د. محمد عبد العزيز أبو المجد - سيادة الرئيس.. التعليم أمن قومي



سيادة الرئيس... التعليم أمن قومي!

بقلم: د. محمد عبد العزيز أبو المجد

في يوم 27 من مارس 2016 ألقى السيد رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل أمام مجلس النواب بيان الحكومة الذي جاء فيه ما يلي: "فلا يخفي على مجلسكم الموقر التحديات التي تواجه الأمن القومي للوطن على الصعيدين العربي والإقليمي بما يتطلب تعزيز الإنفاق على خدمات الدفاع والأمن الداخلي والخارجي والتطوير المستمر لقدرات مصر وكل ذلك يؤثر على الوضع الاقتصادي وهو جزء من الأمن القومي".

وهذا البيان الواضح جدًا معناه أن الدولة تعطي الأولوية للإنفاق على خدمات الدفاع والأمن، حتى وإن كان ذلك يؤثر على الوضع الاقتصادي وذلك لحماية الأمن القومي للبلاد، ونحن هنا لا نقلل من ضرورة تعزيز القوة العسكرية للبلاد خاصة في هذا الوضع الراهن، ولكن يبدو أن الحكومة غاب عنها أن القوة الاقتصادية والتنمية من أركان الأمن القومي أيضًا، فليس من الحكمة أبدًا أن تركز على خدمات الدفاع على حساب الوضع الاقتصادي، فأضعف الإيمان أن توازن بين الأمرين للحفاظ على الأمن القومي.

 وقبل البدء فيما أود التحدث عنه ينبغي أن أوضح أولاً معنى مصطلح "الأمن القومي" فهذا المصطلح يتركب من كلمتين كل منهما تحتاج لتعريف، الكلمة الأولى هي الأمن، والأمن معناه "جميع الإجراءات والتدابير التي يتم اتخاذها لحماية هدف ما، قد يكون هذا الهدف شخصًا أو منشأة أو أرضًا أو شعبًا أو غير ذلك"، وعلى ذلك قد ينصرف الذهن أول الأمر إلى أن الأمن القومي هو " كافة الإجراءات، والتدابير التي تتخذها الدولة من أجل حماية أرضها، وشعبها، من أي اعتداء، أو تهديد سواءً من مصادر داخلية، أو خارجية، عن طريق تجهيز القوات العسكرية، وحشد الجيش، من أجل المحافظة على سيادة الدولة، وحمايتها من الخطر" وهذا يتقارب من تعريف دائرة المعارف البريطانية الذي يرى أن الأمن القومي يعني حماية الأمن من خطر القهر، على يد قوة أجنبية" ، وهو تعريف من منظور إٍستراتيجية الحماية من الخطر الخارجي، ويعني أيضًا الاعتماد على القوة العسكرية. صحيح أن الحماية العسكرية والقوة العسكرية ترتبط إلى حد كبير بقوة الأمن القومي، ولكن مع تطور الحياة تطور أيضًا مفهوم الأمن القومي، فقد ذهب وولتر ليبمان إلى أن الدولة تكون آمنة، عندما لا تضطر للتضحية بمصالحها المشروعة لكي تتجنب الحرب؛ وتكون قادرة على حماية تلك المصالح، ويرى أرنولد ويلفرز أن الأمن القومي هو القدرة على حماية القيم التي سبق اكتسابها، ومن وجهة نظر هنري كيسينجر فإن الأمن القومي هو التصرفات التي يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء، ونختم بتعريف روبرت ماكنمارا بأن الأمن القومي هو عبارة عن التنمية وبدون التنمية لا يمكن أن يوجد أمن، وأن الدول التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن أن تظل آمنة".

ومما سبق من تعريفات ومفاهيم نجد أن الأمن القومي لأي دولة يعتمد على أركان أساسية لا يمكن التفرقة بينها، ولا يمكن الاعتماد على أحدها دون الآخر، وهذه الأركان هي قوة وعي المجتمع والقوة العسكرية والقوة الاقتصادية والتنمية الواقعية. فلا يمكن تحقيق منظومة الأمن القومي بالاعتماد على القوة العسكرية فقط وإنما تتحقق منظومة الأمن القومي بتحقيق التناغم بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية وقوة وعي المجتمع وتحقيق التنمية الحقيقية على أرض الواقع. وأرى أن طليعة الأركان هي قوة وعي المجتمع، لأن المجتمع الواعي تستطيع الدولة أن تعتمد عليه في تعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية ومن ثم تحقيق التنمية الحقيقية.

ومن أسباب قوة وعي المجتمع تحقيق نظام تعليمي قوي متكامل الأركان، فلا يمكن أن تكون هناك ثورة أو تغيير يمكن أن يدفع بمصر إلى طريق النهضة الحقيقية ما لم يكن التعليم هو مركز وقلب هذه الثورة وهذا التغيير. فكل الشعوب المتقدمة أقامت أساس نهضتها الحقيقية على التعليم، فهذه الدول قد حباها الله حكامًا امتلكوا الوطنية الصادقة والمعرفة والوعي والقدرة على اختيار التعليم أساسًا لطريق النهضة. والتاريخ الإنساني مليء بالأمثلة على أهمية التعليم لحماية أي دولة من المخاطر والاختراق وهو الهدف الأول لتحقيق الأمن القومي، ففي التاريخ القديم يذكر المؤرخ اليوناني بلوتارك أن الإمبراطور فيلوبومين اعترف أنه كان عليه أن يقتلع جذور التعليم في إسبارطة قبل أن يتمكن منها.

وفي مصر القديمة عندما غزاها الإغريق عام 333 ق.م. نهبوا آلاف المكتبات التي ضمت عشرات الآلاف من المخطوطات، واستولى الغزاة على كنوز المعرفة المصرية، فخرجت مصر من التاريخ بعد أن سرق الغزاة ذاكرتها المعرفية، وعاش المصريون عبيدًا على أرضهم، لأن أهل العلم هم أهل الحرية. ولذا لا نتعجب عندما نطالع رأي المفكر الألماني "فخته Fechte" الذي يقول فيه "إن الطريق الوحيد لإصلاح المجتمع هو تأسيس نظام جديد لتعليم الناس، فلا شك أن الأمة التي ترتفع إلى أسمى درجات القوة من خلال المدارس والجامعات هي أمة لا يمكن اختراقها ولا يمكن إسقاطها".

وإذا نظرنا إلى تقرير اللجنة الأمريكية القومية للتميز في التعليم، وهي اللجنة التي شكلها الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان عام 1980  لدفع الخطر عن الأمة الأمريكية، وكان التقرير بعنوان (أمة في خطر: حتمية إصلاح التعليم) نرى التقرير قد خرج بهذه النتيجة التي تقول: "لو أن قوة أجنبية معادية حاولت أن تفرض على أمريكا الأداء التعليمي الضعيف الموجود اليوم لاعتبرنا ذلك عملاً من أعمال الحرب". وعندما نتأمل هذه النتيجة والكلمات الحربية التي ذكرتها مثل "قوة أجنبية معادية/أعمال حرب" نعرف أن الحرب العلمية هي الحرب الحقيقية التي يحسم النجاح فيها مسألة النهضة الداخلية للأمة وكذلك تفوقها على الساحة الدولية، وما خبر إسرائيل عنا ببعيد.

ومن المفارقات بل المغالطات التي نعيشها في مصر هي أن التعليم يأتي بعد الأمن والصحة والغذاء، ولكن في الدول المتقدمة نجد التعليم هو الهدف الأول لأنه سيخدم كل شيء بعد ذلك، فالفرد المتعلم تعليمًا جيدًا سيكون صاحب أداء متميز في الأمن وفي الصحة وفي توفير لقمة العيش للناس. وبالنظر إلى دولة العدو الإسرائيلي، نجدها رغم حداثتها ورغم أنها في حالة حرب دائمة منذ نشئتها مع كل جيرانها تعطي التعليم المكانة الأولى، ولقد كان تأسيس الجامعة العبرية كأول مبنى حكومي في الدولة الناشئة أكبر دليل على هوية تلك الدولة وهي الهوية العلمية، وها هي جوائز نوبل تمطر الجامعة العبرية من حين لآخر في الكيمياء وغيرها من العلوم.

وإذا كان الأمر كذلك، فمن البديهي أن يقفز إلى الأذهان هذا السؤال المنطقي: "هل الحقائق المذكورة هنا تخفى على حكام مصر؟" والإجابة على هذا السؤال لها كلمتان لا ثالث لهما وهي إما نعم وإما لا، فإذا كانت الحقائق خافيه عنهم فها نحن نبديها لهم، وعفا الله عما سلف، وإذا كانوا يعرفون تلك الحقائق فلماذا غضوا الطرف عنها؟ هل لأن الشعب غير المتعلم تسهل قيادته وحكمه بأدوات القوة؟ هذه كلها أسئلة منطقية ومشروعة، لأن الخاسر الوحيد  هو ذلك الشعب وشبابه الذين يتخبطون في مستقبل مظلم ويدفعون ثمنًا باهظًا قد يطال أرواحهم ودمائهم، وسيظل هذا هو الثمن المدفوع ما دامت الدولة غير قادرة على تقديم نظام تعليمي جيد، وإذا كان هذا هو حال شباب الأمة المصرية، فسيظل الأمن القومي المصري مخترقًا لا محالة مهما كانت الجهود المبذولة لحمايته. 


الإبتساماتإخفاء