أشرف شعبان يكتب: البحث عن زريزرا (حكاية شعبية بتصرف قصصي)


البحث عن زريزرا (حكاية شعبية بتصرف قصصي)
بقلم: أشرف شعبان

تفرقت البلدة إلى أربعة فرق، الفريق الأول كان على رأسه "هارون" أخو "زريزرا" وأمها، وضم الفريق مجموعة من أقرب جيرانها، اتجه الفريق الأول ناحية شرق البلدة حيث تمتد الترعة وغيطان القصب والذرة، خلع هارون واثنان من الرجال جلابيبهم ونزلوا إلى الترعة، غاصوا إلى القاع عدة مرات، وصعدوا دون أن يجدوا أي أثر لزريزرا، خرج هارون والرجلان من الترعة يغمرهم البلل، تطلع إليهم الجمع في صمت، ارتدى الرجال المبللون ثيابهم، وأشار هارون إلى الغيطان حيث سيكملون البحث.

كانت أعواد القصب والذرة تغطي الغيطان مما يصعب من عملية البحث، اقترح البعض الاكتفاء بالنداء على زريزرا من جنبات الغيطان المرتفعة حفظا للمجهود وحفاظا على المحصول من التلف، رفض هارون الاقتراح، ورفضته أمه التي خرجت عن صمتها المستمر منذ أن خرجوا للبحث، ضربت الأم بكفيها فوق صدرها عدة مرات وبدأت تصرخ في هارون: "رجع لي بنتي يا هارون، هات لي زريزرا يا هارون"، لم تُجدِ أي وسيلة لتهدئة الأم، كان هارون يعرف أنه لا سبيل لهدوئها إلا أن ترى ابنتها أمام عينيها. 

لم يُضِع هارون المزيد من الوقت، شمر جلبابه وعقده في خصره، دخل إلى الغيط وتبعه الرجال مشمرين الجلاليب مكشوفي السيقان، ومن خلفهم دخلت النساء وقد تعصبن بالطرح وكشفن أذرعهن، بدأوا في إزاحة أعواد القصب والذرة لعلهم يجدون أي أثر، استمر البحث كثيرا حتى مسحوا كل غيطان القصب والذرة دون جدوى، صرخت الأم وقد غلبتها الدموع والنشيج: "زريزرا.. انتي فين يا زريزرا"، ردد الجمع البائس خلفها في صوت واحد: "زريزرا.. انتي فين يا زريزرا.. انتي فين يا زريزرا...".

الفريق الثاني قاده "الشيخ متولي" و"العمة حفصة" (عمة زريزرا)، اتجهوا إلى غرب البلدة حيث المقابر وبقايا البلدة القديمة.

الشيخ متولي هو إمام المسجد، يحفظ القرآن كاملا بجانب عشرات الأحاديث، يفتخر دائما بأنه حصل على الإجازة من الشيخ محمد البيهي، القطب الكبير الذي أهداه نسخة كاملة من الصحيحين مكافأة له لحصوله على الإجازة في فترة قصيرة.

الشيخ متولي له رأي "معتبر" وكلمة مسموعة عند جميع أهالي البلدة في كل الأمور الكبيرة والصغيرة، وله كذلك مريدون كُثر، تبعوه جميعا حينما استنجدت به العمة حفصة للبحث عن زريزرا. 

وصل الشيخ متولي يتبعه فريقه إلى "الجبّانات" التي تستقر أسفل الجبل الذي كان فيما مضى مستقرا لسكان البلدة الأوائل قبل أن تُشق الترعة، فنزلوا من الجبل تداعبهم أحلام الزراعة والسكن.

كان السكون يغلف الفضاء الشاسع الذي يحتضنه الجبل، الموت وحده من يأمر هنا، يجلس فوق قمة الجبل كملك مهيب يعتلي العرش، يرسل نظراته إلى الأطراف المترامية التي تموج بالصخب والحياة، تخرج الكلمة منه فيتوقف كل شيء هناك، ويأتي الجميع إلى مملكته في خوف ورهبة، حاملين فردا جديدا للمملكة وقد لفوه في ثوب أبيض وشيعوه بالعويل والصراخ.

تقدم الشيخ متولي بحذر، في كل خطوة كان يبسمل ويحوقل، وأحيانا يردد "يا حي.. يا قيوم.. يا مغيث"، كانت جماعته تسير من خلفه وتردد مثلما يقول، طافوا بجميع القبور ولم يجدوا أثرا للمفقودة، أعطوا ظهورهم للجبل واستعدوا للعودة، ظلوا يرددون البسملة والحوقلة حتى خرجوا عن نطاق المقابر، ما إن اقتربوا من البلدة من جديد حتى صاحت العمة حفصة في أسى: " انتي فين يا زريزرا..."، ردد الفريق خلفها ومعهم الشيخ متولي في صوت واحد: "زريزرا.. انتي فين يا زريزرا، انتي فين يا زريزرا...".

في الجنوب كان "المنشاوي" كبير الخفراء بصحبة جمع من الخفراء للبحث عن زريزرا.
الجنوب هو أكثر مناطق البلدة خطورة، يعيش فيه الأشقياء في حرية تامة، لهم فيه ما اشتهت أنفسهم من ألوان الجريمة، الحكومة لا تقترب من الجنوب إلا لتبادل المصالح أو للقبض على بعض المجرمين لتحسين صورتها أمام الأهالي، ثم إطلاق سراحهم في هدوء وكتمان.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يكون فيها المنشاوي هو المسؤول الأول عن الأمن في البلدة بعد سفر العمدة في مأمورية طويلة.

قاد المنشاوي فريقه إلى الجنوب تداعبه الآمال أن يصير بطلا تحمله الأعناق، وتهلل له الحناجر، بعدما يعود وبصحبته زريزرا، ويثبت قدرته على حماية البلدة، حاول المنشاوي إظهار بعض القوة والهيبة، أمر من بصحبته من الخفراء بالسير خلفه في صفيين متوازيين بخطوات منتظمة وأسلحتهم مرفوعة، أمرهم كذلك بضرب الأرض بكل قوة، وإطلاق الصيحات من حين لآخر، مر المنشاوي بجميع معارفه من كبار الجنوب، لكنه لم يجد إجابة شافية، حُصِرت الإجابات في"لا نعرف.. لا نخطف الصبايا.. إذا عرفنا شيئا سنبلغك". 

ساعات قليلة قضاها "ربيع الكحكي" تاجر الفاكهة الكبير وصاحب الطاحون في سعادة واحتفال بخطبته على زريزرا قبل أن يتلقى نبأ اختفاءها، ويبدأ رحلة البحث عنها، جمع ربيع رجاله وعائلته وتقدمهم راكبا حصانه البني، ومن خلفه كانت أعداد كبيرة من الرجال يركبون المطايا ويسيرون على الأقدام، يتجهون إلى السوق الكبير في شمال البلدة، نزلوا عن الركائب، مسحوا السوق بحثا، دون جدوى.

ركب ربيع حصانه من جديد، وراح يعدو به حتى أصبح خارج البلدة، وصل إلى كوخ صغير تسكنه عرافة، دخل إليها وأخبرها بمقصده، زادت العرافة من نيران كانت في إناء أمامها، ألقت فيها مكعبا صغيرا من مادة زرقاء، و مكعبا آخر من مادة حمراء، أضافت مزيدا من البخور، وألقت بنفسها في الدخان المتصاعد، ألقت عباءة سوداء كبيرة فوق ظهرها، وبدأت تدور عدة دورات تحت الدخان، كان ربيع الكحكي يتابعها في سكون، على أمل أن تخرج إليه بالنتيجة المرجوة، خرجت المرأة من تحت الدخان، كان العرق يتصبب منها بغزارة، وكانت تلهث، تطلع ربيع إلى عينيها لعله يجد فيهما البشرى، كانت عينا المرأة حمراوين بلون الدم، ولا تنبآن بخير، أخيرا قالت المرأة: "زريزرا أخت هارون، زينة الصبايا، وزهرة البلدة الجميلة، لم يكشف سرها بعد لإنس أو جان".

في ليلة الاختفاء كانت زريزرا تجلس في المندرة مع أمها وعمتها حفصة، كان الحديث يدور حول الفتى "مرعي" الذي تقدم لخطبة زريزرا فتمنع هارون عن القبول، ثم أعلن رفضه النهائي بعدما تقدم ربيع الكحكي لخطبة زريزرا ورحب به هارون، كان رأي أم زريزرا مثل رأي ابنها هارون، وحدها العمة حفصة هي التي وعدت زريزرا بالكلام مع هارون ومحاولة إقناعه بمرعي.

في تلك الليلة دخل هارون إلى الدار متهلل الوجه، طلب من أخته إعداد العشاء، ثم جلس مع أمه وعمته يخبرهما بما عنده من أخبار مفرحة، قال هارون: "تم ما خططناه بنجاح، جاءني ربيع الكحكي بصحبته المنشاوى والشيخ متولي، وقالوا إنهم أتموا ترحيل مرعي إلى "السخرة" التي تداوم الحكومة على طلبها منذ شهور، وقد اتفقت مع ربيع على قراءة فاتحة زريزرا بعد يومين"، قالت الأم: "مبروك"، وهمت بإطلاق زغرودة لولا أن منعتها العمة حفصة، قالت العمة موجهة حديثها لهارون: "ما فعلتموه بالولد مرعي حرام"، قال هارون: "كل شيء تم بمشاورة الشيخ متولي الذي تقدرينه ولا تردين له كلمة"، أحست العمة بوخز أليم في صدرها، وقالت: "سامح الله الشيخ متولي، هذه الفعلة ستجلب الخراب"، تدخلت الأم وقالت إن الخراب أن ترفض العيش في جنان الكحكي وتتركها إلى دار فقيرة يُسكنها فيها مرعي.

عادت زريزرا تحمل صينية الطعام، فأشار لهم هارون بالسكوت، وطلب من أمه أن تخبر العروسة بالأخبار السارة، أخبرتها أمها أنه أمر الله، وأنه لا أحد يمكنه مخالفة طلب الحكومة، أضاف هارون أن خدمة الحكومة شرف ورجولة ومن الدين كما قال الشيخ متولي، لكن صمت العمة حفصة أخبر زريزرا بكل شيء.

ظلت طوال الليل تتقلب في فراشها، رأت مرعي يجرجره المنشاوي وهارون وربيع الكحكي إلى "ركوبة" الترحيلات ومن خلفهم الشيخ متولي يُكبر ويهلل، كان ريقها جافا، وعيناها متحجرتين، كأنهما فقدتا ما بهما من سائل، أحست بقلبها يسيل في صدرها ويغرق روحها في حزن أبدي ليس منه فرار.

في الفجر قامت من مرقدها، أرادت أن تصرخ في وجه أمها وهارون وعمتها، همت بإطلاق الصرخة فلم يخرج من فمها سوى همسات ضعيفة تردد فيها اسم مرعي، ظلت تروح وتجيء في الدار، وتقف عند الباب تتطلع إلى السماء طويلا، ثم تدخل إلى الدار، وتعود للخارج فتتطلع إلى السماء، استمرت على تلك الحال حتى لاح الصباح، دخلت إلى الزريبة، رمت نفسها إلى جوار الجاموسة، وأجهشت بالبكاء، ظلت الجاموسة تتابع زريزرا في صمت، حتى إذا تقابل قرص الشمس مع قرص القمر قالت الجاموسة لزريزرا: "الآن تندمج الأرواح، الآن تدخلين إلى المسكن الآمن، حتى يحين الوعد المكتوب"، فتحت الجاموسة فمها عن آخره، حتى صار يتسع لجسد زريزرا، ثم ابتلعتها بالكامل!!

كانت فرق البحث الأربعة قد تجمعت في المغرب أمام دار هارون بعد أن أجهدها البحث طيلة النهار، ورغم الإجهاد ظلت الأم تردد في أسى: "انتي فين يا زريزرا.. انتي فين يا زريزرا.. انتي فين يا زريزرا..."، فجأة سمعوا صوتها يأتيهم من بعيد كأنه يخترق حُجُبا كثيرة حتى يصل إليهم، قالت زريزرا: "أنا هنا يا أمي"، قالت الأم: "بنتي.. انتي فين يا زريزرا؟"، قالت زريزرا: "أنا هنا يا أمي في بطن الجاموسة"، أسكتت الدهشة الجميع، وظلوا صامتين كأنه مسهم مس، قطعت الصمت العمة حفصة وقالت: "اخرجي يا زريزرا، اخرجي لأهلك وناسك"، قالت زريزرا: "لن أقدر يا عمتي، حتى يحين الوعد المكتوب"، قالت العمة: "وما هو الوعد المكتوب؟"، قالت زريزرا: "أن يرجع مرعي سالما ويبني دارا جديدة نعيش فيها أنا وهو والجاموسة".

تعالى اللغط وعم الهرج في المكان، لم يدر هارون ماذا يفعل، كان يعرف أن عودة مرعي أقرب للمستحيل، ذهب إلى أمه وجلس إلى جوارها ووضع رأسه بين كفيه، التف حوله ربيع والمنشاوي والشيخ متولي يفكرون في طريقة للخروج من المأزق، قال ربيع: "نذبح الجاموسة ونخرجها من بطنها"، وافقه المنشاوي وقال الشيخ متولي: "توكلوا على الله وأنقذوا الصبية"، لم يجد هارون حلا آخر فوافقهم، وقام لينفذ الحل.

أحضر المنشاوي سكينا حادة وناولها لهارون، طوق الرجال الأشداء الجاموسة حتى تمكنوا منها، وهم هارون بالذبح، فصاحت الجاموسة: "لو ذبحتموني ستذبحون زريزرا معي، أرواحنا الآن مندمجة أنا وهي ومرعي"، تراخت يد هارون الممسكة بالسكين، ترقرقت كريات صغيرة من الدموع من عينيه، تراجع عدة خطوات للوراء، ثم سقطت السكين من يده، وطلب من الجميع الانصراف.

منذ ذلك المساء، ظلت الأم تجلس بجوار الجاموسة وتنادي على زريزرا وتحادثها، وظلت البلدة كلها تأمل أن يعود مرعي، وتخرج زريزرا...