نسرين يوسف تكتب: بيت بيوت (غلطة)


بيت بيوت (غلطة)
بقلم: نسرين يوسف

تعالوا لنكمل لعبتنا "بيت بيوت"، كما تعلمون فنحن مجموعة ضيوف في زيارة، والذي حصل حتى الآن أنني طرقت الباب الخطأ.

آسفٌ على كل شيء
ما حدث وما لم يحدث
ما اقترفته يداي
وما فاتها

هاني نديم - غلطة

أنا آسفة حقا، طرقنا باب المنزل الخطأ! بحسب معلوماتي المنزل يقع في نهاية الشارع، والآن عرفت أن نهاية الشارع في الطرف الآخر، أمر محير أن نحدد البداية من النهاية، على كل حال، أن نصل لنكتشف أننا في أول الطريق أفضل من أن نظن أننا نبدأ لنجد أننا انتهينتا.

غلطة مني، لا بأس بغلطة صغيرة أو حتى كبيرة! فيما مضى كان موضوع الخطأ يزعجني، فبحسب تربيتنا لنكون صالحين، لنكون محبوبين، لندخل الجنة، يجب ألا نخطئ، وفي أحد الأيام، كنت أنقاش أخي الصغير بحدة وأقول: "لا، مش غلطتي"، فقال لي: "غلطتك، وعادي لو كانت غلطتك، إحنا بشر"، أن أخطئ فلا بأس، أن أتعلم أو لا أتعلم من خطأي، أن أندم أو أن أستمتع بالخطأ، لم لا؟! 

الأجمل كان هو، كنت على وشك القيام بما يشبه القفز في الهاوية، الجميع حذرني: "أنتِ مخطئة"، وتخلى عني أقرب المقربين، بالطبع كان الرعب يملأني، قلت له: "أنا خايفة جدا، يمكن يكون كل اللي بعمله غلط"، رد قائلا: "مش مهم، سواء كان غلط أو صح أنا معاكِ للآخر"، وبالحديث عنه يجب أن أعترف أن ألذ غلطة هي الحب، بمقاييس مجتمعنا كل ما يحدث بعد الشعور بالحب غلطة، وخاصة بالنسبة للفتاة.

أن تقع في حب الشخص غير المناسب، أن تتصرف معه بالشكل غير المناسب، أن تطلق خيالك لتحلم، أن تطلق لرغباتك العنان، أن تثق بمن لا يستحق، أن تبني آمالا على هذا الحب، غالبا -ومهما كانت نتيجة علاقة الحب- سينتهي بك الأمر لتقول: "لقد كانت غلطتي".

عزيزي.. عزيزتي.. بالتأكيد هي غلطتك، وأهنئك، لقد أرتكبت أجمل الأخطاء.

اليوم أنظر خلفي وحولي، وأتذكر أخطائي، والطريقة المؤذية التي كنت أنظر بها لنفسي حين أخطئ، أنظر لأخطاء السياسيين وإلى أين أودت بنا، أنظر لأخطاء المجتمع وكم نحن متعنتون في الحفاظ عليها تحت عنوان العادات، أنظر لعدم تقبلنا للمخطئ، أنظر لعدم قدرتنا على الاعتراف بأخطائنا وتناحرنا؛ لأننا نخشى الاعتراف، إلى أن وصلنا لدرجة أن ذبحنا أنفسنا، وملأنا خرائطنا دما، وأنظر لأخطاء من علمونا أننا يجب ألا نخطئ شيوخنا، قساوستنا وكهنتنا، وكيف حذرونا من كل الأخطاء الصغيرة التي ستدمر حياتنا ومماتنا وبعثنا، الشهوة، الرغبة، الحلم، الحب، عدم الصلاة، الصلاة بالشكل الخطأ، الصلاة الصحيحة والنية الخطأ، حتى السؤال علمونا أنه خطيئة، شغلونا بالخطايا الصغيرة، ولم يحدثونا عن الأخطاء الكبيرة التي أوصلتنا لما نحن فيه اليوم.

للإنصاف، أذكر أنني سمعت شيخا جليلا يقول: "إن الله يحب العبد الذي يخطئ ويتوب"، تخيل -وأنا هنا لا أضرب مثلا لله ولكن للتوضيح- أن لك طفلين أحدهما مطيع وهادئ والآخر مشاغب ويخطئ، تغضب منه ويعود ليعتذر بكل قوة، ويخبرك كم هو نادم، وكم يحبك، أيهما ستحب أكثر؟ كم كان جميلا هذا الرجل، كان يقول: "ليحبكم الله أخطئوا وتوبوا"، وأفهم جيدا لِمَ هو مقاطَع اليوم من كافة الأنظمة السياسية والدينية.

لا بأس بالخطأ، لكن المشكلة هي عدم قدرتنا على الاعتراف أو التراجع، فنحن -البشر- نجد أنه من السهل أن نبدل سيارة أو حتى منزلا اشتريناه بالخطأ، ولكن في المقابل عندما نتأكد أننا اخترنا المهنة الخطأ، نستمر بالعمل فيها، وعندما نكتشف أننا اخترنا الشخص غير المناسب نبقى عالقين معه طوال حياتنا، ونعرف أن كثيرا مما نقوم بفعله خطأ، ولكننا نستمر لأن الجميع يفعل ذلك.

أريد أن أعود للأخطاء العذبة، هل تذكرون البيوت والطرقات والغابة التي رأيتها على صدره والبحر الذي كان في عينيه؟أخطأت التقدير، لم تكن وطنا، كانت متاهة، والقصة انتهت على غير ما يشتهي المحبون، لكنني لم أجد بأسا بذلك، لم ولن أندم على الحب، كيف كان لي أن أعيش كل تلك المشاعر الممتعة والمثيرة بدون تلك الغلطة؟! ها قد قاربنا على الوصول للمنزل الصحيح، لم يبقَ سوى أن نقطع الطريق للجهة المقابلة، حتى ألقاكم أتمنى لكم أخطاء تزيدكم جمالا، وأترككم مع "وائل كفوري" يغني:

مكتوب علينا نشتاق
للحب الهني
تـ يخلص عمر الأشواق
تـ تفنى الدني
ولو حبنا غلطة
تركنا غلطانين

اسمعوا الأغنية...