د. محمد عبد العزيز أبو المجد - القصيدة والشاعر



القصيدة والشاعر

بقلم: د. محمد عبد العزيز أبو المجد

إن التاريخ الطبيعي لعمر الشاعر وجدانيًا هو مدى إحساسه بواقعه ومعايشته له في التعامل مع إشكاليات الحياة المعاصرة، ومحاولة البحث عن العلاج تحت ظروف اجتماعية كانت أو فكرية أو حتى سياسية. هذا التعامل ينعكس بالضرورة انعكاسًا مباشرًا على إيديولوجية الشاعر المحركة لنشاطه الإبداعي، وبالتالي على قصيدته من حيث التشكيل أو الجوهر.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشعر في أبسط تعريف له هو "استعمال الرمز للتعبير عن أنساق عديدة سواء اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك"، أو كما ييقول بودلير إن الشعر هو"تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالم مغاير"، أو هو –أي الشعر- إبداع ثوري يسعى إلى تغيير العالم. ويرى الأستاذ عبد الهادي مفتاح أن الشعر "يمكن أن يكون في حد ذاته وسيلة للمعرفة، فهو إظهار لما هو متستر فيما وراء العالم، أو مقيم في الظل منزوٍ عن الضوء." وهناك من يرى أن الشعر لا يتطابق إلا مع الأفكار اليقظة، الشغوفة بالمجهول، والمنفتحة أساسًا على الصيرورة، فليس هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق. وعلى ذلك نجد أن الشعر هو "العمل الفني المفتوح على كل التيارات وعلى كل الاحتمالات" كما يقول جان بيير ريتشارد ومن ثم نرى أن "القوة الخلاقة للإبداع تنفلت من كل تحديد، لتظل في نهاية التحليل لغزًا لا تمكن صياغته وقوله".

والشاعر حينما يكتب قصيدته فهو بذلك يشكف لنا اللغة التي يتحاور بها مع العالم وطريقة إدراكه للمتغيرات من حوله والتي تكون انعكاسًا لاستجابته لما يدور بوجدانه حيال هذه المتغيرات. وبناءً على ذلك تكون ميزة الشعر متأصلة في قدرته على التحرر من أي قيد قد يهمش قدرة الشاعر على الاختراق والتحليق في الآفاق، وأيضًا "صناعة التوتر الجمالي والقلق التساؤلي عبر إثارة الأسئلة الكيانية ووضع كل جزئيات الحياة على محك الصياغة والاستفهام."

أضف إلى ذلك، أن الشاعر وهو يكتب قصيدته التي كما قلنا هي نص حواره مع العالم يقدم لونًا من ألوان الفنون يجمع في طياته تشكيلات فنية متنوعة باستخدام الكلمة والإيقاع الموسيقي والشكل الهندسي أيضًا. وأعمد هنا إلى تقرير حقيقة واقعة لابد من وضعها في الحسبان وهي أن الفن للفن – سواء كان قالبه مسرحًا أو شعرًا أو غير ذلك- وذلك أن الأشكال الفنية ليست فقيرة في طرق التعبير التي تتعدد في داخل كل منها حسب كينونة النوع المراد التعبير بواسطته فلا فرق في الشعر مثلاً – بصفته أرقى أنواع الفنون- في أن يكون عموديًا أو حرًا أو نثرًا ما دام الشاعر على وعي تام بجذوره الثقافية وأصوله الأولى التي لا يثور عليها إيمانًا منه بأن الحداثة هي الامتداد الطبيعي للتراث، فهو ما دام كذلك فلينطلق إلى أي لون من ألوان الفنون أو أي شكل من أشكال اللون الذي يجيده ما دام يقف على أرض صلبة ينبت فيها –رغم صلابتها- العشب والكلأ. إنه الانفتاح على عالم أوسع تتلاقح فيه آليات التعبير الفني بانسجام واضح وتتوالد جميعها لتنجب من رحم واحد وليدًا فريدًا هو الفن.



الإبتساماتإخفاء