ريهام محمد تكتب: لـــــو

لـــــو

بقلم: ريهام محمد



لو أنك كنت أتيت بالأمس، لتغير كل شيء، فاليوم لم أعد أنا نفسي، وتلك الندبة القبيحة لن تزول.

لا طاقة لي لأحدثك عني.

أمس كنت قد ودعت كثيرا من الأشياء، سواء كانت بداخلي أو من حولي، أشياء رحلت، أو قل وُئدت حية و لن تعود.                                  

كنتُ بالأمس جالسة شاردة في ذلك المقهى العتيق، أطالع في كسل الجريدة اليومية ذاتها، بدا لي خبر احتمالية التطبيع مع العدو خبرا كوميديا، و لم يُبالِ أحد، فالناس يسيرون غير عابئين بما يحدث، طالما أن الأمر لا يتعلق بغلو السلع التموينية، ما هذا الهذيان؟! و ما علاقته بكَ؟! وكأني أُحملك نتيجة التطبيع وأحكم عليك بالإعدام خذلا! يا للسذاجة!!

أثناء تصفحي جلست قُبالتي فتاة لا أعرفها ولا تعرفني، شيء ما جعلها تنظر إليّ وتبتسم دامعة، شيء ما جعلها تدرك حزني، هل الدوائر السوداء حول عينَيَّ مُلفتة لتلك الدرجة؟ أم أنها تَعرفكَ و تعرِفُ ماذا فعلت؟ شيء ما جعلها تقترب وتحتضن يدي، لا أعلم إن كانت تواسيني أم نفسها تواسي، لم أرهقها و نفسي بالسؤال.

كنت أشتاق إليك في تلك اللحظة، إلى رائحتك، صوتك، أنفاسك، وتلك التجعيدة التي تُثير جنوني، ولكنني أدركتُ أنني لا أشتاقك، بلّ أشتاق لتلك الفتاة التي كنتُ عليها فيما مضى، هناك في عمق الزمان، كنتُ أشتاق إليّ.

الأمس بدا وكأنه عمر منفصل، كل الأشياء قد انتهت، وكأن عُمرا قد بلغ مداه عشرين يومًا، لكنه بدا و كأن ألف عام قد مروا.


صديقتي دوما تخبرني أن هناك أوجاعا أثقل من أن تُقال، و حملها أثقل من أن نتذكره ونرويه.

لأخبرك شيئًا، أشتاقُ إليّ عندما كنت في العشرين، كنت ساذجة وأتراقص بطفولة على حافة العمر، ولم أحزن قط، ولم أُثقل عاتقي بأوجاع النضوج، كالطفلة التي أصادفها يوميا وعلى وجهها الابتسامة ذاتها، وكأنها أنا في حياة سابقة.

أمس كان يوما طويلا، وكأنه لم يرد أن ينتهي.

جهلي بالاتجاهات والأماكن لم يجعلني أضل الطريق إليك، اعتقدتُ دوما أن شارع الشهداء ويديك تحتويني أكثر مما يفعل منزلي.


وقفت طويلا  أمام المرآة أتمتم بكلمات غير مفهومة، قل هذيانا إذا شئت، قلت لمرآتي إن هذا الألم، والخذلان، والخوف، وتلك الأحلام الطفولية الساذجة، وتلك الخيبات والأوجاع، وموت الشغف، وفقدانك، وفقدان الحب والأصدقاء، كل هذا سيمر، يوما ما سينتهي، أنت لم تذهب إلى أي مكان لأنك لم تأتِ قط، وأنا بخير، وسوف أصحو في أحد الأيام وحياتي أكثر هدوءا، وأكثر طمأنينة من تلك اللحظة، وقتها سأكتشف أن كل هذا لم يكن حقيقيا، أنت لم تكن حقيقيّا، وأن تلك الابتسامات المزيفة التي أوزعها على زملاء العمل المملين في الصباح، وعلى عابري السبيل الذين أصادفهم في الطريق والمترو وبين إشارات المرور والمتشابهين في حركاتهم كالروبوتات الصدئة، ونظراتهم المُصطنعة التقليدية الباهتة، ستمضي هي الأخرى، وأن الغائبين لن يعودوا، وأن الذين يحدقون بأعيننا ولا يروننا، ليس لهم وجود.


الإبتساماتإخفاء