لوجين أشرف محمد تكتب: يوميات عربية في إنجلترا (٢)


يوميات عربية في إنجلترا (٢)
بقلم: لوجين أشرف محمد

إلى الآن لا أعلم لماذا كنت أبكي، ولكني أعلم جيدا أن هذه الدموع كانت بداية لقوة شخصيتي ومحاربة أيامي الآتية، تمالكت نفسي ونهضت لاستكمال استكشاف هذه البلدة الباردة.

أتذكر أنني كنت أرتدي معطفا أسود ووشاحا أحمر، كانت أول مرة منذ فترة طويلة أرتدي فيها مثل هذه الملابس؛ حيث إنني كنت أعيش مع عائلتي في الخليج، و لم نشعر يوما بالبرد هناك.

ذهبت لتناول الغداء في مطعم ظننت أنه عربي، ولكنه كان يونانيا، كانت أول مرة أتناول فيها الطعام بمفردي دون أبي وأمي وإخوتي، ولكنني -لأكون صريحة- استمتعت بالموقف؛ حيث إن إخوتي دائما يأكلون من طعامي وخاصة البطاطا المقلية، "كم أفتقدهم"، قلت في ذاتي ثم توجهت إلى المنزل.

كان المنزل دافئا، هادئا جدا، أنواره خافتة، توجهت إلى مكتبي وأمسكت بقلمي، وبدأت بكتابة بعض الملاحظات التى لفتت انتباهي خلال يومي الأول:

"كم أفتقدهم، كم أتمنى أن أرجع لبيتي، كم أريد أن أنتهي من هذه الرحلة وأتخرج من الجامعة".

هكذا كانت أفكاري بعد قضاء أول يوم في "بريستون".

أضأت الشموع واتجهت إلى فراشي، وظللت أنظر إلى سقف الغرفة وأتخيل مستقبلي في هذه البلدة، إلى أن بدأ السقف في الابتعاد، وغرقت في سبات عميق...

في صباح اليوم التالي، قررت الذهاب إلى مقهى يدعى "كافيه نيرو"، و هو أحد المقاهي المشهورة في إنجلترا، كان الجو باردا وماطرا، لذا طلبت سيارة أجرة واتجهت إلى وسط المدينة، وبمجرد دخولي المقهى أحسست أنه عالم آخر، جو دافئ، موسيقى هادئة، أصوات الأشواك والسكاكين على الطاولات، والكثير من الناس يتحدث ويضحك.
اتجهت إلى الـ "بار" لأطلب قهوتي، وإذ فجأة أسمع كلاما بلهجة أعرفها! نظرت خلفي لأجد ثلاث فتيات عربيات يتحدثن عن الجامعة، وتصادف أنهن في نفس التخصص الذي أدرسه.

أخذت قهوتي، وأخذت قطعة من كعك الجبن بالشوكولاتة، واتجهت إلى طاولتي، وإذا بهن يأتين إليَّ، و دار الحوار كالتالي:

- انتي جديدة؟
= أيوه، لسه واصلة من يومين.
- من وين؟
= مصرية.
- الحمد لله على سلامتك، تحبين تجلسىي معنا؟
= أكيد، شكرا.

وبالفعل اتجهت إلى طاولتهن، وجلسنا نتحدث عن تجربتي خلال الأيام القليلة التي قضيتها في "بريستون"، وعن الجامعة والتخصص الذي ندرسه.

لم أشعر بالوقت حتى قالت إحداهن إنهن ذاهبات لتناول الغداء، وقالت لي إنهن يذهبن دائما لتناول الطعام في مطعم مغربي قريب من الجامعة، ومن ثم اتجهنا إلى هذا المطعم.
أثناء تناول الغداء، فوجئت بشباب وشابات من الفريق التعريفي بالجامعة آتون للتحدث معنا وتعريفنا على المدينة، وإطلاعنا على البرنامج الأسبوعي للتعارف بالجامعة.

أتذكر جيدا لهجتهم الإنجليزية التي دائما ما كنت أستمع إليها في الأفلام، فابتسمت وقلت في نفسي: "ها قد بدأت المغامرات".

تناولت طعامي وعدت إلى منزلي لكي أقوم بالتحضير والاستعداد للبرنامج التعريفي، وكنت على أتم الاستعداد لمعرفة المزيد والتعرف على المزيد من الأشخاص.

خلال الأسبوع التعريفي تعرفت على الكثير من الأشخاص من عدة جنسيات ويتحدثون العديد من اللهجات، تعلمت الكثير عن "بريستون"، وتحدثت مع قادة فرق الرقص والسباحة في الجامعة، وبالفعل انضممت إلى كثير من النوادي بالجامعة.

في آخر الأسبوع أخذنا جداول مواعيد المحاضرات وأماكنها، كما أنني علمت أن هناك العديد من المسابقات الرياضية في الجامعة، وهذا ما كنت أنتظره بشدة...