أتعرف عليه. أفتقده أحيانا كثيرة. وأغضب منه وعليه ثم أعود فأراه وحيدا مطرودا يسير في شارع موحش بلا نهاية." (ص 228).

يلاحظ أن الكاتب وظف تقنية المنولوج الداخلي لاسترجاع أيام من طفولة البطل وكذا مخاطبة النفس كما نقرأ ذلك في الصفحة 240، حينما يحدثنا البطل عن علاقته بابن الخادم حلمي الذي كان مريضا بداء الصرع: "عودته من النوبة كانت شيئا جميلا، كأنه الصباح يعود من جديد. حياة حلمي حية واسعة مليئة. كأن يعيش في خلية نحل أو في مدينة بناها النمل تحت الأرض. بادلنا أنا وهو حياتي بحياته، أحب حياته جدا، ويومه المزدحم، أحب -أيضا- أن يبقى معي طوال الوقت يحكي ويتفرج على الصور. عندما أكون مريضا ويبقى هو معي في الغرفة كنت أشعر بدفء وضوء غريبين يملآن المكان، وعندما يذهب كانت الغرفة تعود باردة كأنها قبر من رخام.".

تود الرواية أن تكشف مجملا عن حالة شاب يعترف للآخر -القارئ- عن جملة من ذكرياته بين الوحدة والتيه بمتعة لا تخلو من الأسى، جاءت بلغة بسيطة وسلسة، كشفت عن ذات ربطتها الحياة بشخصيات ايجابية وأخرى سلبية تركت بصمتها في يوميات بطل المبدع علاء الديب بامتياز. 


المصدر

(1) علاء الديب: عيون البنفسج، دار الشروق،1999.

*كاتب وناقد جزائري





الإبتساماتإخفاء