مروة رضا النباصي تكتب: شروق

شروق

بقلم: مروة رضا النباصي




المشهد الخارجي:

منظر بديع لشروق الشمس، يشرق معه يوم جديد من أيامها التي تناضل فيها، تمسكا بأمل غد افضل، تسبح بعينيها في فراغ غرفتها حتى تسقط عينها عليه، يبدو كملاك نائم، تبتسم وقلبها يدعو أن يكون يومهما أفضل من سابقه، ترجو الله أن تحلو أيامها وأيامه، تتضرع أن يعوض الله صبرها عليه وعلى حياتها خيرا، تلمح هاتفها فتنتقل أناملها بين أرقامه، تدير رقم والدها الحبيب، تسمعه نغمات رنينها، وتغلق ليرد عليها برنات أخرى تمدها بالكثير من الارتياح، وكأنها شهادة أمان تحرص على أخذها قبل أن تغادر سريرها.

تنهض إلى تسريحتها، تهندم خصلات شعرها الثائر، وتذهب مسرعة إلى قطرات المياه التي تعشقها، وكأنها حينما تخبو تأخذ معها شقاء أحلامها، تلتف بمنشفتها مسرعة إلى كوب قهوتها، تعدها باهتمام، تتشمم في رائحتها روائح النشاط. 

تبدل ملابسها وتتجه إلى شرفتها، فلا أجمل من بدء يومها بمنظر رائع وكوب من القهوة الرائعة.

تتصفح الجريدة، أخبار العالم لا تتغير، حروب هنا وأعاصير هناك، خلافات هنا واختطاف هناك، سرقة هنا ودمار هناك، يا إلهي، أخبار الداخل غلاء وجرائم، أخ يسرق أخاه، وأب يقتل ابناءه، زوج يخون وآخر انتحر لأنه "لا يعرف!!"، كل هذا حصيلة للغلاء المدمر الذي يجتاح البلاد، وكأنه وباء يأكل عقول الناس قبل أن يأكلهم الجوع.

أغلقت صحيفتها، ليس هذا ما تمنت أن تبدأ به يومها، لكنها تلك العادة اللعينة التي ورثتها عن والدها، أيامها معه كانت جدا سعيدة، لا هموم ولا مسؤوليات، قلب مرتاح، وعقل لا ينشغل إلا بكيفية قضاء يومها، اعتادت في هذه الأيام أن يقدم لها أكثر مما تتمنى، الكثير من الحب، الكثير من التضحية، الكثير من العطاء، دون انتظار لمقابل، كانت تتفانى في كيفية رد الجميل، ولم يكن سوى الاستمتاع بكل هذا، لم يكن ينتظر منها حتى كلمه شكر، أما اليوم فها هي تتفانى في كيفية العطاء، تعطي الكثير من الحب والكثير من التضحية، والكثير من الحنان، وهي أيضا لا تنتظر شيئا سوى نظرة سعادة، وتكفيها كلمة حب.

ها قد انقضت الساعات، وبات وقت استيقاظه وشيكا، فهل جهزت له كل ما يحتاج على الوجه الذي يحب؟

تتفاجأ بيده تلتف حولها، تأخذها من استغراقها، وتسمع همس أنفاسه في أذنيها، يقولها بكل الحب:

-      صباحك سعيد مشرق، إشراق حياتي بوجودك.

تهمس هي له:
-      صباحك أسعد.

تلتقي عيناهما، وهنا تصحو من غفوتها لتسبح بعينيها في فضاء غرفتها، وتسقط عيناها على مكانه، لتجده خاليا.

يهتز جسدها الهزيل من رعشة برد، تلتحف بغطائها، تبحث عن النوم من جديد، علها تراه، يأبى أن يريح فؤادها، معلنة أجفانها عن تمرد شديد، تنهض إلى وسيلة التدفئة، تقبع أمامها متقوقعة على نفسها، علها تجد الدفء، تتصفح بعض الجرائد حولها، يهولها نشاط رهيب دب في جنبات جسدها، فهمت تنظف ما حولها، كل ما هو أصلا نظيف، انتقلت كاللآلئ، انقضت بعض ساعات، أنهت خلالها كل شيء، حتى بعد كل هذا لم تشرق الشمس عن قريب.

اتجهت إلى مكتبتها، اختارت كتابه المفضل، لعلها تجد فيه الراحة، تساقط دمعها فوق بحور كلماته، واشتعلت بداخلها رغبة شديدة في أن تراه، أن تتحدث معه، تفرغ مكنون قلبها بين يديه، تبث شوقها الثائر.

قطع كل السكون حولها رنين الهاتف، لتسمع صوت انقبض قلبها حال سماعه:

-      هي: نعم 
-      الصوت: سيدتي، هل يمكنك الحضور الآن؟
-      هي: خيرا إن شاء الله؟
-      الصوت: كل الخير.
-      هي: مسافة الطريق.

ترتدي ملابسها على عجل، كل الأفكار تتحارب داخل عقلها، أسوأها على الإطلاق.

حبيبي ماذا أصابك؟
أرجوك لا تتركني، فكم أضناني بعدك عني.
حبيبي، عامان وأنا وحيدة سواك.
أرجوك ابقَ على وعدك أنك لي، أنك أماني مدى الحياة.
أرجوك تذكر عهودك بأنك لن تسمح لأي شيء أن يحرمني منك.
أرجوك ابقَ ولو كما أنت، لكن لا ترحل.
برغم غيبوبتك إلا أن أنفاسك تطمئنني.

تلتهم الطريق بسيارتها، تتوقف أمام المشفى وقلبها يكاد أن يتوقف، تركض مسرعة إلى غرفته، للمرة الأولى تشعر بطول المسافة إليه، تقف أمام غرفته المعتادة، فلا تجده، كل الأجهزة كما هي، لكن أين هو؟!

تقف جاحظة العينين، فهل من المعقول أن يتحقق أكبر مخاوفها؟ تنحبس أنفاسها، يتوقف قلبها، تسود الدنيا في عينيها، حتى الدموع تأبى النزول، حتى تتفاجأ بيده تلتف حولها، تأخذها من استغراقها، وتسمع همس أنفاسه في أذنيها، يقول لها بكل الحب:

وحشتيني!!

النهاية.


الإبتساماتإخفاء