هاشم عبد العزيز يكتب: شتاء عام ١٩٩٨


شتاء عام ١٩٩٨
بقلم: هاشم عبد العزيز

الأم تشعل "وابور الجاز" لتسخين ماء الحموم، يستيقظ الصغير من النوم ويتناول وجبة الإفطار، ويرتدي المريلة التي لم يحبها يوما.

طفل نحيف قصير، لم يتجاوز السبع سنوات، كل من يراه يعتقد أنه ابن سبعة أشهر، في حين أنه أتم التسعة أشهر، وولدته أمه بمفردها كمريم عليها السلام.

تراوغه الرياح يمينا ويسارا وهو يسير حاملا أسفاره، ولا يقوى على رفع قدميه أو المشي باعتدال من ثقل وزن الكتب الموجودة في حقيبة المدرسة.

وصل إلى المدرسة، وفَرّاشها يعرض بضاعته الفاسدة على التلاميذ، ويبتعد الطفل مقررا أنه سيشتري في الفسحة.

طابور الصباح السخيف، وضجيج وكيل المدرسة وصوته المزعج، ثرثرة المعلمة، وازدحام الفصل بالطلبة، ووجود رائحة كريهة.

عيون حلوته اللامعة، و"توكة" شعرها، وجدائلها السود.

تائه، شارد، تنبهه معلمته من حين لآخر ولا يبالي؛ لأنه يعلم ما تقوله تماما، العلم، والفضل يرجع لشيخ الكتاب وأولاده، كل ما يهمه أن يراقب "زغلولته" وفقط.

جرس الفسحة، وصراخ الأطفال، يذهب إلى سيدة عجوز تبيع "المهلبية" خارج سور المدرسة، يدق جرس انتهاء الفسحة، ويحدث ما حدث قبل بدايتها، ثم جرس الانصراف، يخرج وكأنه خرج من السجن متنفسا الصعداء، يعود إلى المنزل مرهقا جدا، ولكنه سعيد لرؤية زوجته، باعتبار ما سيكون.

يدخل إلى منزله وقد عاد الأب من البحيرة بسمك كبير يعبث بجعبته محاولا تمزيقها والإفلات منها، لعله يجد بركة ماء خارجها يلجأ إليها ويهرب من الموت.

تم شوي جزء من السمك وتناول الغداء، والجزء الآخر أمر الأب بإرساله إلى الجدة؛ تصنع به ما تشاء.

يخرج إلى الشارع باحثا عن الظل في براح تسوده الشمس، أخيرا، ظل جدار منزل عمه القديم، صوت أغنية "سحراني ليل ونهار" يصدر من ميكروفون عرس جاره الغني جدا ونشازه معها، وكأنه يغني لصغيرته في حديقة عامة كما يحدث في الأفلام العربية التي يدمنها.

عرس آخر عند جار فقير، وغناء النساء "يا منجد علّي المرتبة.. واعمل حساب الشقلبة.. عروستنا حلوة مؤدبة"، واستخدام صينية وملعقة الطعام كعامل مساعد في الغناء.

يتساقط القليل من حبات المطر، ومعها يحضر القلق لاحتمال إلغاء العرس، الأطفال يرددون "الدنيا بتشتي.. أروح لستي.. تعمل لي فطيرة.. تحت الحصيرة"، وفعلا يذهب إلى جدته، ولكن لا يوجد فطير، اليوم ليس يوم الفطيرة، اليوم رقاق وعسل أسود مخلوط بالطحينة.

اليوم يوم الطحين، فتأمره امه بالذهاب معها لمساعدتها، يرد بـ "حاضر" ولكن "من تحت ضرسه"، ستضيع عليه الأفراح، قال في نفسه: "حبكت الطحين النهارده!".

يذهب مع أمه حزينا إلى ماكينة الطحين، وسرعان ما يتحول الحزن إلى سرور، حيث القمح يتراقص داخل "قادوس" الماكينة، ويخرج دقيق رائحته زكية جدا، يضع خده على "شوال" الأرز بعد تبييضه لأجل أن ينعم بالدفء.

يذهب إلى "وسط البلد" لإحضار عربة "كارو" لتحميل الطحين، العمال انتهوا من رفع الطحين على العربة، والصغير يجلس في الأعالي ويتذكر شادية وهي تغني "شيه شيه يا حمار"، ولكن العربة يجرها حصان، فيردد الصغير "شيه شيه يا حصان"، ها قد وقف الحصان أمام المنزل، وتم تنزيل الأرز والدقيق ورصهم بعناية في غرفة المعاش بمساعدة الأب والأبناء.

انتهت الأفراح، وتفرق الناس، والعروسة للعريس والجري للمتاعيس، شعر الطفل أنه قد فاته نصف عمره لأنه لم يتواجد بالفرح، فاته الغناء والرقص وكل شيء، لا يوجد إلا التلفاز لتعويض ما أفسده الطحين، ثم يكتشف أن مسلسل السابعة لن يأتي اليوم لأن هناك برنامجا هاما تقدمه مذيعة "جامدة"، تتحدث عن جامعة الدول العربية، ما شأنه هو بهذه الأمور! ما هذا النكد! إذن يجب تغيير القناة، ولا يوجد إلا القناة الثانية اليتيمة، إسماعيل يس يغني "حماة زائد حماة يبقوا حماتين"، ضحكة ماري منيب المميزة تأتي في خاطره فيقهقه، والجميع يسأل لماذا يضحك، لقد انتهت الأغنية! ولا أحد يجيب؛ لأن الأسئلة ستزيد وتزيد وهو متعب جدا، إنه لا يعرف اسمها، كل ما تذكره حينها ضحكتها الجميلة، ولذلك وفر عناء الأخذ والرد إلى وقت آخر، نعم، سيسأل عن اسم السيدة البدينة التي تضحك من أعماق قلبها، فهو حريص على معرفة أسماء الفنانين جدا.

جلس في سريره يفكر في حبيبته، هل تفكر فيه هي الأخرى؟ أم أنها تكتب الواجب؟ لقد نوى أن يكتب الواجب صباحا.

يستلقي على ظهره، يضع قدمه اليمنى على اليسرى، ويستغرق في النوم، تدخل أمه وتدثره بالبطانية الخضراء التي ألقاها على الأرض، إنه يكره أن يتدثر جدا، ولمَ لا والمدثر بالنسبة له هو الميت! الموت، وخروج الروح، وعذاب القبر، والثعبان الأقرع!!

يتبع...


الإبتساماتإخفاء