نسرين يوسف تكتب: بيت بيوت (الباب)

بيت بيوت (الباب)
بقلم: نسرين يوسف


من يريد أن يشاركني؟ سنلعب سويا لعبة كان يلعبها الأطفال فيما مضى، "بيت بيوت"، سندعي أننا ضيوف وأننا في زيارة.
البـــاب
فيها سبع بيبان 
ما وسعت شواقي
جاي أنا والشوق
من تامن بوابا

                   هاني نديم


ها قد وصلنا للتو، وعلينا أن ندق الباب لنسمع الجواب.

قبل أن نطرق، لنفكر ما الذي ينتظرنا خلف هذا الباب، لقاء، ضحكات، موسيقى، قصص، شعر، بعض النميمية، أو دعونا نتخيل أجمل ما قد ينتظرنا، صديق، حبيب أو حبيبة، مفاجأة، حلم، أمل، فكرة، مغامرة، تعلمون؟ أجمل ما انتظرني يوما خلف الباب كان ابتسامة أمي، تستقبلني وأنا طفلة في نهاية يومها الدراسي الأول وأنا صبية، تعود للبيت بعد سفر طويل، منذ فقدتها وفي كل مرة جديدة أكتشف فيها أنه يتوجب علي أن أدفع فاتورة للحب والاهتمام، تعزيني ذكرى تلك الابتسامة، شكرا يا الله على نعمة الأمهات!

أنا أثرثر و لم أطرق الباب بعد، تعرفون ما يقال عن النساء و"حدوتة الباب"، انتبهوا، لست امرأة ثرثارة، فحدوتة الباب تبدأ عند مغادرة المنزل وليس قبل دخوله، كل ما في الأمر أنني تعلمت أن أتريث، فهناك أشياء مهمة تحدث هنا، أكثر من الاستقبال، الوداع، كالحب مثلا. 

في المرة الأولى التي التقيته طرقت، فتح، ابتسم، سمعت صمته يقول "وجدتها"، ورأيت بحرا في عينيه، وعلى صدره بيوت وطرقات وغابة، يومها أنا التائهة التي لا تعرف من أين جاءت و لا إلى أين يجب أن تذهب، وجدت لي وطنا خلف الباب.

لا أريد أن أستعجل، فقد نفوت لحظة هامة، اسمعوا القصة: 

"طل سامر من الباب، ليجد غيداء أمامه، كانت تحبه، ولم تكن تعرف إن كان يحبها، حياها وودعها، ردت باقتضاب: "ما بدي أتأخر على الشغل"، وهرولت للطريق لتخفي دموعها، كان هو تاجرا لا بأس به، في تلك المرة تاجر بعمره، وغرق. 

على نفس الباب كانت أم سامر تنتحب، وغيداء تسأل نفسها، ما مصير من يقطنون هذه الخيم؟ من الموت قصفا، للموت غرقا، غير الحسرة ما الذي تبقى لهم؟ بكت سوريا وعمار واللحظة التي ضيعتها، وتمنت لو أنها لم تستعجل في ذلك اليوم.

تتساءلون الآن إن كنت قلقة؟ حسنٌ، لا أحد يعرف ما الذي ينتظره خلف باب جديد، مهما كانت لديه من معلومات، وحتى إن كان مؤمنا بما وراءه، ستقولون ما للإيمان ولعبتنا، لو أنك تعتقد بشيء لم تره أو تسمع عنه فأنت مؤمن به، نحن الآن مؤمنون أننا نتحكم في قواعد اللعبة، ربما تعتقدون أنني أنا من يتحكم في قواعد اللعبة، وأنني أعرف ما الذي ينتظرنا، ماذا لو كان الأمر غير ذلك، هل كنتم لتستعجلوا؟ لم ننس بعد قصة عمار، طرق باب البحر ظانا أنه باب للأمل، ليجده بابا للموت، والموت أقسى الأبواب، يذكرني هذا بأن على هذه الأرض من يتصور أن الموت باب للجنة، ليس موتهم هم، بل موتنا نحن، سواء كانت الجنة بعد الموت أو في هذه الحياة، وحقيقة نحن في منطقتنا لدينا أبواب شريرة، خذوا على سبيل المثال أبواب السجون، ومن خلفها المعتقلون، لا لسبب سوى لأن لهم رأيا آخر، أو لأنهم مروا بجانب من لهم رأي آخر، أو لأن رأيا آخر مر بجانبهم، وللإنصاف لدينا أبواب واعدة، كأبواب الطائرات التي تعدنا بتحقيق الحلم "الهروب من جحيم الشرق الأوسط"، وللإنصاف أيضا أعترف أن طرق الأبواب لمعرفة ما خلفها أفضل من الانتظار أمامها، و خصوصا وأن الأمل يختبئ دائما خلف باب.

حسنا، سأطرق الآن، تخيلوا لو أن المفتاح في جيبي؟ لا، لا، المفتاح ليس معي!

عندما كنت صغيرة، كنت أتمنى لو امتلكت مفاتيح كل الأبواب في الدنيا لأفتحها للجميع، اليوم بت أعرف أن العديد من هذه الأبواب مغلقة لتحمينا مما خلفها، أو تحمي من وما خلفها منا. 

ما لنا والمفاتيح؟ ها قد طرقت الآن، سنكمل اللعبة لاحقا، وحتى ألقاكم، أترككم مع صوتها.

وبواب بواب شي غرب شي صحاب... اسمعوا الأغنية.





الإبتساماتإخفاء