د. محمد عبد العزيز - الهجرة غير الشرعية.. الأسباب والحل


الهجرة غير الشرعية...الأسباب والحل

بقلم د. محمد عبد العزيز أبو المجد

في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر 2016 استيقظت مصر على خبر مفزع، وإن كان هذا الخبر غير جديد ويتكرر بين حين والآخر، وهو غرق ما يقرب من 165 شابًا مصريًا ممن كانوا على متن قارب في محاولة للهجرة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. صحيح أن هذه المغامرات ليست الأولى من نوعها في مصر وأظنها لن تنتهي في القريب العاجل ما لم يستيقظ ولاة الأمر من سباتهم العميق وينهضوا ليبادروا بحل الأزمة بدلاً من الانتظار في كل مرة للبحث عن رد فعل مناسب. ولعل المضحك المبكي في نفس الوقت أن أداء ولاة الأمر تجاه كل مشكلة يعطي انطباعًا أنهم قد تفاجأوا بالأزمة، فهم دائمًا يندهشون لما يحدث وكأنه يحدث لأول مرة وتكون ردود الأفعال "مدهشة" جدًا نظرًا لعدم مناسبتها للفعل نفسه، ولكن هذه المرة قد يفيق ولاة الأمر لاتخاذ ما يلزم تجاه هذه الظاهرة التي تنضم إلى غيرها من الظواهر التي تقضي على أرواح المصريين كل صباح وأشهرها حوادث الطرق وانهيار المنازل المخالفة وغيرها.

ودعونا الآن نسأل أنفسنا لماذا يغامر بعض الشباب المصري بأرواحهم في مقامرة غير محسوبة بالمرة ويدفعون أموالاً للصعود إلى مراكب الموت بمباركة ذويهم؟ ما الذي يدفع هؤلاء إلى الانتحار الذي يباركه الأهل والأقارب؟ صحيح أن هذه الظاهرة عالمية وليست حصرية على المصريين، ولكننا هنا نتناول الحالة المصرية فهي التي تهمنا.

 وقبل التعرض للإجابة أود أن أذكر حقيقة مهمة جدًا وهي إذا كانت الخلية هي وحدة بناء الكائن الحي، فإن الإنسان هو وحدة بناء المجتمع ويجري على المجتمع ما يجري على الإنسان. وإذا كانت إصابة الإنسان بالاكتئاب قد تدفعه في مرحلة ما إلى الانتحار، فإن جزءًا كبيرًا من المجتمع مصاب باكتئاب اجتماعي بدرجات مختلفة، وهذا الاكتئاب الاجتماعي يسوق قطاعًا من الشباب إلى الانتحار الجماعي.

ولعل أول تلك الأسباب التي تؤدي إلى اكتئاب المجتمع هو انعدام الأمن الاجتماعي. ويتحقق الأمن الاجتماعي بتحقيق الاحتياجات الأساسية للفرد من مأكل ومسكن وتعليم وعلاج وعمل واحترام. فعندما لا يجد الفرد احتياجاته الأساسية يشعر بعدم الانتماء لأي شيء ويفقد هويته ومن ثم يفقد الرغبة في الحياة. فالمأكل والمسكن والتعليم والعلاج لا تقل أهمية عن احترام المجتمع لأفراده. فعندما يشعر الفرد بأن قيمته في المجتمع واحترام المجتمع له يتوقف على ما لديه من أرصدة مالية، أو جنسية أجنبية، أو يتوقف على وظيفته أو شهرته، يفقد الفرد احترامه للمجتمع نفسه ويصير الازدراء متبادلاً، وينسحب الفرد من مجتمعه ويفر –ولو بالموت- إلى مجتمع آخر يرى أنه يحترم أفراده، ويسعى بالمغامرة إلى الحصول على جنسية أجنبية تكون لها احترامها في بلده، لأنه يشعر أن جنسيته الأصلية تجلب لها المهانة طالما أنه ليس من ذوي الأموال أو المناصب في الدولة، ولهذا نجد أن الوجهة دائمًا تكون نحو الغرب، فلم تسجل حالات هجرة إلى دول الخليج مثلاً، وذلك لأنها لا تستحق المغامرة فهي أيضًا لا تحترم الفرد.

ومما يجعل البوصلة تتوجه نحو الغرب، تلك الأساطير والحواديت المنتشرة في الدراما وغيرها عن قصص نجاحٍ بعضها صحيح وبعضها وهمي عن نجاح مهاجرين غير شرعيين في أوروبا وتمكنهم من تحقيق ثروات طائلة إما من العمل أو من الزواج من ثريات أجنبيات أو عن طريق مشاركتهم في أعمال إجرامية.

ومن الأسباب أيضًا التقاعس الأمني وغض الطرف عن مافيا تهريب البشر، وذلك لأن المنظومة القانونية المصرية تخلو من تجريم لهذا الفعل، ولقد علمت أن "مجلس النواب" يدرس الآن مشروع قانون لمواجهة هذه الجريمة.

ومن الأسباب أيضًا تقاعس الإعلام عن مناقشة هذه الظاهرة، لاعتقاد الإعلام أن مناقشة هذه الظاهرة تعتبر طعنًا في سياسة النظام الحاكم، لذا يغض الطرف عنها، لأن النظام الحاكم لا يصح نقده نقدًا جادًا، وإن كنت أعلم أن الرئيس الحالي لمصر يرحب بالنقد الجاد، أما السادة الوزراء وبعض الجهات لا تحب ذلك، بل وقد تغضب غضبًا شديدًا إن علمت بأن هناك من يفكر في ممارسة النقد الجاد.

والحق أقول لكم إن ما يدل لصحة كلامي أن مصر نفسها التي يفر منها شبابها تعتبر ملاذًا لبعض المهاجرين من دول أخرى، فمصر استقبلت مهاجرين من سوريا ومن العراق ومن السودان، وهؤلاء المهاجرون حققوا نجاحًا في مصر، وذلك أن الغريب في مصر قد لا يتعرض للازدراء الاجتماعي الذي يتعرض له المصري نفسه.

هذه بعض الأسباب التي أرى أنها تحتل رأس القائمة، والباب قطعًا مفتوح لكل من يستطيع أن يضيف إلى قائمة تلك الأسباب لعلنا نصل إلى تشخيص دقيق ومعرفة حقيقية لمسببات هذا المرض القاتل، مرض الهجرة غير الشرعية.

والحل في ضوء ما ذكرنا من أسباب يتمثل أول الأمر في تحقيق العدل وتطبيق القانون على الجميع بنفس القوة دون استثناء، وذلك لأن الكيل بمائة مكيال في تطبيق القانون سبب من أسباب هلاك الأمة، وفي هذا أذكر قول النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- عندما قال: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ ، تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ويشير هذا الحديث إلى أن عدم تطبيق القانون على الجميع مهما كانت مراكزهم وصفاتهم آفة تؤدي إلى الهلاك. كما أن تطبيق القانون على الجميع من شأنه أن يرسل رسائل طمئنة للجميع أن من يخطئ مهما كان سوف يلقى جزاءه، ولن يحصل القاضي أو ضابط الشرطة مثلاً على ميزة السير بسيارته بدون لوحة أرقام لأنه فلان بك. فهذه المشاهدة على بساطتها إلا أنها تمثل ازدراء طائفة بعينها لمجتمع بأكمله.

ومن وسائل الحل أيضًا أن يناقش الإعلام أسباب هذه المشكلة وأن يوضح مسئولية كل مسئول في الدولة بكل شفافية، وأن يركز الإعلام أيضًا على المشكلات والمخاطر والعذابات التي يكابدها المهاجرون غير الشرعيين في أوروبا، وفي الوقت نفسه ييلقي الضوء على نماذج وسبل النجاح داخل مصر.

وعلى الحكومة أن تنظر إلى المحافظات التي يغامر أبناؤها بالهجرة فتقيم فيها مشاريع تنموية وتعمل على رفع مستوى المعيشة فيها وتطوير الخدمات وخلق فرص عمل وتدريب في تلك المحافظات، وأن تسن القوانين اللازمة التي تكافح مافيا تهريب البشر وأن تنسق مع الدول المستقبلة للمهاجرين تنسيقًا أمنيًا يحول دون وقوع المهاجرين في أيدي تجار البشر الأوروبيين وأن تخلق آلية لإعادة هؤلاء المهاجرين.

وعلى المستوى الدولي، يجب على الدول التي تستقبل المهاجرين غير الشرعيين والتي تخاف على نفسها من هؤلاء المهاجرين أن تقدم العون للدول التي يخرج منها المهاجرون عن طريق إقامة استثمارات تستوعب هؤلاء الشباب.

وأخيرًا، أقول إن ما سبق هو رؤية شخصية، وأدعو غيري إلى تقديم رؤاهم، فعينان خير من عين وعقلان خير من عقل، والباب مفتوح للجميع ليسهم في حل هذه الأزمة. ورحم الله ضحايانا وألهم ذويهم الصبر، وأصلح لنا حال بلادنا.