محمد ممدوح خيرالله - كُفر الغاب (2:1)



كُفر الغاب - رواية - (2:1) 


محمد ممدوح خيرالله 

قبل موعد المحاكمة..! (1)

(أ) 

**

عامًا واحدًا وخمسة أشهر، من تاريخ مولدك، لقد مر العمر سريعًا، وتسابقت الأيام، تسابقت فى غيبتك كتسابق بائع يقطع أوراق نتيجة ليدون على ظهرها الأبيض طلبات الزبائن، لو كان مثلى لقراء تلك الحكم المدونة أسفل تواريخها ربما عجبته إحداها. ربما لو كان يقرأ لذُكر بـ «وابيضت عيناه من الحزن» فيرحمك من فراق لم يكن لك يدًا فيه، ولو كان يعقل لتذكر «فمهل الكافرين أمهلهم رويدا» وعرف أن ما فعله فى حقك، ستدور الدوائر حول رقبته أو رقبة من يحب، لو كان ذا قلب ما كان بهذا الحد من الغباء على قلوب الأخرين، لكنه لا ينتمى للإنسانية، فضل أن ينتقم بدلاً من أن يصلح، وضع غيره فى بئر الحزن، وحجز لنفسه مقعدًا فى وادى هبهب، قال له الله «فمن عفا وأصلح» فقال هو للواحد القهار «لأقعدن لهم صراطك المستقيم» نسي أنه إنسان فعاش إبليس. لكن وعد الله حق «فذكر إن نفعت الذكرى» لكنها دونية الإنسان، فلا تجذع وتذكر «إنك باعيننا».

كانت سهام الكلمات «كمثل ريح فيها صرٍ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم» لكنهم لم يدركوا معناها فى حينها، تلاعبت بهم العُنجهية، حتى أنستهم ما معنى أن تمتلك شعورًا يرقق القلب، أو يُذهب العقل، صامتون نحن، صامتون عن كُل شيء، لا نحرك ساكنًا ولا تحركنا براكين الكلمات، ولا دموع المنكوبين، وتوسلات من قتلتهم الأفعال، ودفنهم التضاد فى القول والعمل، هكذا كان الحال، والحال لا يدوم، لكنهم لا يفقهون..!

فى مثل هذا اليوم، من عامان مرا علينا كالسنون العجاف، لا وقت للوقت كي يكون حاضرًا، فالغياب حطم أمال الليل والنهار فى دخول شرفات المنزل، وتكالبت العناكب على أركان الجدران فاغتصبتها وأنجبت خيوطها التى تساقطت كبندول يتدلى بين أثداء لمبات كهربائية لا تضاء..!

انحرافات الوجع أنبتت لا مبالاة عما يخبئه لنا الغد، وسياف الفكر إتخذ مكانه وراح يقطع الأفكار الى متشابهات، وما لبس أن أفضي سره للكوابيس التى باتت هي الأخري كزائر المسنين، تحضر كل مساء لتثبت أننا أحياء على هذه الأرض، أحياء يرزقون نعمة السمع، فيستقبلون أذان بعد أخر، ويصلون للواحد القهار، يتسابقون الى السجود حتى ينعموا بالراحة والسكون والقرب من الله، فيبتهلون ويهللون ويكبرون ويحمدون ويقرون بالله ويقسمون على الله فى الدعاء.. "اللهم إنك قُلت وقولك الحق «.. إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه» فنسألك بما قد حكمت به لهم فى الدنيا، والأخرة..!

ثم ماذا بعد..؟ تنتهي الأيام دونما كللٍ، ودونما مللٍ، تسطر تواريخ الأحياء والأموات، وتفرك الأرض تحت ترابها عظام ساكنيها، بالأمس أنت طاحنٌ لترابها، وربما اليوم أو غدًا أنت مطحونًا فى ترابها، هيَّ ربما تثأر لنفسها، فأنت وإن كنت تُظهر أو تُبطن الحق، فلا دخل لها.

سنابل الأرز فى الحقول التى مالت فكُسرت أعوادُها، مشهدٌ لسيارةٍ انحرفت فجأة عن طريقها فاصطدمت بأشجار الياسمين وكسرت لحاءها، وإنفجار الغاضب فى وجه مُحدثه، فخسران ألم به، وإبتسامة طبيب فى وجه مريض تنبت سبع سنابل فى قلبه، فى كل سنبلة دعامة هو أتٍ ليستبدلها بأخري.. وإتكاء عجوز على خشبة مستقيمة رأسيًا، ثم إفتراش صبي لخشبة اُخري مستقيمة افقيًا، وإنفطار قلب أبًا على فراقه، هو الوقت، والوقت سيف، وجلاد، ومقصلة، و «.. إنا كل شيء خلقناه بقدر».

وللسماء حضور أخر، فأنا فى المساء رقيب النجوم، وفى الغروب شاهدًا على أسراب السحاب التى تتواري خلف سكون أبدى مؤقت «.. لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» ثم مرددًا «.. ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك» فقنا عذاب عبادك وسلطانهم، وقنا شر نفوسهم، إن كانوا أغنياء فأنت الغنى، وإن كانوا أقوياء فأنت القوى، كِسرى وقيصَر يعيثانِ فيما يعيثانِ فيه، وكُفر الغاب يحطم رؤس ما مالت الا لك يا الله، وما انحت الا لك يا الله. فبحق قسمك «والشمس وضحاها» رد اليَّ ضالتي، و...!

وجاء الموعد المنشود، هادم لذات الشرود ومُفرق الوحدة، نعم.. أنا القب صاحبي موريس ميخائيل بهادم لذات الشرود ومفرق الوحدة، في الليلةِ الظلماءِ لا يفتقد هذا الرجل الخمسينى الطويل، ذو اللحية البيضاء ووقار الشيب، أقسم أنى أراه مضيئًا فى وسط العتمة، كالبدر فى ليالٍ بيض، يظهر دائمًا عندما يتمكن منى الغياب، غيابى عن نفسي وإنحداري فى تأويل الأسباب والمسببات، يظهر بعدما أنتهى من تعاطى أقراص المنوم، كأنه مادة كيميائية إنسانية جعلها الله سببًا لكي لا أستسلم مبكرًا لسرير كان يساع يومًا ثلاثة أفراد. رحلوا وبقيت المخدات، كأن الجماد هو من حفظ العهد وحافظ على العِشرة.

رحبوا معى بعندليب الليلة، صديقى العجوز الصغير موريس ميخائيل المسلم، هو الأن يضغط زر الجرس بقوة لا يشعر بها، إلتهابات الأعصاب أفقدته الإحساس بأطراف أنامله الغليظة، وكفه العريض الذى يشبه كف "فرج" فى فيلم الكرنك، ولقبه المسلم الذى أطلقته عليه حينما وجدته يقرأ هذه الرواية التى بين أياديكم، وكان كلما وصل إلى أية قرآنية تلاها مرتلاً مغردًا كصوت الشيخ الحصري، لديه ميول إخوانية وسأبلغ عنه قريبًا إن لم يكمل لي قصة زواجه الأبدية من زوجته، بعد أن ينتهي من شرحه للإنجيل، كان وقد وعدنى بأن يشرح لى إنجيل متى وقصة نسبه الذى ينتهي عند الرسول متى، وعلى الرغم من إندهاشي بأن المسيحي العجوز يمتلك شجرة عائلية لنسبه تنتهي بأنه أحد أحفاد الرسول متى، الا أن الغرابة التى شكلت ملامح وجهى وقتها قد مُحيت كلها بعد أن إعترف بأنه لا يؤمن بالأنساب، لا فى ديانته ولا أى ديانة اخري، خاصة بعد أن قرأ كل نسخ الأناجيل وإنتهت كلها بإختلاف أنساب المسيح، يعلل ذلك قائلاً: مثلاً.. يصف أنجيل متي نسب المسيح من ناحية يوسف، بينما يصف أنجيل لوقا نسبه من ناحية العذراء، وفى أزمان لم تعد كالأزمان عندما يموت الزوج، تتزوج الزوجة من أخيه فإن أنجت منه يعطى المولود اسمًا منسوبًا الى زوجها الأول..!

عندما يحتد بيننا الجدال، يستغيث العجوز بأداءه المسرحي قائلاً "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".. سأقص عليكم قصتنا فى فصل أخر، أما الأن يكفيه إنتظارًا لأن اُجيب على إستئذانه للدخول..!
يتبع...


الإبتساماتإخفاء