أميرة حسني تكتب: العمالة في مصر

العمالة في مصر
بقلم: أميرة حسني


في فترة ليست بقصيرة، انتشرت في مصر ظاهرة تثير الفضول وتستحق التأمل، ألا وهي ظاهرة العمالة الأجنبية بمختلف جنسياتها، سواء كانوا وافدين من وابل الحروب أو راغبين في استثمار أموالهم في مشاريع متنوعة، وما يعقبه من استيراد لسلع سهلة الصنع، وتباع بأسعار عالية لا تتناسب مع جودتها.

ما يثير فضولنا هو النجاح المبهر لهؤلاء الوافدين في مختلف مشاريعهم، وما يستحق التأمل هو قلة الإمكانات المتوفرة لديهم كوافدين أجانب، مقارنة بما يمتلكه المواطن الأصلي للبلاد، ما الذي ينقص العمالة المصرية لتحقق نفس نتائج هذا الوافد، والذي قد لا يكون حاصلا على نفس الشهادة الجامعية لأبنائنا؟ هل ما يدرسه الطالب بما لا يقل عن خمسة عشر عاما غير كفيل بتمكينه من دخول سوق العمل؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هو عائق النجاح إذن؟ ما الذي ينقص العامل المصري حتى يحقق نتائج مشابهة؟ هل يوجد من القوانين واللوائح ما يعوق أي مشروع عن الظهور إلى أرض الواقع؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فلماذا يصمم الجميع بمن فيهم أهل الطالب على استمرار الطالب في منظومة تعليمية حتى نهايتها في التعليم الجامعي، متكبدين ما هو عظيم من الوقت والجهد والمال، ويعرفون جيدا أن هذا لن يساهم بشكل جيد في تمكينه من دخول سوق العمل؟

نظرة المجتمع الغير لائقة لطلبة التعليم الفني وتفضيل الثانوية العامة بكل عيوبها وصعوبتها على المدارس الفنية، على الرغم من أن بعض طلبة الثانوية العامة قد لا يحصلون على مجموع نهائي جيد يمكنهم من الالتحاق بالجامعات المرجوة، ليبدأوا مرحلة جديدة من المعاناة مع الجامعات الخاصة، والمزيد من تكبد الأهالي معاناة مادية أكبر، لا يعلمون إن كانت هذه الجامعات ستوفر لهم فرص عمل مناسبة أم لا، وفي كثير من الأحيان تضطر بعض الأسر لإرسال أبنائها للعمل بالخارج، ليذوقوا مرحلة جديدة من معاناة الغربة وألم السفر، مع العلم بأنهم قد يقبلوا أي نوع من العمل الذي قد لا يقبلونه في مجتمعنا، لتظل معاناة التعليم والعمل دائرة لا يمكن الخروج منها بسهولة.

في الواقع، إنها تبدو مشكلة مركبة من الطرفين، سواء من أنظمة الدولة أو من المواطن نفسه، وبنظرة على الوجه الآخر لهذا النجاح في العمل أو زيادة سوق الاستيراد، قد يقول البعض إن أنظمة الدولة تعيق بداية المشاريع، وتفرض ضرائب وفوائد ضخمة على القروض، لا تتناسب مع ما يحققه العامل في بداية طريقه، ولكن، نفس هذه القوانين والضرائب تطبق أيضا على هذه العمالة الأجنبية، إذن فليس العائق فقط قوانين الدولة، ولكنه أيضا انحدار الاهتمام بالتعليم الفني، والذي يكفل مهنا حرفية عديدة لا يمكن الاستغناء عنها أبدا في أي مجتمع.

لماذا التصميم من الأهالي على البقاء في هذه الدائرة المصمتة، وتكرارها بشكل مقنن؟

هذه النظرة غير العادلة هي التي رسخت في أذهاننا عدم أهمية التعليم الفني، والتي أدت إلى نفور الأهل والطلاب من التعليم الفني، وبالتالي اختفاء أعمال حرفية عديدة، أدت إلى وفود عمالة أجنبية تحقق نجاحا كان من الأفضل لو نُسب لأبناء البلد.

لماذا لا يتقبل الأهل فكرة اختصار الطريق إذا كان الطالب يهوى بداية حياته العملية عن طريق مهنة أو حرفة يجيدها، ترضي له طموحه وتحقق ما له من مكاسب مادية جيدة؟ ولماذا يُنظر لطالب التعليم الفني على أنه أقل كفاءة من طالب الثانوية العامة؟

المواد الدراسية ما هي إلا قدرات ذهنية فقط، لا ترتبط بالكفاءات أو الأخلاق عموما، فمن يحب دراسة الهندسة ليس أفضل ممن يحب دراسة اللغات، ومن يحب الأعمال الحرفية مساوٍ لمن يحب دراسة المواد النظرية، فجميعنا لا نستغني عن العامل الحرفي في بيوتنا وشركاتنا...، والطالب الفني لا يقل خلقا عن طالب الثانوية العامة، فكم من نماذج حاصلة على أعلى الشهادات انتهى بها الحال لفضائح أخلاقية.

اقتصار فكرة العمل على أنها فقط الوظيفة المكتبية أمر خاطئ، مع أن المطلوب من الإنسان أن يجيد أي عمل ويمتهن أي مهنة لكسب المال، طالما أن هذا العمل لا يحرمه الدين ولا يمنعه القانون، وطالما أن الإنسان يعمل بجد وشرف، فهذا هو المراد نفسه الذي سيمكنه فيما بعد من اكتساب قدرات أكبر في سوق العمل، وتحقيق مكاسب مادية تؤهله للعيش الكريم، مع ملاحظة أنه يوجد ما يناسب الفتيات أيضا من أقسام مختلفة تناسب طبيعة الفتاة، ويحتاجها سوق العمل.
نرجو من المنظمة التعليمية في مصر الاهتمام بتطوير نظام التعليم الفني، فهو طاقة هائلة مدفونة لم يُحسَن استغلالها بعد، فالعمالة الحرفية لا غنى عنها في كل بيت وكل مؤسسة.

أيضا لابد من تسهيل إجراءات المشاريع الصغيرة بقروض ميسرة، حتى لا يصطدم الشاب في بداية مشروعه بالفوائد والضرائب قبل أن يحقق مكاسب مادية معقولة.

وفي الختام، أود التأكيد على أن أي عمل شريف يقوم به المرء، هو ميثاق الشرف نفسه، ولنا في جميع الأنبياء والرسل خير مثال، وإن الدخل القومي ونهضة الاقتصاد لبلدنا تقوم بسواعد أبنائها، محققة الفائدة لنا جميعا.

والسلام...


الإبتساماتإخفاء