د. محمد بالدوان - الحب اضطرار وليس اختيارًا



الحب اضطرار وليس اختيارا

بقلم د. محمد بالدوان

لقد وافق ابن حزم نهج الجاحظ، فاستهل رسالة "طوق الحمامة في الألفة والألاف" بإثبات مشروعية العشق والغرام عبر تحليل عقلي-نفسي، فصح عنده أنه "استحسان روحاني، وامتزاج نفساني" وأنه لا إرادي وطبيعي كقوة المغناطيس مع الحديد، "تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وليس بالاختيار والتعمد"1. بل إنه لم يتورع عن ذكر بعض خصوصيات الاتصال الجنسي، مثلما فصل ذلك الجاحظ في كتاب المفاخرة بين الجواري والغلمان.
وما حمل ابن حزم على سلوك هذه الوجهة اعتقاده الإباحة في هذه المسألة، إذ  لا يجوز له أن يحرم ما أحل الله، ولم يهمل مخالفيه بالإشارة قائلا: "أنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين على تأليفي لمثل هذا ويقول: إنه خالف طريقته، وتجافى عن وجهته، وما أُحل لأحد أن يظن فِيَ غير ما قصدته، قال الله تعالى عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}"2
ورغم كل ذلك فهو يستغفر الله عن كل تقصير أثناء كتابته في موضوع الألفة والألاف الذي "إن لم يكن من اللغو الذي يؤاخذ به المرء فهو إن شاء الله من اللمم المغفور(...) وعلى كل ليس من الكبائر التي ورد النص فيها"3.
ويورد أبياتا شعرية مدافعا بها عن نفسه، ومبينا إحاطته بعلوم الشرع ووقوفه عند حدود الله:
يلوم رجال فيك لم يعرفوا الهوى
يقولون جانبت التصاون جملة
فقلت لهم: هذا الرياء بعينه 
 
وسيان عندي فيك لاح وساكت
وأنت عليم بالشريعة وقانت
صراحا، وزي للمرائين ماقت4 
إن عدم التمكين لرؤية ابن حزم في مسألة الحب وعلاقة الرجل بالمرأة، جاء بنتائج سلبية على أمتنا وحضارتنا داخليا وخارجيا. وسأخص هذه المقالة بالنتائج السلبية على المستوى الداخلي.
اصطبغ المزاج الأخلاقي الاسلامي لفترة طويلة بمبدأ سد الذرائع والتحوط إلى يوم الناس هذا، لكنه لم يحرز نتائج إيجابية، فالخوف من تفشي المعاصي والوقوع في المحظور لم يوقف  زحف الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فكانت الخسارة من جهتين: فساد أخلاقي من ناحية، ومن أخرى تم تبديد صورة مشرقة معتدلة لفكرنا وحضارتنا عن قضايا العشق والجمال، تلك التي رسمها ابن حزم بجدارة، إذ كان يرمي من خلالها إلى إيجاد نقطة المركز القريبة من جميع الأطراف لتقوى بينها فرص التواصل.
فقد كان الغرب المسيحي منذ العصور الوسطى يعتبر هذا التصور الإسلامي الفطري المعتدل إغراقا في "الشبقية التي لا تعرف حدودا ولا عوائق".5 بل إلى وقت قريب أحجم المستشرق شارل بيلا عن الخوض في مقاربة الجاحظ لمسائل الحب والجنس قائلا: " يطرق باب الحب والعشق والأمور الجنسية في كتاب المفاخرات بين الجواري والغلمان وغيره مما لا يمكنني أن أتكلم فيه لسخفه وقلة حياء المؤلف"6 .
شجع موقف الحضارة الإسلامية الايجابي من الحب العفيف بعض كتابنا المحدثين من تأليف كتب جريئة، ومن أبرز هؤلاء عبد الحليم محمد أبو شقة، الذي ألف كتابه الوحيد الموسوم بـ "تحرير المرأة في عصر الرسالة" في زهاء عشرين سنة، وسبب تأليفه الكتاب هووقوعه إثر بحثه في مجال السيرة النبوية على "أحاديث عملية تطبيقية تتصل بالمرأة وبأسلوب التعامل بين الرجال والنساء في مجالات العمل المختلفة"، وقد فوجئ بهذه الأحاديث التي قال عنها بأنها كانت : "تغاير ما كنت أفهمه وأطبقه، بل ما تفهمه وتطبقه جماعة من المتدينين "7.
ويقول في معرض حديثه عن مشروعية الحب وضوابطه قبل الخطبة: "إن الحب حين يكون عاطفة إنسانية بين اثنين من الرجال أو النساء فإنه يحمل كل معاني التآلف والانسجام والتقدير (...) ونحسب أن الأمر كذلك حين يكون بين رجل وامرأة. فإن اللقاء العارض يصح أن يكون بداية طريق الحب لا أوجه وقمته، أي هو خطوة البداية، تتوالى الخطوات بعده وتتقدم حتى تصل إلى الأوج أو تتراجع حتى تصل إلى القاع"8.
إن حضور المقاربة العقلية والنفسية لقضايا العشق والجمال، ولو كان حضورا خافتا على امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية، شكل أحد النقاط البارزة التي أفادت الحداثة الغربية، وذاك ما سأتناوله في المقالة القادمة بحول الله.


1 رسائل ابن حزم، رسائل ابن حزم، تحقيق إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.ج1ص: 97
2  رسائل بن حزم، م س، ص: 308
3  المصدر السابق.
4 - نقلا عن محمد الصادق عفيفي، الحب ومذاهبه النفسية من خلال طوق الحمامة، مكتبة الوحدة العربية، الدار البيضاء، 1979، ص: 33-34.
5 - خوان غويتسولو، الإستشراق الإسباني، ترجمة كاظم جهاد، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت= 1987، ص:98.
6 شارل بيلا ، أصالة الجاحظ، نشر دار الكتاب، لجنة المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، 1961-1962، ص: 20.
7 - عبد الحليم أبو شقة، تحرير المرأة في عصر الرسالة، الجزء الأول، دار القلم، ط1، الكويت، 1990،
ص: 28

8 المصدر السابق، ص:48


الإبتساماتإخفاء