د. محمد عبد العزيز أبو المجد - الثقافة والمستقبل



الثقافة والمستقبل

بقلم: د. محمد عبد العزيز أبو المجد

لا شك أن الواقع الثقافي لأي أمه من الأمم يشكل، مع غيره من العوامل، مستقبل الأمة، وبالنظر إلى الواقع المصري نجد أنه يواجه تحديًا ثقافيًا خطيرًا ينذر بمستقبل أشد خطرًا على المجتمع. ولما كانت اللغة هي الوعاء الثقافي للمجتمع، كان ضياعها ضياعًا لثقافة المجتمع ومن ثم ضياعًا لمستقبله. وكلنا يسمع الخطابات الرسمية ونقرأ كذلك الصحف والمواقع الإخبارية التي تعج بالكثير من الأخطاء اللغوية التي تنذر بعواقب مستقبلية وخيمة إذا لم نتدارك جميعًا هذا الأمر.

والحق أقول لكم، لقد واجه المجتمع المصري تحديات متعددة في تاريخه، فحقق في بعضها نجاحات وأصابته في بعضها إخفاقات. وتستند مرتكزات نضاله على رفض "تخييب الذات" و"تكريس الأمر الواقع". ومهما تبدو صورة هذا الرفض سواء أكان الرفض نضالاً مباشرًا معلنًا، أم مستترًا مقنعًا، إلا إنه كان بالدرجة الأولى نضالاً ثقافيًا تحكمه المنظومة الثقافية المصرية. ولذا ينبغي أن يقوم المجتمع نفسه بدور مبادر لإنقاذ نفسه من كارثة محدقة به وهي ضياع مستقبله. فالمجتمع ككل، أفرادًا وجماعات، مطالب بأن يبادر بإصلاح ثقافته، بداية من اتقان لغته وتحسين مستوى تعليمه. وهنا أوضح أن الدور الأكبر يقع على الدولة نفسها التي تستطيع أن تصيغ منظومة ثقافية محددة الملامح لاستشراف مستقبل أفضل.

ولكي نستطيع رسم ملامح مستقبلنا من خلال المنظومة الثقافية، فلا بد من أن تكون هذه المنظومة قادرة على تناول أدوات التجديد المعرفية واستخدامها في تطوير المجتمع الذي يتأثر بها ويؤثر فيها. فالتفكير المعاصر الجاد في المستقبل لا يمكن تخيله لمرة واحدة كما فعل أفلاطون في مدينته الفاضلة، وإنما يتحدد أساسًا بمداومة دراسة الأوضاع الراهنة باستخدام الخيال المحرض بالعلم، الذي يميز ما هو مختلط ويوجد ما هو منفصل ويقرب ما فصل اعتباطًا في إطار رؤية شاملة، كما أنه ليس مجرد محطة إنذار تكشف الأخطار لتجنب الأزمات والمعضلات فحسب، بل أيضًا منبهًا لهلاك المعرفة القديمة بمعارف مستجدة توضح الفرص المتاحة للتجديد الذي يتأسس على الفكر والمعرفة كمصادر أولية ويتطلب ذلك انفتاحًا غير مشروط ومراجعة مستمرة وإبداعًا دائمًا وتقييمًا متواصلاً ومعاينة دؤوبة، وانتباهًا مشدودًا باعتبار أن الغد يحمل مظاهر ذات جدة غير مسبوقة.

ولا يتحقق توظيف قوى التقدم إلا في التجدد الاجتماعي الذي يعتمد على إرادة التضامن بتوحيد كافة الجهود في منظور اجتماعي عام يسعى لاستخلاص تطلعات المجتمع في إطار رؤية مستقبلية ممكنة وقابلة للتحقيق، وتترجم في استراتيجيات وبرامج في مجالات متعددة ومتنوعة قادرة على فك أسر المجتمع من حالة الجمود القصوى وتصاغ كأهداف كبرى تتفق مع خيارات مرغوبة. ولا ينتبه بعض الناس إلى أن العالم يتغير ويصاب البعض بوهم نهائية الحال إذ يرغبون في الاحتفاظ بشروط حياتهم فيسيرون إلى الأمام وظهورهم للمستقبل، وعندئذٍ تحدث صدمة الارتطام، ويتوالد العجز والقلق والارتباك أمام المشكلات والمعضلات والأزمات حيث تواجه المستجدات بجلبات الماضي ودروعه، وبالطبع لا تفلح المواجهة بالوسائل التقدليدية ولا بقناعات تعرضت للتغيير، ولا بمسلمات من المحتم أن نفكر خارجها.

ومن المؤسف حقًا أن نرى بعض رموز الجمود الفكري والثقافي يتصدرون المشهد في بلادنا، ومما يزيد الأسف والحسرة أن هؤلاء من أصحاب الأفكار البالية قد جمعوا بين الجمود والفساد في آن واحد مما ينذر بكارثة مروعة على كل المستويات، فهم الآن كما قلت يتصدرون المشهد ويقصون الكفاءات بعيدًا مما يتسبب في هجرة العقول أو انعدام الولاء والاستهانة بمقدرات الوطن وأحيانًا بالوطن نفسه. ولن نناقش هنا تبعات هذه الأمراض الخبيثة التي تنعكس أعراضها على المجتمع كله بلا استثناء. 

1 comments:


الإبتساماتإخفاء