أحمد خضر أبو إسماعيل - دموع على أعتاب الجنة


 دموع على أعتاب الجنة


بقلم : أحمد خضر أبو إسماعيل


قبل الثانية عشرة بقليل ,كان الطريق المفضي إلى موقع العملية خاوياً , لا تسمع سوى قهقهات الجرذان داخل قساطل المجارير وهي تنهش لحم الجثث المرمية منذ زمن . كان داخل المفخخة يتصبب عرقاً لا يعرف ماذا يتمنى الإنسان قبل أن يفارق الحياة بقليل , كان يشعر أن عقارب الساعة تلتهم الوقت من هو العظيم الذي يستطيع أن يرسم قدره بيديه؟ هكذا كان يتسائل لا يعرف كيف مضى العمر بين طفولته في الميتم وشبابه المشرد المبعثر على أرصفة المدينة وفي نهاية المطاف داخل سيارة مفخخة ينتظر لحظة الضغط على زر التفجير لينهي حياته على كوكب بني البشر وينتقل إلى جنان الخلد كما وعد الله المجاهدين في كتابه العزيز .

مسًّد لحيته بحذر وهو ينتظر الأمر بلحظة الصفر لكن على غير توقع اهتز الجوال قبل الموعد بقليل يحمل رسالة نصية مضمونها إيقاف العملية , كم هو شعور غريب أن تشعر بالسعادة شعور العودة للحياة. ترّجل من سيارته وجلس على الرصيف يتأمل هل هي جميلة هذه الحياة إلى هذا الحد؟ وماذا عن الجنة أليست أجمل ؟ كانت آلاف الأسئلة تطرق مخيلته واحداً تلو آخر, لكن ماكان يشغل تفكيره هو لماذا شعر بالسعادة رغم أن طريقه إلى الجنة قاطعته هذه الرسالة النصية ؟ لم يدرك الإجابة .

مضت ساعات متوالية إلى أن بزغ الفجر معلناً يوماً جديداً في حياته الدنيا , وانتفض من مكانه حين سمع نداء المؤذن :{الصلاة خير من النوم } وهرع باتجاه دار العبادة جلس إلى جانب الضحايا الذين عادوا معه إلى الحياة بفعل الرسالة النصية, ذاتها تأملهم وجدهم بشراً مثله يتعبدون الخالق بذات الطريقة يتوسلون الرحمة مثله تماماً .لم يدرك لماذا كاد يقتلهم جميعاً , وبعد انتهاء الصلاة تفرق جمع المصلين وبقي وحده في حرم هذا المكان الطاهر , وإذ بيد تربت على كتفه ويتردد صوت خافت من شيخ مسّن : تقبّل الله

وقبل أن يستدير الشيخ أمسك بطرف عباءته وقال : ياعماه ألا تريد أن تذهب للجنة ؟

ضحك الشيخ بهدوء وقال هل تعرف الطريق ؟

قال : بلى

أجابه : إذن إذهب وحدك ولا تخبر أحداً

تفاجئ الشاب برد المسّن وقال : لماذا

جلس الشيخ وجهاُ لوجه مع الشاب وقال : الطريق الذي يفضي إلى الجنة لا يعرفه سوى صاحب الجنة أما طريقك يفضي إلى أي مكان غير الجنة وإذا واجهت الله ذات يوم واجهه مظلوماً ولا تواجهه ظالماً ولو كنت تتيقن أنه هو الطريق لماذا لا تذهب ؟

باغته شعور السعادة مجدداً أنه عاد للحياة الدنيا وجد إجابة عن سؤاله لوكان حقاً يدرك أنه في سبيله إلى الجنة ومؤمناً بذلك كان تجاهل الرسالة النصية هنا فقط

تذوق ملح بعض قطرات الدمع التي بلّت لحيته شعر بالندم على طفولة في ميتم متعفن وشباب على أرصفة المدينة لكن تيقن أن نهاية المطاف لم تك داخل المفخخة ابتسم وقبل أن يمسح دمعته كان صوت انفجار المفخخة يعلو مدوياً

كان لقائه مع الشيخ هو الحد الفاصل بينه وبين الموت الذي كان أقرب من بياض العين لسوادها بالنسبة له .

مجاهد آخر حظي بأن يضغط زر التفجير لكن لم يدرك بأن الطريق إلى الجنة لا يعرفه سوى صاحب الجنة وسيقابل وجه ربه ظالماً لا مظلوماً .